بعد ريلز تيك توك وإنستجرام.. هل أصبحنا نبحث عن زر التخطي في أحاديثنا مع الآخرين؟ - بوابة الشروق
الجمعة 6 نوفمبر 2026 6:21 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

بعد ريلز تيك توك وإنستجرام.. هل أصبحنا نبحث عن زر التخطي في أحاديثنا مع الآخرين؟

سلمى محمد مراد
نشر في: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 5:21 م | آخر تحديث: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 5:21 م

ازدهرت المنصات التي تتيح إنتاج واستهلاك محتوى سريع وخفيف، في عصر أصبحت فيه مقاطع الفيديو القصيرة، مثل تيك توك وإنستجرام ريلز وغيرها، جزءًا أساسيًا من الاستخدام اليومي للإنترنت. وشهدت هذه المنصات انتشارًا واسعًا بين الأجيال الشابة، فيما وصل إجمالي مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 5.24 مليار شخص حول العالم في يوليو 2025، بزيادة قدرها نصف مليار مستخدم سنويًا، وبما يمثل نحو 80% من مستخدمي الهواتف الذكية.

وبالنظر إلى غرفة يجلس فيها مجموعة من الأشخاص، قلما نجدها خالية من الهواتف؛ إذ ينشغل كل منهم بتصفح مقاطع الريلز المختلفة والتفاعل معها من وراء الشاشة، متجنبًا الدخول في أحاديث مع المحيطين به. ومع تكرار هذا المشهد، قد يجد الشخص نفسه عالقًا في دوامة يصعب الخروج منها، فهل سرقت هذه المنصات بالفعل قدرتنا على التواصل مع الآخرين؟

** عندما تصبح المحادثات العادية مصدرًا للملل!

تناولت دراسات وأبحاث عديدة تأثير أنماط الاستهلاك الرقمي المتكررة على عادات الانتباه والإنصات والتفاعل الاجتماعي. فقد يؤثر الاعتياد على هذا الإيقاع السريع في طريقة تعامل المستخدم مع المعلومات والمواقف التي تتطلب تركيزًا ممتدًا، خصوصًا عند الانتقال من العالم الرقمي إلى التفاعل المباشر مع الآخرين.

وتعتمد منصات الفيديو القصير على خوارزميات تقترح للمستخدم محتوى متتابعًا يتناسب مع اهتماماته، بطريقة تشجعه على مواصلة المشاهدة والانتقال من مقطع إلى آخر، دون الحاجة إلى البحث عن محتوى جديد.

وفي تجربة شخصية نشرتها صحفية «الجارديان» هانا إيوينز، تناولت خلالها تأثير الإفراط في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة على التواصل الإنساني، لاحظت تراجع قدرتها على الاستماع للآخرين، وشعورها بالملل ونفاد الصبر أثناء المحادثات اليومية.

ورصدت الكاتبة تغيرًا في طريقة تعاملها مع الأحاديث اليومية، بعدما وجدت نفسها خلال إحدى الحفلات تشعر برغبة داخلية في استعجال المتحدث، وكأن عقلها يطالبه بالوصول سريعًا إلى صلب الموضوع. كما لاحظت شعورها بالضيق أثناء الاستماع إلى تفاصيل الحياة اليومية لأصدقائها وأحبائها، إلى جانب صعوبة التركيز خلال المقابلات الصحفية التي تجريها بحكم عملها.

وربطت إيوينز هذا التغير بقضائها ساعات طويلة في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة أثناء عملها من المنزل، واعتيادها الانتقال السريع من مقطع إلى آخر بحثًا عن محتوى جديد يثير اهتمامها.

** الهروب هو السر وليس الإدمان

وبحسب دراسة حديثة منشورة عبر منصة «ساينس دايركت» العلمية، وشملت أكثر من 1700 مشارك، فإن أحد المحركات الأساسية للاستخدام المكثف لمقاطع الفيديو القصيرة يرتبط بما يُعرف بدوافع التجنب، وليس بالبحث عن المتعة أو تحصيل المعرفة كما قد يعتقد البعض.

ويعني ذلك أن الشخص قد يفتح هذه التطبيقات في كثير من الأحيان هربًا من لحظة ملل أو ضغط نفسي قائم، أو رغبة في وضع حاجز بينه وبين التفاعل الاجتماعي المباشر، الذي يتطلب جهدًا ذهنيًا وعاطفيًا قد لا يمتلك الطاقة اللازمة لبذله في تلك اللحظة.

وأشارت نتائج الدراسة كذلك إلى أن المقاطع القصيرة تجاوزت فكرة شغل وقت الفراغ، لتصبح لدى بعض المستخدمين أداة لتجنب التواصل البشري، لافتة إلى عامل يرتبط بتجنب التفاعل الاجتماعي، يتمثل في استخدام الشاشة كدرع يرسل من خلاله صاحب الهاتف إشارة غير لفظية إلى المحيطين به بأنه غير متاح للحوار، سواء في المواصلات العامة، أو استراحات العمل، أو حتى وسط التجمعات العائلية.

كما يلجأ المستخدم إلى التصفح اللانهائي، وفقًا للدراسة، لتفادي الاحتكاك أو الارتباك الاجتماعي، بما يجعل هذه المنصات ملاذًا آمنًا ومتاحًا على مدار الساعة للانسحاب من أي حوار يتطلب تفاعلًا أو انتباهًا حقيقيًا.

** مسكن رقمي

وتطرح النتائج مفارقة اجتماعية شديدة الحساسية، مفادها أنه كلما زاد شعور الفرد بالوحدة أو تراجعت قدرته على ضبط النفس أو ارتفع مستوى توتره، زادت رغبته في اللجوء إلى مقاطع الفيديو القصيرة باعتبارها مسكنًا سريعًا.

وقد يؤدي هذا التجنب إلى قطع خيوط التواصل المباشر مع المحيطين، لتتحول هذه الوسيلة إلى حلقة مغلقة تمتص المشاعر السلبية مؤقتًا من خلال التدفق السريع للمثيرات البصرية.

وفي المقابل، قد تتراجع مهارات التواصل الاجتماعي للفرد تدريجيًا، ومع مرور الوقت يجد المستخدم نفسه أقل قدرة على إدارة المحادثات الطويلة أو تحمل بطء الإيقاع في العلاقات الواقعية. وهكذا، تتحول مقاطع الريلز من مجرد وسيلة للهروب من العزلة إلى عامل قد يعززها ويضعف التواصل المباشر مع الآخرين.

** المحتوى السريع يؤثر في طريقة تفكير الدماغ ومعالجة المعلومات

وأشارت صحيفة «الجارديان» إلى دراسة أخرى أُجريت عام 2023، رصدت وجود ارتباط بين مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة وتراجع القدرة على الاحتفاظ بالنية بعد التعرض للمقاطعات، وهي مهارة ترتبط بقدرة الإنسان على مواصلة المهمة التي بدأها رغم تشتت انتباهه.

كما يوضح الباحث في تجربة المستخدم، فرانشيسكو كيوسي، أن الاعتياد على المحتوى السريع قد يعزز نفاد الصبر، وينعكس على أسلوب التواصل مع الآخرين من خلال مقاطعة المتحدثين، أو الانتقال المتكرر بين الموضوعات، أو الاعتقاد بأن الفكرة أصبحت واضحة قبل الاستماع إليها كاملة.

وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة حديثة منشورة في مجلة علم النفس اللغوي والدراسات الإعلامية، وشملت 200 شاب ومراهق تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، ممن يستخدمون ميزة ريلز على إنستجرام بانتظام، وجود ارتباط ملحوظ بين طريقة استخدامهم لمقاطع الفيديو القصيرة على إنستجرام ريلز وطريقة حديثهم وتواصلهم اليومي مع الآخرين.

وكلما زادت سرعة وكثافة مشاهدة المراهقين لمقاطع الريلز، وفقًا للدراسة، ظهرت تغيرات أكبر في أنماط التواصل اللفظي لديهم، وشملت هذه التغيرات جوانب مثل سرعة الكلام وطلاقة الحديث، ووضوح التعبير، والقدرة على الاستجابة السريعة، وتنظيم الأفكار والرسائل أثناء التحدث.

ويرى الباحثون أن التعرض المستمر للمحتوى السريع والمتغير يؤثر في طريقة تفكير الدماغ ومعالجته للمعلومات، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسلوب الكلام والتفاعل مع المحيطين.

** كيفية استعادة مهارات الحوار العميق

وبحسب عدة تقارير منشورة في مجلة «تايم»، يمكن استعادة القدرة على إجراء حوارات عميقة والابتعاد عن التفاعل السريع والسطحي، والانتقال من التفاعل الآلي إلى التواصل الواعي، بما يساعد على تجنب الفتور الناتج عن سرعة الاستهلاك الرقمي، من خلال اتباع عدة خطوات.

تتمثل الخطوة الأولى في تغيير طريقة التواصل مع الآخرين، عبر طرح أسئلة مفتوحة تشجعهم على التفكير والتعبير عن آرائهم ومشاعرهم، بدلًا من الاكتفاء بالأسئلة التقليدية والإجابات المختصرة.

كما يساعد إبطاء وتيرة الحديث ومنح الطرف الآخر الوقت الكافي للتعبير عن نفسه، مع الإنصات إليه باهتمام دون مقاطعة أو انشغال بالهاتف، على جعل الحوار أكثر عمقًا وفاعلية.

ويضاف إلى ذلك محاولة بناء الثقة من خلال مشاركة بعض التجارب والمشاعر الشخصية، والاستماع إلى وجهات نظر الآخرين ومحاولة فهمها، خاصة في أوقات الخلافات. ويمكن تحقيق ذلك بإعادة صياغة ما يقولونه للتأكد من فهم مشاعرهم ومقاصدهم على نحو صحيح.

كذلك يمكن تخصيص أوقات يومية للحديث بعيدًا عن الشاشات والهواتف، والحرص على إجراء حوارات منتظمة لمشاركة تفاصيل الحياة ومراجعة ما يشغل كل طرف. وحتى في حالات الصمت أو الانسحاب من الحوار، يُفضل التعامل مع الأمر بهدوء، ومحاولة فهم أسبابه وفتح باب الحديث مجددًا، بدلًا من اللجوء إلى اللوم أو التصعيد.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك