على طاولة مقهى هادئة، يجلس مجموعة من الرجال يتبادلون الحديث بهدوء، بينما تتصاعد حماستهم مع متابعة مباراة لكرة القدم. للوهلة الأولى، يبدو المشهد مألوفًا ومتكررًا يوميًا، ولا يلفت الانتباه، لكن هل تسهم هذه اللقاءات في دعم صحتهم النفسية؟
ومع اقتراب اليوم العالمي لصحة الرجل، الذي يوافق 19 نوفمبر من كل عام، تبرز أهمية الالتفات إلى العوامل الاجتماعية المؤثرة في الصحة النفسية للرجال. فالأمر لا يتعلق بالقهوة أو تأثير الكافيين بقدر ارتباطه بما يحدث حول الفنجان؛ من تواصل منتظم، وشعور بالانتماء، ووجود أشخاص يمكن الحديث معهم دون تكلف.
- لماذا تعزز المقاهي الصحة النفسية للرجال؟
تناولت دراسة منشورة عام 2017 في دورية «Leisure Sciences» العلاقة بين مجموعات القهوة والرفاه النفسي لدى الرجال الأكبر سنًا، من خلال مقابلات مع 14 رجلًا مشاركين في مجموعتين للقهوة. ووجد الباحثون أن هذه اللقاءات وفرت مساحة للتعبير عن المشاعر، والتواصل الاجتماعي، وتعزيز الشعور بالانتماء والهدف، بما جعلها تتجاوز مجرد التجمع لتناول المشروبات.
- المقاهي ودورها في تقليل شعور الرجل بالوحدة
لا يشترط أن يتحول الحديث في المقهى إلى نقاش حول المشكلات الشخصية حتى يحقق فائدة؛ فالتعرف إلى الوجوه المألوفة وتبادل الأحاديث اليومية قد يساعدان على بناء روابط اجتماعية مستمرة.
وهذا ما تناولته دراسة أخرى منشورة عام 2021 في دورية «Journal of Park and Recreation Administration»، إذ رصدت تبادل المشاركين في مجموعات القهوة أشكالًا مختلفة من الدعم، شملت المساندة العاطفية والمعلوماتية والعملية. فقد يبدأ اللقاء بسؤال عن العمل أو متابعة مباراة، لكنه يتيح أيضًا فرصة لطلب النصيحة، أو مشاركة تجربة شخصية، أو الحصول على مساعدة عند الحاجة.
- هل المقاهي مساحة ثالثة بين البيت والعمل للتواصل والراحة؟
يرتبط هذا الدور بمفهوم اجتماعي يُعرف باسم «المكان الثالث»، ويشير إلى الأماكن التي يقضي فيها الإنسان وقته خارج المنزل والعمل، وتتيح له التواصل مع الآخرين دون التزامات رسمية.
وفي دراسة يابانية منشورة عام 2023، تناول الباحثون دور المقاهي باعتبارها أماكن للتواصل والدعم العاطفي، ووجدوا ارتباطًا بين استخدامها للقاء الأصدقاء ومستويات أفضل من الرفاه النفسي، والشعور بالانتماء إلى المجتمع، وتقدير الذات.
وتكمن أهمية هذه المساحة في بساطتها؛ فالرجل لا يحتاج إلى ترتيب مناسبة أو استضافة أصدقائه في المنزل، بل يمكنه الذهاب إلى مكان مألوف والجلوس مع أشخاص يلتقي بهم بانتظام.
- لماذا قد تكون هذه المساحة مهمة للرجال؟
تشير الدراسات إلى أن اللقاءات الاجتماعية غير الرسمية قد تساعد الرجال على مواجهة العزلة والضغوط النفسية، خاصة في ظل صعوبة تعبير بعضهم عن مشاعرهم بسبب توقعات اجتماعية تربط الرجولة بالتحمل وإخفاء الضعف.
كما تمنح جلسات المقهى فرصة للتواصل وتبادل الخبرات دون الحاجة إلى الحديث المباشر عن المشكلات، لكنها تظل مساحة مساندة لا بديلًا عن الدعم النفسي المتخصص.
- هل تعزز المقاهي الصحة النفسية للرجال؟
تشير الدراسات السابقة إلى أن اللقاءات المنتظمة في مجموعات القهوة قد توفر للرجال فرصًا للتواصل، وتبادل الدعم، والتعبير عن المشاعر، وتعزيز الشعور بالانتماء. فمن خلال حديث عابر، أو صديق يستمع، أو مجموعة يعتاد الرجل لقاءها، قد يجد مساحة اجتماعية يحتاج إليها لمواجهة ضغوط الحياة.
ومع ذلك، لا تثبت هذه الدراسات أن المقهى في حد ذاته علاج نفسي أو وسيلة مضمونة للوقاية من الاكتئاب.
- متى يتحول المقهى إلى وسيلة للهروب من المشكلات؟
على الرغم مما تكشفه الأبحاث عن أهمية التواصل الاجتماعي، فإن المقهى ليس علاجًا نفسيًا، كما أن زيادة ساعات الجلوس فيه لا تعني بالضرورة تحسن الحالة النفسية.
فقد يتحول إلى وسيلة لتجنب المسؤوليات أو الخلافات الأسرية، إذا أصبح الرجل يعتمد عليه للهروب المستمر من مشكلاته بدلًا من التعامل معها. لذلك، ترتبط فائدته بكونه جزءًا من حياة متوازنة، لا بديلًا عن العلاقات الأسرية أو طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.