هل ضحت واشنطن بلبنان لإنقاذ نتنياهو؟ - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الإثنين 29 يونيو 2026 12:47 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

هل ضحت واشنطن بلبنان لإنقاذ نتنياهو؟

نشر فى : الأحد 28 يونيو 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2026 - 7:10 م

 لم يكن الاتفاق الإطارى الذى وقُع بين لبنان وإسرائيل، مساء الجمعة، سوى محاولة أمريكية لتفريغ بنود مذكرة التفاهم التى أنهت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من مضمونها، وتدارك تداعيات الهزيمة الاستراتيجية التى لحقت بدولة الاحتلال وإنقاذ رئيس وزرائها الذى تلاحقه اتهامات بالفشل والإخفاق.
المذكرة لم تحقق الأهداف التى أعلنتها واشنطن وتل أبيب مع بداية الحرب، بل انتهت إلى الاعتراف بطهران طرفا إقليميا يجرى التفاوض معه على مستقبل المنطقة.
والأخطر بالنسبة لإسرائيل أنها ربطت الجبهة اللبنانية مباشرة بمسار التفاوض الأمريكى الإيرانى، ونصت على احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، بما يعنى أن مستقبل الجنوب اللبنانى أصبح جزءا من تفاهم سياسى تديره واشنطن مع عدو إسرائيل الأول.
لهذا لم يكن غريبا أن تعتبر الصحافة العبرية أن الضربة الأقسى لإسرائيل لم تأت من صواريخ إيران بل من الحليف الأمريكى الذى أعطى ظهره لتل أبيب وتركها عالقة فى منتصف الطريق. وهو ما عبر عنه ناحوم برنياع فى صحيفة «يديعوت أحرونوت» حينما ذهب إلى أن ربط مصير لبنان بالنظام الإيرانى خسارة كبرى لإسرائيل.
أصبح الجيش الإسرائيلى، وفقا لبرنياع، عالقا فى جنوب لبنان؛ «لا يستطيع التقدم لأن الإدارة الأمريكية تمنعه، ولا الانسحاب لأن نتنياهو لا يملك ترف العودة بلا إنجاز قبل انتخابات الكنيست».
نتنياهو، الذى تراجعت شعبيته بعد إخفاقه فى تحقيق أى من أهداف الحرب على إيران، وجد نفسه فى نهاية المطاف أمام مذكرة تفاهم تعترف بعدوه شريكا تفاوضيا، بينما بقى هو خارج غرفة المفاوضات؛ وهو ما فرض عليه البحث عن إنجاز يسوقه للرأى العام الإسرائيلى قبيل انتخابات الكنيست.
هنا تحرك أصدقاء إسرائيل فى واشنطن؛ من صقور الحزب الجمهورى وجماعات الضغط الصهيونية، رافضة أن يخرج نتنياهو من الحرب مهزوما بينما تخرج إيران شريكا تفاوضيا. وفى ظل اتهامات متصاعدة لترامب بأنه قدم تنازلات كبيرة لطهران، بدا الاتفاق الإطارى أقرب إلى طوق نجاة يمنح نتنياهو نصرا يعوض به خسائره.
برضا الحكومة اللبنانية، التى قاومت منذ البداية الالتحاق بمسار إسلام آباد، جاء الاتفاق الإطارى لنسخ البند الأولى من مذكرة التفاهم؛ فبدلا من أن يكون احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه التزاما غير مشروط، أصبحت السيادة، وفقا للاتفاق الإطارى، رهينة بتجريد حزب الله من سلاحه، وبترتيبات أمنية تديرها واشنطن، وشرعنة بقاء إسرائيل بالجنوب إلى أجل غير معلوم.
لذلك احتفى نتنياهو بالاتفاق، واصفا إياه بأنه «إنجاز كبير لإسرائيل وضربة لإيران»؛ أما سفيره فى واشنطن، يحيئيل ليتر، فلم يخف جوهر ما تعتبره تل أبيب انتصارا، حين أعلن أن «إيران ووكلاءها أصبحوا خارج اللعبة»، فى إشارة واضحة إلى انتزاع الملف اللبنانى من مظلة التفاهم الأمريكى الإيرانى وإعادته إلى المظلة الإسرائيلية.
ما أخفقت إسرائيل فى فرضه بالحرب، تحاول انتزاعه بالسياسة؛ فالانسحاب وفقا للاتفاق لم يعد التزاما على دولة الاحتلال، بل ورقة ابتزاز تحتفظ بها تل أبيب، ولا تتخلى عنها إلا إذا نزعت الحكومة اللبنانية سلاح حزب الله؛ وبهذا يصبح الاحتلال هو القاعدة، أما الانسحاب فيتحول إلى استثناء تمنحه إسرائيل متى شاءت.
لا توجد دولة تتخلى عن عناصر ردعها قبل أن تمتلك بديلا قادرا على حماية سيادتها؛ أما لبنان، فلا يملك حتى الآن ميزان قوة يردع أى عدوان إسرائيلى، فإذا جرى تفكيك القوة التى مثلت لعقود عنصر الردع الرئيسى على الجبهة الجنوبية، دون بناء قدرة دفاعية وطنية مكافئة، فلن يبقى ما يمنع إسرائيل من فرض إرادتها بالقوة.
وهنا يفرض نموذج الضفة الغربية نفسه؛ فالسلطة الفلسطينية، رغم ما تملكه من أجهزة واعتراف دولى، لم تستطع منع إسرائيل من اقتحام مدن الضفة واغتيال واعتقال من تشاء. وإذا جُرد لبنان من سلاح الحزب قبل أن يمتلك أدوات ردع حقيقية، فلن يكون من المستبعد أن يتحول الجنوب، وربما لبنان كله، إلى ضفة غربية أخرى.
المعطيات على الأرض تجعل تنفيذ بنود الاتفاق أمر غاية فى الصعوبة؛ فحزب الله لن يتخلى عن سلاحه تحت الضغط الإسرائيلى أو الأمريكى، والحكومة التى وقعت الاتفاق لن تتمكن من إقناعه بتنفيذ ما فرضته على نفسها من استحقاقات، وهو ما قد يدفع البلاد إلى حرب أهلية، حسبما توقع ساسة لبنانيون.
وهكذا يقف لبنان أمام ثلاثة خيارات أحلاها مر؛ إما القبول بترتيبات تعيد تشكيل الداخل وفق الشروط الإسرائيلية، أو استمرار الاحتلال بذريعة عدم تنفيذ شروط الانسحاب، أو الانزلاق إلى حرب أهلية تهدد استقرار البلاد.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات