ما الذى دفع سفيرة لبنان فى واشنطن ندى حمادة معوض أن تعانق وتحضن السفير الإسرائيلى يئيل لايتر؟
فى هذه السطور لا أناقش بالأساس الاتفاق الإطارى الذى تم توقيعه بين لبنان وإسرائيل فى واشنطن مساء الجمعة الماضية، ولكن أتوقف بالأساس عن هذا العناق والأحضان.
هذه هى المقدمة التى بدأت بكتابتها صباح السبت الماضى بعد أن لاحظت انتشارًا كبيرًا لصورة السفيرة ندى معوض وهى تعانق وتحتضن السفير الإسرائيلى فى الولايات المتحدة.
ولأن الأمر غريب ومستهجن والصورة نفسها تبدو غير طبيعية، فقد بحثت عن أصل الصورة، وهل هى منشورة فى أى وسيلة إعلامية معروفة وموثوقة أم لا؟.
وفى النهاية تبين أن الصورة المتداولة بكثرة على صفحات لبنانية معارضة للاتفاق، غير صحيحة، بل تم إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعى، وتبين أيضًا أن حفل توقيع الاتفاق الإطارى لم يشهد من الأساس أى حديث مباشر أو عناق بين السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلى.
بالبحث والتدقيق أكثر فإن الصورة الحقيقية تظهر مارك روبيو وزير الخارجية الأمريكية وهو يقف خلف الوفدين الإسرائيلى واللبنانى أثناء التوقيع ثم صورة أخرى جماعية، وروبيو يتوسط الوفدين، وظهرت خلالها السفيرة من دون ابتسامات.
مرة أخرى أنا لا أتحدث عن المضمون، ورأيى الشخصى أن الاتفاق الإطارى سيئ وظالم للبنان ويعطى الاحتلال الإسرائيلى مزايا كثيرة، ويعكس حقيقة موازين القوة المختلة بين الطرفن. والأهم يعكس أيضا خطورة الانقسامات الداخلية فى لبنان، التى تلعب عليها إسرائيل وأمريكا بمهارة شديدة.
لكن أعود إلى النقطة التى بدأت بها وهى تزييف الصور بواسطة الذكاء الاصطناعى.
طبعا من حق حزب اللّٰه وحركة أمل وكل معارض للاتفاق أن ينتقده كما يشاء، مثلما من حق الحكومة اللبنانية وداعميها فى المنطقة أن يدافعوا عنه كما يشاءون، فكل طرف لديه منطقه وحجته وأسانيده وموقفه السياسى العام.
لكن من ملاحظة التعليقات التى تلت توقيع الاتفاق حظت الصورة المزيفة لندى معوض وهى تعانق السفير الإسرائيلى بالحجم الأكبر من التعليقات المسيئة بحق السفيرة وبحق الحكومة.
بطبيعة الحال ليس صعبًا معرفة من الذى قام بإنتاج هذه الصورة. فمن مصلحة حزب اللّٰه وكل معارض للاتفاق أن يقنع جمهوره بخطورة الاتفاق، لكن علينا ألا ننسى أن من مصلحة إسرائيل أيضًا أن تروِّج لهذه الصورة، لأنها ببساطة تساهم فى تكريس الانقسام الوطنى والطائفى والأهلى فى لبنان وهو هدف أمريكى إسرائيلى واضح منذ عقود وسيظل مستمرًا طالما بقى هذا الكيان الصهيونى فى المنطقة.
لكن ومرة أخرى فالهدف من هذه السطور هو بيان خطورة الذكاء الاصطناعى حينما يتم استخدامه بصورة شريرة لتشويه وتدمير سمعة شخص أو هيئة أو حزب أو حكومة أو دولة.
المعارضون للاتفاق يمكن أن ينتقدوه موضوعيًا خصوصًا أنه يتضمن العديد من الشروط المجحفة بحق لبنان وبالأخص شرعنة الاحتلال الإسرائيلى للجنوب، حتى يتم نزع سلاح حزب الله، وتحويل الجنوب إلى غزة أو ضفة غربية مصغرة يمكن استباحتها فى أى وقت.
لكن غير الموضوعى والأخلاقى أن يتم تركيب وتزوير وتزييف صورة غير حقيقية. لأنه إذا قبلنا هذا المنطق فى هذه القضية فسوف يحق لأى طرف آخر أن يقوم بتكرار هذا الأمر فى قضايا أخرى كثيرة يكون بعضنا مظلوما منها، ووقتها لن يحق لنا أن نعترض على ذلك.
تقديرى أن غالبية من شاهدوا الصورة المزيفة لندى معوض، خصوصا من المعارضين للاتفاق، وانتقدوا السفيرة وحكومتها، لم يروا النفى وأن الصورة مزورة، وحتى إذا عرفوا ذلك، فربما لن يغيروا وجهة نظرهم.
نموذج هذه الصورة المزيفة سوف ينتشر كثيرا فى قادم الأيام، وقد نرى له نماذج أكثر سوءًا لشخصيات عامة محترمة، وهى فى أوضاع مخلة جدًا، بهدف تدميرها معنويًا، وحتى إذا أدرك الناس لاحقًا أنها مزيفة تكون قد أدت الغرض منها، حتى لو كان بصورة مؤقتة.
من سوء الحظ أن الحقيقة ستكون أولى ضحايا التزييف والتزوير بواسطة الذكاء الاصطناعى، وربما يكون الأمر مقصودًا بهذه الطريقة، حتى يكون هناك رأيًا عامًا قائمًا على معلومات عير حقيقية على الأرض، يسهل تزييفها وتركيبها.