إزيك «يا باشا» - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 18 يونيو 2026 11:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

إزيك «يا باشا»

نشر فى : الخميس 18 يونيو 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الخميس 18 يونيو 2026 - 7:10 م

لا أعرف كم عدد المرات التى زرت فيها المغرب لكنها كثيرة وممتدة على مدار ما لا يقل عن ثلاثين عاما، وفى كل هذه المرات لم أتوقّف عن محبّة المغرب وأهل المغرب، لأننى أعتبر أن هذا البلد يقدم نموذجًا فريدًا للمصالحة بين الأصالة والمعاصرة. مآذن منتشرة فى بلد حاكمها هو أمير المؤمنين، ومطبخ شرقى لذيذ درة تاجه الكسكس والطاچين والبستيلة. جلابيب أشكال وألوان، ومصنوعات خزفية بديعة تختلف نقوشها من كازبلانكا للرباط ومن فاس لمراكش. وحواة وسَحَرَة وقارئون للكفّ ورعاة للغنم فى الصحارى الشاسعة. رسم بالحنّاء، وتاى (شاي) بنكهة مميزة، وزيت الأرجان الذى يدخل فى كل شئ بالمعنى الحرفى للكلمة، وحمّام بلدى هو الأشهر على مستوى الوطن العربى. وهذا كله مع طلاقة فى استخدام اللغة الفرنسية والوعى بثقافة التعامل مع السائحين (أضع تحت هذه الجملة خطوطًا كثيرةً) وبنات يمشين براحتهن فى الشوارع لا يتعرّض لهن أحد (أضع تحت هذه الجملة خطوطًا أكثر)، وكافيهات الرصيف على النمط الأوروبى يعمّره شباب من الجنسين مع حواسب مفتوحة للشغل أو للتسلية. ولعُ بالفلسفة وإنتاج رصين وغزير فى مجالها، وحيوية حزبية ونقابيّة وحركة نسوية قوية، وانتخابات لا تُعرَف نتائجها مسبقًا (وتحتاج هذه الجملة أيضًا لعدة خطوط من تحتها) فعدا توارث الحكم وانتقال السلطة من الملك لأكبر أبنائه أو لمن يختاره من بينهم- فإن كل شئ قابل للتغيير.


• • •
الطبيعة فى هذا البلد هى بالتأكيد منحة ربّانية، فالشواطئ الطويلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسى، مع سلاسل جبال أطلس الشاهقة مشهد لا يمكن تفويته. لكن للإنسان دخل كبير فى بروزة هذا الجمال ووضعه فى أفضل إطار ممكن، فالخضرة منتشرة على مدد الشوف وأشجار النخيل ممتدة الظلال تلطّف حرارة فصل الصيف. ومن المشاهد المألوفة فى عدة مدن ذلك المشهد الممتع للمغاربة وهم يفترشون الحدائق العامة فى المساء وعلى مدار الأسبوع. تجمعات كبيرة لأسر وأصدقاء وعشّاق وحتى أفراد بلا صحبة أو ونس يبحثون عن نسمة هواء ومتعة مجانية لمن لا يقدر منهم على ارتياد الحدائق مدفوعة الثمن كحديقة ماچورال البديعة فى مراكش أو حديقة منارة رأس سبارتيل فى طنچة. وبمناسبة الحدائق توجد فى كازابلانكا حديقة كبيرة تحمل اسم حديقة الجامعة العربية، وكانت هذه مفاجأة بالنسبة لى، فكل علمى أن فى مصر وربما فى دول أخرى شارع باسم الجامعة، أما الحديقة فهذا جديد عليّ. ثم أن التخطيط العمرانى حريص على أن تكون لكل مدينة مغربية شخصيتها المستقلة من خلال لون خاص لكلٍ منها، وهذا أيضًا من صنع البشر. وبالتالى فإن مراكش مدينة حمراء، وكازبلانكا مدينة بيضاء، أما شيفشاون أو شيشاون كما ينطقها المغاربة فلا تجد فيها إلا اللونين الأبيض والأزرق فى البيوت والجدران والسلالم والمحلات وإشارات المرور.. مدينة أمازيغية صغيرة جدًا وبسيطة جدًا لكنها تخطف القلب بدون استئذان.


• • •
فى المغرب كما فى الدول العربية الأخرى يوجد للفن المصرى دور عظيم فى صنع ضفائر المحبّة والودّ مع شعوب هذه الدول، فمن الصعب أن تفصل الذاكرة بين ساحة جامع الفناء فى مراكش وبين مشهد سعاد حسنى ورشدى أباظة وهما يلتقيان هناك بالصدفة فى فيلم "الحب الضائع" رائعة عميد الأدب العربى طه حسين. ومن بعد فتح هذا الفيلم الطريق لتصوير أفلام مصرية أخرى. "إزيك يا باشا".. جملة كانت تستقبل زوجى فى كل مكان ذهبنا إليه، فمن متابعة الأعمال الفنية المصرية- تصوّر المغاربة أن "إزيك يا باشا" هى الوسيلة المعتمدة لترحيب المصريين ببعضهم البعض وبالآخرين، وهناك ما يبرر ذلك. فنحن نطلق لقب "باشا" على المسئول الكبير وأبنائه، ونتداوله بالتبادل مع لقب دكتور الذى نخلعه على كل من هبّ ودبّ، كما أننا نستخدمه تحت بند الغزل العفيف من المحبّ لمحبوبته، وفى أحيانٍ نادرةٍ نقوله على سبيل التهكم. وأذكر ذات مرة فى تونس أن زميلة فى إحدى الندوات أرادت أن تتباسط معى فقالت لى وهى تمّط الكلمات مطّا: شكرا يا ادلعدي!!! وفى ظنها أن هكذا ينادى المصريون بعضهم بعضًا.


• • •
الحضور الأكبر للفن المصرى فى المغرب هو لفن الزمن الجميل كما نسميه، فأكثر من شاب حدثنا كيف أن أهله متيّمون بأغانى أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وعلاقة العندليب الأسمر بالملك الحسن الثانى كانت علاقة وطيدة جدًا. أما عامل الفندق الظريف فعندما أراد التدليل لنا على إنه تربّى على حب الطرب المصرى الأصيل- فلقد انطلق يغنى "سوّاح وانا ماشى ليالى .. سوّاح ولا دارى بحالي" من لحظة طلب المصعد وحتى أوصلنا إلى باب الغرفة، وكان صوته نص نص. للدرجة دى يا رشيد؟ سألته فى فخر وفى خلفية ذهنى تتردد أغنية "المصريين اهمه"، فردّ مبتسمًا: أيوه مصر أم الدنيا والمغرب أبوها!!! وبغضّ النظر عن ملاءمة هذه الجملة لسياق الكلام، إلا أن حكاية مصر أم الدنيا والمغرب أبوها معروفة على نطاق واسع فى المغرب ربما من باب أن البلدين من أعرق دول المنطقة. فى بعض الأحيان ذكر لى أبناء جيل زد أنهم يستمعون أيضًا لأغانى تامر حسنى وأحمد سعد، وحملّتنى موظفة شباك التذاكر فى أحد عروض الفولكلور- السلام الحار لفيفى عبده .


• • •
أخشى القول إن كثيرًا من المصريين ومنهم بعض المسئولين لا يقدّرون القيمة الثمينة للفن المصرى ولقدرته الفذّة على تحقيق النفاذية السلسة إلى قلوب الشعوب العربية. فهناك حملات ممنهجة من التسفيه والتشويه والاستخفاف بالفن والفنانين لا يمكن أن يخطئها أحد. وهناك رواج للإعلام الفضائحى الذى يسلّط الضوء على كل ما هو ناشز ومنفّر وتافه وقبيح ويعمّم منه على الجميع. وهناك تحريض للرقابة والمنع والعقاب، والتعامل مع الفن باعتباره إثمًا موجبًا للتوبة. هذه النظرة الدونية للفن هى جزء من مناخ عام يحاصر الجمال والرقى والذوق الرفيع، ويستخدم الصوت العالى لإسكات الأصوات المعارضة. ويمكن أن أتفهّم أن جانبًا من الفن مسئول عن هذه النظرة الدونية من خلال الأعمال الهابطة التى يقدمها، لكن جانبًا آخر مقصود ومتعمّد. وعلى المستوى الشخصى استأت جدًّا من إطفاء أنوار المسرح بينما يمثّل الطلاب فى إحدى الجامعات المصرية، والسبب هو أن الفن حرام. فلو نظرنا للبدايات الأولى لبعض كبار فنانينا لوجدنا أنها ارتبطَت بمسرح الجامعة وأن مواهبهم صقلَتها أعمال مسرحية ثقيلة من نوع "هاملت" و"تاجر البندقية". لكننى فى الحقيقة لم أستغرب تحريم هؤلاء المسئولين للفن لأنهم منتج طبيعى لبيئة غليظة ومنغلقة. وما لم تهتم الدولة بالفن وتوفَر البيئة المشجّعة للإبداع، فسوف يتسع نطاق التحريم.


• • •
تحية لكل فنان مصرى ترك بصمة فى محيطه العربى، فهؤلاء الفنانون هم قوة مصر الناعمة وإليهم ندين بكل هذه البشاشة التى تقابلنا بها الشعوب العربية فقط لأننا نتكلم مثل... الأفلام والمسلسلات.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات