اقتحم دكتور (ع) الاجتماع المنعقد لأعضاء مجلس الإدارة دون سابق إنذار وبدون إحم ولا دَستور. لم يطرق الباب كما تقضى الأصول بل فوجئ به الجميع أمامهم فخطف الأنظار وأسكت الأحاديث الجانبية. كان الرجل معروفًا بالنسبة للبعض بحكم المدة الطويلة التى قضاها على رأس المؤسسة الخاصة بعد أن ورث منصبه عن أبيه المؤسّس الأول. أما بالنسبة للبعض الآخر الجديد على عضوية مجلس الإدارة- فإنه كان يراه للمرة الأولى. رجل ضخم الجثة، مفتعل التأنق حيث البدلة والقميص وربطة العنق والساعة يعبرون بشكلٍ زاعقٍ عن فوضى الماركات العالمية المشهورة، إذ كان من الممكن أن تميّز بسهولة علامة لاعب رياضة البولو وعلامة التمساح الأخضر وبالتأكيد التاج الذهبى علامة الرولكس. كان الانطباع الأول عنه لمن لم يكن يعرفه-انطباعًا غير مريح، فشئ من تلقائية المظهر مطلوب لصنع الحميمية بين البشر وإنضاج كيمياء التفاعل على نار هادئة. وعندما جلس الرجل تحت النور وأخذ عطره النفّاذ يتسلل إلى أنوف المجتمعين فردًا فردًا تحوّل الشعور بعدم الارتياح إلى ما يشبه النفور.
• • •
من دون أن يهتم دكتور (ع) بتقديم نفسه إلى المجتمعين جلس فى صدارة المائدة المستطيلة فاضطرت السيدة (ل) التى كانت تدير الاجتماع إلى التزحزح قليلًا لتأخذ مكانها فى الزاوية. وبينما كان هذا القادم الغريب يتأهب للكلام أخذ المجتمعون يتناقلون عبر الواتساب بعض علامات الاستفهام حول مَن هو هذا الأخ بالضبط؟ كان الموقف يشبه ذلك المشهد من فيلم "خللى بالك من زوزو" عندما أرسلَت السندريلا إلى الدكتور المحاضِر حسين فهمى ورقة مكتوب عليها جملة واحدة: من أنت؟، مع اختلاف فى التفاصيل والأهم الاختلاف الأكيد بين هذا الرجل وحسين فهمي. على التوالى أضاءت شاشات الموبايلات المضبوطة على وضع صامت- بإجابة مقتضبة بدَدَت الغموض: هو رئيس المؤسسة الدكتور(ع). انطلقَت الجُمَل من فم صاحبنا كالمدفع الرشاش لا صباح الخير ولا السلام عليكم بل دخل مباشرةً فى الموضوع. لا شىء يعجبه، لا شىء يسير على ما يرام، لا شىء يبعث على التفاؤل بمستقبل المؤسسة. تحشرجَت أول جملة فى حلق أحدهم قبل أن يقاطعه صاحبنا ولا يسمح له بالكلام. أما هذه الشابة المنضمّة حديثًا إلى المجلس فإنها انتهزَت أول لحظة توقفّت فيها طلقات المدفع لتسأل دكتور(ع) بشكل مباشر: نريد من حضرتك ملاحظات محددة يا افندم حتى ننتناقش حولها. خلع الرجل نظارة الشمس الراى بان -ومن غير المفهوم لماذا نظارة شمس فى القاعة أصلًا؟! والتفت إليها بمزيج من الغيظ والدهشة قائلًا: الملاحظات تكون على نواقص العمل يا أستاذة.. لكن فى حالتكم لا يوجد عمل من الأساس.. اتفضلى حضرتك بره. ممممما هذا بالضبط؟ تبادل الجميع النظرات فى سكوت، بينما أخذَت الشابة تجمع أشياءها المبعثرة بهدوء متعمّد، وغادرَت المكان تاركة من ورائها الباب مفتوحًا على مصراعيه. همس عضو خمسينى قديم فى أذن الجالس إلى جواره بصوت مسموع: لا تحتاج إلى المرتب لأن هناك مَن يصرف عليها.. فهزّ الآخر رأسه بالإيجاب.
• • •
عاد الميكروفون مرة أخرى إلى الدكتور (ع)، وفى الحقيقة لم يكن صاحبنا دكتورًا بحق وحقيق لكنه اشترى شهادة مضروبة من إحدى الجامعات المشبوهة، وتكفلّت هيئته الضخمة ومظهره الفخم وبعض المفردات الإنجليزية فى كلامه -باعتماد شهادته دون حاجة للمرور بالإجراءات الأكاديمية المعقدة- وعليه صار الجميع ينادونه دكتورًا، وفى بعض الأحيان كان البعض يناديه بالأستاذ الدكتور. انتقد صاحبنا غياب الإبداع وعدم وجود مبادرات من خارج الصندوق، ومع هذه الجملة الأخيرة ضرب بقبضته على المائدة لزوم التأكيد فاهتزت بقايا الشاى والنسكافيه فى الأكواب. لم يجرؤ أحد على مصارحته بأن الكثير من الأفكار الجديدة جرى ذبحه فى مكتبه، وتردد البعض فى القول إن الدخول إلى مكتبه يعّد أصلا معجزة. مدّ ذراعه على آخرها مشيرًا إلى طبق المينى جاتوه الذى يتوسط المائدة وتساءل فى سخرية: وده لازمته إيه ده كمان؟ وعندما ردت السيدة (ل) بأن الضيافة من مساهمات الأعضاء ومن حُر أموالهم، لم يعلّق بل نهض واتخذ وضع الركوع ليلتقط من بعيد قطعة من الإكلير المحشوة بالشيكولاتة. تطوّعت شابة ثقيلة الماكياچ بوضع قطعة أخرى من الجاتوه داخل طبقه. لم يكن يتوقع هذه البادرة اللطيفة فيما يبدو فهزّ رأسه شاكرًا وسُمع فى الأجواء: الله أكبر.
• • •
فى لحظة معينة حبس الجميع أنفاسهم عندما لوّح صاحبنا بتعليق مكافآت هذا الشهر حتى يتحسّن الأداء. حبكَت القافية كما يقال وهمهم أحدهم: هو احنا إحنا إحنا علينا خصومات أما انتوا إنتوا إنتوا عليكوا مكسرات، ولو سمعه دكتور (ع) لانتهى أمره، لكن حدث ما لم يكن متوقعًا وربنا حليم ستّار. انطلق فى داخل القاعة صوت ليلى مراد الرخيم يترنّم بأغنيتها البديعة: أنا قلبى دليلى ياللى حاتحبي.. دايما يحكى لى وباصدّق قلبي.. قلبى دلى لى ليلي. أوقفَت الرنّة المميزّة فورًا طلقات المدفع الرشاش، وتهلَلَت أسارير صاحبنا وهو يضع يده على جهاز الآيفون ١٧ بروماكس بغطائه البرتقالى الفاقع. لانت ملامحه الصارمة وسبّل عينيه نصف تسبيلة وانفصل عن المكان والمينى جاتوه والأفكار خارج الصندوق والمكافآت وجميع التفاصيل. وبصوت يذوب رقةً وحنانًا رد دكتور (ع) على المكالمة: لسه فى الاجتماع يا حياتي!!!. لم يتمالك ثلاثة من الأعضاء ضحكاتهم، وتسمّر الآخرون لا ضحك ولا سخرية وكأنهم وكّلوا هؤلاء الثلاثة على سبيل الحصر بالتعامل مع الموقف بما يناسبه وارتاحوا لردّ فعلهم. راودَت أحد الأعضاء فكرة شريرة هى أن يحذر "حياة" دكتور (ع) من الحفرة التى توشك على الوقوع فيها أو على الأقل ينقذها منها إن كانت قد سقطَت فيها بالفعل. أما هذا العضو فى أقصى المائدة فكان مشغولًا بسؤال كبير: كم من الأشخاص بوجهين على شاكلة دكتور (ع) يقفون على رأس مؤسسات أهاليهم، وكمّ ممن حولهم ينحنون ليقدموا لهم جاتوه الإكلير بالشيكولاتة بترحاب وعن طيب خاطر؟