من السذاجة ترديد مقولة إنه لا خلط بين الرياضة والسياسة، فهذا كلام مُرسل لاعلاقة له بالواقع. ملاعب كرة القدم على سبيل المثال كانت دائمًا أبدًا مسرحًا للمواجهات السياسية والاجتماعية ومساحة للتعبير عن الإحباطات والتنفيس عن المشاعر. انظر لما يحدث فى منطقتنا العربية خلال كأس العالم الذى يتابع نهائياته حوالى 1.5 مليار شخص، أى ربع سكان الأرض، لترى الصورة بشكل أوضح وتفهم خلفيات اللعبة الشعبية الأولى التى تعكس موازين القوة وتجعلنا نتأرجح مع الكرة بين مفاهيم القومية والوطنية.
المشهد الأول. نجلس جميعًا أمام شاشات عملاقة فى المقاهى والنوادى والمنازل مرسوم على طرفها شعار قنوات «بى إن سبورتس» القطرية التى تمتلك حقوق البث الحصرى لبطولة كأس العالم 2026 فى جميع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. قبل سنوات اندلعت منافسة ضارية بين الدول الخليجية الثرية التى تمتلك العديد من القنوات التليفزيونية ووسائل الإعلام من أجل الحصول على ترخيص قانونى يمنع الآخرين من بث ونقل المباريات المعنية داخل نطاقها الجغرافى. حُسمت المسألة لصالح قطر، لكن من وقت لآخر تظهر مناوشات تتعلق بهذا المجال بين قطر والإمارات والسعودية، ففكرة الحصول على حق البث والتوجه من خلال قنوات تليفزيونية ومنصات إلى جموع الشعب العربى له ثمن وله معنى كبير يرتبط بالهيمنة والنفوذ الإعلامى. وعلى اعتبار أن "الرياضة رافعة أساسية للقوة الرمزية"، كما يقول البعض، فقد امتدت المنافسة بين الدول النفطية من الشاشات إلى الملاعب، إذ حرص ممثلوها على شراء الأندية الشهيرة حول العالم ورصدوا استثمارات ضخمة لهذا الغرض. بدأت قصة الممالك النفطية مع كرة القدم فى سبعينيات القرن المنصرم وأرادت الأسر الحاكمة أن تستخدمها من أجل ترسيخ هويتها الخليجية فى أعقاب هزيمة 1967، بعد الحقبة الناصرية وفترة المد القومى العربى. لجأت هذه الدول لمساعدة بريطانيا كى تحقق هدفها، وتوجه الأمير خالد بن فيصل الذى شغل حينها منصب مدير عام رعاية الشباب فى وزارة العمل والشئون الاجتماعية السعودية إلى رئيس فيفا - الحكم الإنجليزى ستنالى روس - لتبنى فكرة إقامة كأس الخليج العربى، وقد انعقدت الدورة الأولى بالفعل فى المنامة بالبحرين عام 1970، بدأت البطولة بأربعة فرق ثم وصلت إلى سبعة، لكن بعد حرب الخليج الثانية تم استبعاد العراق التى عادت للانضمام عام 2004، وبعدها التحقت بها أيضا الجمهورية اليمنية.
بالطبع كانت بعض المشكلات والخلافات تطفو على السطح بين الحين والآخر، بسبب التضارب بين المصالح الوطنية المحلية والإقليمية، لكن جاءت هذه البطولة تعبيرا عن تحولات المنطقة، فالهزيمة العسكرية فى حرب 1967 أنهت حلم "كأس العرب" الذى بزغت فكرته قبلها بعشرة أعوام على يد الصحفى اللبنانى ناصيف مجدلانى والأمين العام لاتحاد الكرة اللبنانى عزت الترك، فى سياق المد القومى العربى وتوطيد هوية عربية مشتركة انطلاقا من الملاعب الخضراء. ثم توقف الحدث الكروى بسبب السياسة.
• • •
المشهد الثانى. تهلل الجماهير لياسين بونو حارس مرمى فريق المغرب وهو يصد ركلات لاعبى فرنسا خلال الدور ربع النهائى لكأس العالم. فى دول المغرب عموما ارتبطت كرة القدم بمرحلة مقاومة الاستعمار واستخدمتها الحركات الاستقلالية لإثبات الهوية، وسارعت هذه الدول بعد الاستقلال للانضمام للفيفا، حتى وإن كانت اللعبة بشكلها وتنظيماتها الحالية اختراعًا أوروبيًا. فى الجزائر مثلًا تأسس فريق جبهة التحرير الوطنى عام 1958 ليجوب العالم ويمثل قضية بلاده وثورتها ضد الاستعمار، غادر أكثر من 30 لاعبًا محترفًا أنديتهم سرًا للالتحاق به، وبعد استقلال الجزائر عام 1962 تم حل الفريق ليصبح النواة الأساسية للمنتخب البلاد الرسمى. ونلاحظ مثلًا أن بعض وجوه الحركة الوطنية الجزائرية أتوا من الملاعب مثل أحمد بن بيلا الذى ترك صفوف نادى مارسيليا ليعود إلى بلاده ثائرا وأصبح أول رئيس للجمهورية، وهناك أيضًا نموذج اللاعب ياسف سعدى الذى كان رئيسًا شرفيًا لنادى اتحاد العاصمة المعروف تاريخيًا بأنه فريق الشهداء والمقاومة، وقد سجل تفاصيل نضاله فى كتاب "ذكريات معركة الجزائر".
أما إذا عدنا إلى المغرب فسنرى كيف استفاد الملك الحسن الثانى من كرة القدم لتثبيت دعائم حكمه وتوجيه رسائل داخلية وخارجية. أسس عام 1958 نادى الجيش الملكى وربط الرياضة بالهيبة الوطنية، بل تابع بنفسه أدق تفاصيل المنتخب وكان يحاسب اللاعبين بشدة على الأداء المخيب للآمال، ما ساهم بالطبع فى تألق الفريق القومى المغربى وتأهله لبطولات دولية. وعلى هذا النحو صار "أسود الأطلس" رمزًا لزواج السلطة بين المخزن (المؤسسة الملكية) والعسكر والتحالف الاستراتيجى بينهما الذى يشكل العمود الفقرى لاستقرار النظام.
• • •
المشهد الثالث. ملايين الناس تتابع ما حدث للفريق المصرى خلال مباراته مع الأرجنتين. فيديوهات ساخرة تنتقد الأخطاء التحكيمية وأغنيات هجائية تندد بالمنافس. مشاعر حب ودعم تطغى على الإحساس بالظلم وتضمد الجراح. صور الفلسطينيين وقد اصطفوا، كبيرهم وصغيرهم، لمتابعة المباراة، وأعلام مصر ترتفع وترفرف وسط الأنقاض، وجرافيتى ضخم لحسام حسن على جدار يقف بالكاد مكانه تضامنًا مع مدرب المنتخب الذى ناصر القضية بوضوح أغضب الكثيرين، تلاحقها صور أخرى لجنازة محمد فواز الوحيدى، مدير مكتب المخاتير والوجهاء فى اللجنة المصرية لقطاع غزة، بعد استهدافه المباشر من قبل إسرائيل قبل المباراة، وهو الذى كان يشرف على تنظيم عمليات البث الجماعى لجماهير القطاع.
حنين جارف لدور القاهرة القيادى الذى تراجع منذ أواخر السبعينيات، وتعاطف شديد يبعث برسالة مفادها أن أى فوز مصرى يمثل تعويضًا نفسيًا جماعيًا عن انكسار القومية. مدرجات توحد الناس ولو بشكل مؤقت، فهم بحاجة إلى الانتماء لجماعة تشد من أزرهم وتؤكد أن هذه الأزمة ستمر وسنخرج منها أقوى، بعيدًا عن عجز أروقة جامعة الدول العربية. تحولت كرة القدم إلى «قومية بديلة» و«أيديولوجيا شعبية» فى العالم العربى، حين عوضت الفراغ الذى تركته مشاريع القومية العربية. فى ظل غياب الوحدة السياسية والتمثيل الديمقراطى، أصبحت المدرجات والشاشات المتنفس الوحيد والمساحة الحرة التى تتوحد فيها الجماهير، لكنه توحد وقتى تهتف خلاله الجموع لمنتخب تتفاعل معه وتشعر بأنه يمثلها متجاوزة الحدود القطرية، وتقول: «ما زال لديك رصيد فى قلوبنا».
جيل جديد من الشباب لم يتشبع بالفكر القومى ولا ينظر بالضرورة لمفهوم «الوحدة العربية» من منطلق سياسى صرف بل بواقعية وبراجماتية، فالأحداث الرياضية فرصة للاحتفال بهوية مشتركة دون خطابات ثقيلة. ترى ذلك فى وجوه الفتيات الصغيرات اللائى رسمن العلم على خدودهن وهن عائدات إلى المنزل بعد المباراة، لمحة حزن بسبب غياب العدالة فى هذا العالم ممزوجة بنظرة تحدى يجب البناء عليها.