إنها كرة القدم! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2026 8:49 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مباراة الأرجنتين وسويسرا؟

إنها كرة القدم!

نشر فى : السبت 11 يوليه 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : السبت 11 يوليه 2026 - 8:04 م

«كرة القدم مجاز الحياة»
(الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر)

(1)
منذ تعلقت عيناى بأقدام لاعبى منتخب البرازيل الأسطورى فى بطولة كأس العالم 1982، ترسخ فى ضميرى ويقينى، طوال السنوات التى عشقت فيها هذه اللعبة، وتابعتها شغوفًا مبهور الأنفاس، أنها لعبة «الحياة» ذاتها، ومجازها الفريد، وتمثيلها الأروع فى تشابك المصائر وتعقد المسارات ودراما التحولات، وقدرتها التراجيدية فى الركض خلف الكرة هنا وهناك طيلة المباراة، سعيًا لإحراز الأهداف وحصد النقاط والبطولات والكئوس!


ولم أدّعِ أبدًا - ولا أدّعى أبدًا - أننى ناقد رياضى متخصص أو محلل كروى متفرغ؛ إنما فقط محب ومشجع ومتذوق للعبة جماعية جميلة تقوم على تضافر عناصر عدة؛ أولها احترام المجهود والجماعية فى الملعب، وثانيها أنها تعطيك بقدر ما تحترمها، وبقدر التعب الذى تقدمه!


وثالثها أنها تجسد أفضل تجسيد معنى «الدراما» بكامل ما تعنيه من قدرة على الحركة والانتقال من الفعل إلى رد الفعل، والتحكم فى الإيقاع من سرعة أو إبطاء، وصولًا إلى لحظة الذروة أو «التنوير». بل إن ناقدًا سينمائيًا قديرًا بقيمة محمود عبد الشكور يرى أن مباراة كرة القدم، لو تأملتها بعمق، يمكن أن تنقل إلى متذوق الأدب والفن والدراما معناها البسيط والعميق:


«البداية، والوسط، والنهاية»، فكل مباراة لها أبطال، وكلما كان الطرفان متكافئين ازداد الصراع، وحمى الوطيس، وتضاعف الانفعال، وصولًا إلى لحظة «ذروة» و«تأزم»، أو اللحظة الدرامية بامتياز التى تتغير فيها المصائر والمسارات، كما حدث بعد هدف الكونغو الشهير فى مباراة الحسم للمنتخب المصرى فى التصفيات المؤهلة للعب فى بطولة كأس العالم 2018 بروسيا. ولا يمكن الوصول إلى النهاية السعيدة إلا بهدف الفوز، على طريقة محمد صلاح، فالممثلون هم اللاعبون، والمخرجون هم المدربون، والجمهور يحيط خشبة المسرح من الجهات الأربع، والملايين يتفرجون أيضًا أمام الشاشات..


(2)
ولم أكن أعلم - كما علمت فيما بعد - أن كرة القدم أصبحت أكبر من كونها لعبة جماهيرية تستحوذ على وجدان الملايين، وأعمق من مجرد منافسة يجنى لاعبوها ومدربوها والأندية التى تحتضنهم من ورائهم الملايين والملايين، حتى صارت صناعة ضخمة عابرة للقارات، ولها اتحاد دولى يدير اللعبة ويضع قوانينها ولوائحها، وقراراته نافذة على دول وحكومات العالم أجمع!


لكن، فى السنوات العشر الأخيرة، تعاظم اهتمامى بكرة القدم أيضًا من «منظور ثقافى»، فقد صارت الكرة موضوعًا لكبار الفلاسفة والكتاب والمفكرين الذين نظروا إليها باعتبارها «تمثيلًا» رائعًا لتعقيدات وتشابكات الاقتصاد والسياسة والإعلام والتأثير الجماهيرى.
ومن ثم، فقد صدرت عشرات الكتب فى العالم بكل اللغات تتناول وتعالج ظاهرة كرة القدم، وتاريخ اللعبة وتطورها وعلاقتها بتاريخ الرياضة البدنية عمومًا، ثم باعتبارها ظاهرة خصبة قابلة للتحليل الثقافى والفلسفى والسياسى والاجتماعى.


ولأن كرة القدم، كما يقول المؤرخ والمنظر الألمانى كلاوس تسايرنجر، كانت تحرك الجماهير منذ العشرينيات، أدرك السياسيون - على اختلاف مشاربهم - أنها فرصة للدعاية السياسية. كان الناس يتابعونها فى المدرجات مباشرة أثناء المباريات، وبعد ذلك من خلال وسائل الإعلام، وغالبًا فى التقارير الإخبارية المصورة على الشاشة الكبيرة (السينما). وظن السياسيون أن بمقدورهم أن يتقربوا إلى الناس بشكل لا يثير الشبهة من خلال تلك اللعبة البريئة...


(راجع كتاب «كرة القدم ـ تاريخ ثقافى» للألمانى كلاوس تسايرنجر، وترجمة أيمن شرف، عن دار الترجمان).


(3)
يمكن أن يكون كل ما سبق أعلاه تمهيدًا للحظات الدرامية المذهلة التى عشناها نحن المصريين، ومعنا ملايين من كل أنحاء الدنيا، الذين شهدوا معنا تلك اللحظات فى مباراتنا ضد المنتخب الأرجنتينى الأسبوع الماضى، وانفعلوا بها، وما زالت أصداؤها تتوالد وتتسع حتى اللحظة!


كانت لحظة خروج اللاعب الأسمر الفذ هيثم حسن لحظة تحول دراماتيكية، وكان قرار الحكم الفرنسى بإلغاء أجمل أهداف البطولة، بل وربما عبر تاريخها كله، لحظة تحول دراماتيكية ستظل تشغل الناس والدنيا لسنوات طويلة! وكانت لحظة إهدار لاعبنا عمر مرموش لانفراد أكيد يتيح لنا إحراز الهدف الثالث والتقدم على الأرجنتين فى الدقيقة 91 لحظة دراماتيكية، أثرها كمن تلقى صدمة كهربائية عنيفة!


إنها مجموعة من اللحظات والتحولات التى تثير الجدل والنقاش حول فكرة المساواة أو حق تكافؤ الفرص أو المدخل الإنسانى لتحقيق «العدالة». فهل تعنى معاملة الأندية والمنتخبات واللاعبين وفقًا لفكرة المساواة على القدر نفسه وبالطريقة ذاتها؟ وهل يمكن أن يتعامل الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) (FIFA) مع الأرجنتين وفرنسا وغيرهما من منتخبات الصف الأول، كما يتعامل مع المنتخبات الأخرى فى بلدان العالم المختلفة؟


بغض النظر عن لوائح «الفيفا» أو حتى الاتحادات القارية أو المحلية، فإن ثمة عوامل كثيرة تحيط بفكرة العدالة خارج حدود الملعب، ومتى سقطت العدالة خارجه، فإن ثمة مجاملات وتحيزات وضغوطًا قد تحدث على أرض الملعب. وثمة اقتصاديات لكرة القدم قائمة على المراهنات والأرباح، والأموال الطائلة التى تُجنى من بيع تذاكر المباريات وحقوق البث. وحتى داخل حدود الملعب، فى الجلوس فى المقصورة أو الدرجة الأولى أو الدرجة الثالثة، تتلاشى العدالة فى الجلوس والأمان.. (وللحديث بقية)