استعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، هجوم السابع من أكتوبر 2023، مستدعيًا الرواية التي استخدمتها حكومته على مدار نحو 3 سنوات لتبرير حربها على قطاع غزة، ومتحدثًا عن دخول آلاف المسلحين الفلسطينيين إلى إسرائيل وقتل 1200 إسرائيلي وحرق أطفال أحياء، مع تأكيده أن غزة لم يكن بها في ذلك الوقت إسرائيلي واحد، سواء كان مدنيًا أو عسكريًا.
غير أن مراجعة ما يقوله نتنياهو أمام السجل الذي راكمته الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ولجان التحقيق المستقلة منذ اندلاع الحرب، تكشف أن بعض الأرقام التي يوردها تستند إلى وقائع حقيقية ثم تُقدم بصورة مجتزأة، بينما تظل بعض التفاصيل التي يكررها باعتبارها حقائق محسومة غير مثبتة وفق التحقيقات الدولية نفسها.
- 1200 قتيل.. الرقم يخفي من كانوا ضمن الحصيلة
قال نتنياهو إن مسلحي حماس «ذبحوا 1200 إسرائيلي» في السابع من أكتوبر، مستشهدًا بضخامة العدد مقارنة بتعداد سكان إسرائيل، لكن تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن أحداث ذلك اليوم قدم تركيبة أكثر دقة للحصيلة التي يستند إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وقالت اللجنة، في تقريرها الصادر في يونيو 2024، إن أكثر من 1200 شخص قتلوا بحسب المصادر الإسرائيلية، وإن الحصيلة شملت 809 مدنيين على الأقل، و314 من أفراد القوات الإسرائيلية، إلى جانب 68 أجنبيًا، فيما بلغ عدد الأطفال القتلى 40 طفلًا، وبالتالي فإن تقديم الرقم باعتباره 1200 مدني إسرائيلي جرى قتلهم جميعًا بالطريقة نفسها يطمس الفوارق بين المدنيين والعسكريين والأجانب وظروف مقتل الضحايا.
ووثقت اللجنة كذلك أن الهجوم شارك فيه أكثر من ألف عنصر من الجناح العسكري لحماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى، رافقهم مدنيون فلسطينيون، وهي الصياغة التي تختلف عن تعميم نتنياهو الحديث عن «آلاف الإرهابيين» بوصف كل من عبر الحدود جزءًا من قوة مسلحة واحدة.
- إسرائيليون قتلوا أيضًا بنيران إسرائيلية
وتغيب عن رواية نتنياهو أمام الجمعية العامة واقعة أخرى سجلتها لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، إذ قالت إن القوات الإسرائيلية طبقت في عدد من المواقع ما يعرف بـ«توجيه هانيبال»، وهو إجراء عسكري يستهدف منع وقوع جنود أو إسرائيليين في الأسر حتى مع تعريضهم للخطر.
وخلصت اللجنة إلى أن القوات الإسرائيلية قتلت 14 مدنيًا إسرائيليًا على الأقل في وقائع مرتبطة بتطبيق هذا التوجيه خلال هجوم السابع من أكتوبر، كما حملت السلطات الإسرائيلية مسئولية الإخفاق في حماية المدنيين في جنوب إسرائيل «على كل الجبهات تقريبًا»، مشيرة إلى التأخر في نشر قوات أمن كافية لحمايتهم وإجلائهم.
وتعني هذه النتائج أن نسبة حصيلة السابع من أكتوبر بالكامل إلى المسلحين الفلسطينيين تتجاوز ما استطاعت لجنة التحقيق إثباته، بعدما وثقت بصورة مستقلة سقوط إسرائيليين بنيران قوات بلادهم أيضًا.
- «حرقوا الأطفال أحياء».. التحقيق الأممي لم يثبت الصيغة التي يكررها نتنياهو
ومن أكثر العبارات التي كررها نتنياهو منذ بداية الحرب حديثه عن «حرق أطفال أحياء»، وهي العبارة التي أعاد استخدامها في خطابات سابقة أمام الأمم المتحدة، إلا أن تقرير لجنة التحقيق الدولية تناول تحديدًا مسألة الجثث المحترقة ووصل إلى نتيجة أكثر تحفظًا ودقة.
وقالت اللجنة إنها وثقت جثثًا محترقة في عدد من المواقع واطلعت على أدلة رقمية وصور وتقارير تتعلق بالضحايا، لكنها سجلت صراحة أنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كان الضحايا قد أحرقوا وهم أحياء أم أحرقت أجسادهم عقب الوفاة.
وبذلك لا يمنح التحقيق الأممي سندًا للصيغة القطعية التي يقدم بها نتنياهو الأمر أمام الرأي العام الدولي، رغم توثيقه جرائم قتل وحرق منازل والعثور على جثث متفحمة وانتهاكات جسيمة ارتكبها مهاجمون فلسطينيون.
- «لم يكن هناك إسرائيلي واحد في غزة».. محكمة العدل تقدم الصورة التي يحذفها نتنياهو
واستند نتنياهو كذلك إلى انسحاب إسرائيل من مستوطناتها وقواتها البرية الدائمة داخل قطاع غزة عام 2005 ليقول إن غزة كانت خالية تمامًا من أي وجود إسرائيلي في السابع من أكتوبر.
رغم أن إسرائيل أزالت مستوطناتها وسحبت وجودها العسكري البري الدائم من داخل القطاع عام 2005، لكن قالت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024 إن الانسحاب لم ينهِ جميع التزامات إسرائيل الناشئة عن قانون الاحتلال.
وأكدت المحكمة أن إسرائيل ظلت قادرة على ممارسة عناصر رئيسية من السلطة على القطاع، شملت السيطرة على الحدود البرية والبحرية والجوية، وفرض القيود على حركة الأشخاص والبضائع، وفرض ضرائب الاستيراد والتصدير، والسيطرة العسكرية على المنطقة العازلة، موضحة أن الوجود العسكري الدائم داخل الأرض ليس الشرط الوحيد لتحديد استمرار الالتزامات المرتبطة بالاحتلال.
وبهذا تصبح عبارة نتنياهو وصفًا لغياب المستوطنين والقوات البرية الدائمة داخل غزة صباح السابع من أكتوبر، فيما تحذف السيطرة التي احتفظت بها إسرائيل على جوانب أساسية من حياة القطاع، والتي استندت إليها أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة في تحديد استمرار التزاماتها بموجب قانون الاحتلال.
- نتنياهو يتحدث عن 40 طفلًا إسرائيليًا.. والتحقيق الأممي يسجل أكثر من 20 ألف طفل فلسطيني قتيل
كما تتوقف رواية نتنياهو عند ضحايا السابع من أكتوبر، بينما ترسم تقارير الأمم المتحدة صورة مختلفة لحجم ما حل بالأطفال الفلسطينيين خلال الحرب الإسرائيلية التي أعقبت الهجوم.
ففي تقرير أصدرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة في يونيو 2026، قالت إن العمليات والانتهاكات الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023 أسفرت، حتى 31 مارس 2026، عن مقتل 20 ألفًا و179 طفلًا فلسطينيًا على الأقل، وإصابة 44 ألفًا و143 طفلًا، وتناول التقرير القتل والإصابات والاعتقال وسوء المعاملة وتدمير المدارس والمنظومة الصحية وآثار الحرب الممتدة على الأطفال.
وتكشف مقارنة الرقم بما سجلته اللجنة نفسها بشأن السابع من أكتوبر، حيث وثقت مقتل 40 طفلًا ضمن ضحايا الهجوم داخل إسرائيل، عن حجم الكارثة التي تعرض لها أطفال غزة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية اللاحقة، دون أن ينتقص ذلك من مسئولية مرتكبي جرائم قتل الأطفال والمدنيين الإسرائيليين في السابع من أكتوبر.
- أكثر من 73 ألف قتيل.. الرقم الغائب من خطاب نتنياهو
وبحلول عام 2026، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في قطاع غزة 73 ألف شخص، وفق أرقام عرضت أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، فيما قدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بأكثر من 70 مليار دولار، مع تراجع مستوى التنمية البشرية في غزة بما يعادل 77 عامًا.
وما زالت آثار الحرب مستمرة حتى سبتمبر 2026، إذ قالت أوتشا في أحدث تقاريرها الإنسانية إن الضربات والهجمات الإسرائيلية ما زالت تصيب مناطق مأهولة بالسكان، وسط دمار واسع ونقص في الإمدادات الطبية وقيود على إدخال المواد الأساسية، فيما تعاني 91% من الأسر التي شملتها التقييمات في غزة مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي.
وفي تقريرها الصادر في 18 سبتمبر، تحدثت أوتشا عن استمرار المخاطر التي يواجهها المدنيون بعد نحو عام من إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، وربطت تدهور الظروف بالدمار الواسع واستمرار الضربات والقيود المفروضة على دخول المعدات والإمدادات الأساسية إلى القطاع.
- من جرائم الحرب إلى اتهامات الإبادة
وتتجاوز التقارير الدولية أرقام القتلى والدمار إلى توصيف طبيعة العمليات الإسرائيلية نفسها، إذ خلصت لجنة التحقيق الأممية في يونيو 2024 إلى ارتكاب السلطات والقوات الإسرائيلية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، معتبرة أن الأعداد الهائلة للضحايا المدنيين والدمار واسع النطاق ارتبطت باستراتيجية استخدام القوة التي اختارتها إسرائيل.
وفي سبتمبر 2025، خلصت اللجنة نفسها، بعد تحليل قانوني مستقل، إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أربعة من الأفعال الخمسة التي تعرفها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية باعتبارها أفعال إبادة، وهي قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير بهم، وفرض ظروف حياة تستهدف التدمير المادي للجماعة كليًا أو جزئيًا، وفرض تدابير تستهدف منع الولادات.
كما خلصت اللجنة إلى توافر القصد الخاص المطلوب قانونًا لديها، وحملت دولة إسرائيل مسئولية ارتكاب الإبادة، واتهمت نتنياهو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت بالتحريض على ارتكابها، وهي نتائج ترفضها إسرائيل.
وتظل دعوى الإبادة التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية منفصلة عن استنتاج لجنة التحقيق، وما زالت المحكمة تنظر القضية حتى سبتمبر 2026 دون صدور حكم نهائي في موضوعها، إذ تستمر الإجراءات والمذكرات القانونية بين الأطراف.
أما نتنياهو نفسه، فأصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرة توقيف في نوفمبر 2024، بعدما قالت دائرتها التمهيدية إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بتحمله مسئولية جنائية عن جريمة الحرب المتمثلة في استخدام التجويع وسيلة للحرب، وجرائم ضد الإنسانية تشمل القتل والاضطهاد وأفعالًا لا إنسانية أخرى، إضافة إلى مسئوليته كمسئول مدني عن جريمة توجيه هجوم ضد السكان المدنيين، فيما تظل مذكرة التوقيف اتهامًا قضائيًا وليست حكم إدانة نهائيًا.
وهكذا، يقدم نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة السابع من أكتوبر باعتباره قصة مكتملة تفسر وحدها كل ما جرى بعده، بينما تكشف وثائق المؤسسة نفسها التي يخاطبها صورة أوسع بكثير: جرائم موثقة ارتكبتها حماس وفصائل فلسطينية ضد المدنيين، إلى جانب أرقام إسرائيلية يقدمها نتنياهو خارج تركيبها الكامل، ورواية عن «حرق الأطفال أحياء» لم يستطع التحقيق الأممي إثباتها بصيغتها القطعية، ومدنيين إسرائيليين قتل بعضهم بنيران إسرائيلية، وسيطرة إسرائيلية استمرت على جوانب أساسية من حياة غزة بعد انسحاب 2005.
ثم تأتي الصفحة التي يغيبها خطابه بالكامل؛ عشرات الآلاف من الفلسطينيين القتلى، وأكثر من 20 ألف طفل قتيل وفق لجنة تحقيق أممية، وقطاع تعرض لدمار واسع ونزوح وأزمة إنسانية ممتدة، بينما يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه مذكرة توقيف دولية، وتواجه سياسات حكومته اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، واستنتاجًا صادرًا عن لجنة تحقيق أممية بارتكاب الإبادة الجماعية.
تجدر الإشارة أيضًا إلى ارتفاع حصيلة ضحايا حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 73.928 شهيدا، و175.030جريحا.