كشف المؤرخ الدكتور خالد فهمي، عن المنهج الذي اتبعه في تأليف كتابه «ولي النعم.. محمد علي باشا وعالمه»، مؤكدًا أن هدفه لم يكن كتابة سيرة تقليدية لحاكم مصر الأشهر في العصر الحديث، بقدر ما كان محاولة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تساعد على فهم شخصيته ومشروعه السياسي والعالم الذي تشكل فيه.
جاء ذلك خلال ندوة استضافها صالون «تفكير» ضمن موسم «كاتب وكتاب»، لمناقشة الكتاب الصادر عن دار الشروق.
وقال فهمي إن السؤال الأول الذي انطلق منه كان البحث عن السمة المركزية أو «مفتاح الشخصية» الذي يمكن من خلاله تفسير تصرفات محمد علي وخياراته، متسائلًا: «ما الذي كان يحركه في النهاية؟ وما الخاصية الأساسية التي إذا فهمناها أمكننا فهم بقية جوانب شخصيته؟».
وأضاف أن طول عمر محمد علي السياسي دفعه إلى طرح سؤال آخر يتعلق بتطور شخصيته عبر الزمن، مشيرًا إلى أنه عاش نحو ثمانين عامًا، ووصل إلى مصر عام 1801، وتولى حكمها فعليًا منذ 1805 حتى تنازله عن السلطة عام 1848.
وتابع: «كنت أتساءل: هل محمد علي عام 1801 هو نفسه محمد علي عام 1820 أو 1830 أو 1839، أم أنه أعاد خلق نفسه في لحظات مفصلية أحدثت تحولًا نوعيًا في شخصيته؟».
وأوضح فهمي أن أحد محاور الكتاب يتمثل في إعادة وضع محمد علي داخل الدوائر المختلفة التي تحرك فيها، وعدم اختزاله في كونه حاكمًا لمصر فقط، لافتًا إلى أنه كان جزءًا من العالم العثماني، كما انخرط في فضاء البحر المتوسط من خلال الحروب والتجارة والعلاقات الدبلوماسية، فضلًا عن تعامله المباشر مع الإمبراطوريات الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا.
وأشار إلى أنه حاول أيضًا تحديد الشخصيات الأكثر تأثيرًا في حياة محمد علي، باعتبار أن فهم علاقاته بها يساعد على فهم شخصيته. وفي مقدمة هذه الشخصيات ابنه إبراهيم باشا، الذي جمعته بوالده علاقة معقدة بوصفه الابن وقائد الجيش، إلى جانب خسرو باشا، الوالي العثماني السابق لمصر، والذي ظل خصمًا سياسيًا لمحمد علي لعقود طويلة.
وفي المقابل، لفت فهمي إلى أن ما أثار انتباهه هو غياب الشخصيات المصرية عن الدائرة القريبة لمحمد علي، موضحًا أنه لم يجد شواهد على احتكاكه المستمر بعلماء الأزهر أو كبار التجار أو رجال الدولة المحليين، كما لم يكن يشارك في الاحتفالات الشعبية التي اعتاد الولاة العثمانيون حضورها، معتبرًا أن علاقته بالمصريين كانت في الأساس علاقة «ولي النعمة» برعيته.
ومن القصص اللافتة التي استعادها خالد فهمي خلال الندوة، واقعة لقاء محمد علي باشا بغريمه اللدود خسرو باشا في الإسكندرية عام 1825. وروى كيف اندفع محمد علي بنفسه إلى البحر على متن أحد المراكب لقيادة مواجهة ضد قراصنة يونانيين، قبل أن يعود لاستقبال خسرو باشا في مشهد احتفالي بالغ التعقيد، جمع بين مظاهر التكريم ورسائل الإهانة أمام ضباطه وحاشيته.
واختتم فهمي حديثه معتبرًا أن هذه الحادثة تكشف جانبًا مهمًا من شخصية محمد علي، وقدرته على إدارة خصومه، من خلال الجمع بين الحفاوة الظاهرة والهيبة السياسية، في أسلوب يعكس دهاءه في التعامل مع أعدائه وحلفائه على السواء.