- "الدولية للطاقة الذرية" تطالب طهران بالكشف عن مصير 440 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب وسط عودة القتال بين الولايات المتحدة وإيران
- إيران تتهم جروسي بالانحياز للغرب.. وروسيا والصين: واشنطن تحاول عبر الوكالة انتزاع ما عجزت الحرب عن تحقيقه
لم يكن التصويت الذي جرى في العاشر من يونيو الجاري داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجرد إجراء فني يتعلق بالتفتيش والرقابة النووية، بل شكّل واحداً من أهم التطورات السياسية المرتبطة بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ فالقرار الذي أقره المجلس المؤلف من 35 دولة بأغلبية 21 صوتاً، مقابل معارضة روسيا والصين والنيجر وامتناع عشر دول عن التصويت، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بينما كانت الهدنة الهشة التي أعقبت المواجهات الأخيرة تتعرض للاهتزاز مع عودة تبادل إطلاق النار والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران.
وجاء التصويت بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوّح بأن إيران "ستدفع الثمن" على خلفية التطورات الميدانية الأخيرة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انهيار التهدئة المحدودة والعودة إلى مواجهة أوسع من تبادل محدود لإطلاق النار. ومن هنا يصعب النظر إلى القرار باعتباره مجرد وثيقة رقابية أو تقنية، بل يبدو جزءاً من معركة أوسع تدور بالتوازي على الجبهات العسكرية والدبلوماسية والنووية.
من هذه الزاوية، لا تبدو أهمية القرار في نصه فحسب، بل في الرسالة السياسية التي يحملها. فبعد عام تقريباً على الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان وغيرها في يونيو 2025، يعود المجتمع الدولي ليطالب إيران بالإجابة عن السؤال نفسه الذي كان مطروحاً قبل اندلاع المواجهة العسكرية: أين أصبح اليورانيوم المخصب؟ وما حجم البرنامج النووي الإيراني اليوم؟
مفارقة "الحرب النووية"
هذه المفارقة تكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ فالحرب التي قيل إنها استهدفت القضاء على الخطر النووي الإيراني انتهت إلى وضع أصبحت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية أقل قدرة على معرفة ما يجري داخل إيران مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب؛ فالمدير العام للوكالة رافائيل جروسي أبلغ مجلس المحافظين أن الوكالة لم تتمكن منذ نحو عام من الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية التي تعرضت للقصف، وأنها فقدت ما تسميه "استمرارية المعرفة" بشأن المواد النووية الموجودة فيها.
والأخطر من ذلك أن الوكالة لا تستطيع حالياً التحقق من مصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهي نسبة تقترب كثيراً من مستوى التخصيب اللازم لصنع سلاح نووي. وبحسب معايير الوكالة نفسها، فإن هذه الكمية تكفي نظرياً لإنتاج ما يصل إلى عشرة أسلحة نووية إذا جرى رفع مستوى التخصيب إلى الدرجة العسكرية البالغة نحو 90 في المئة.
** عقدة الـ440 كيلوجراماً
هنا تكمن جوهر الأزمة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمفاعلات أو أجهزة طرد مركزي أو مبانٍ تعرضت للقصف، بل بمواد نووية يمكن نقلها أو إخفاؤها أو إعادة توزيعها. فبينما تستطيع الطائرات تدمير المنشآت، لا تستطيع الغارات الجوية أن تقدم إجابة مؤكدة بشأن مكان اليورانيوم أو الكميات المتبقية منه؛ ولذلك جاء القرار الأمريكي الذي وزع على أعضاء المجلس قبل أيام من التصويت ليطالب إيران بتقديم معلومات دقيقة حول المواد النووية والمنشآت المتضررة، وتمكين مفتشي الوكالة من الوصول إلى المواقع التي يحتاجونها للتحقق من تلك المعلومات.
وطالب النص طهران بأن تزود الوكالة "دون تأخير" ببيانات دقيقة عن المواد النووية والمنشآت الخاضعة للضمانات، وأن تمنح المفتشين الصلاحيات اللازمة للتحقق من تلك المعلومات. ورغم أن القرار لم يصل إلى حد المطالبة بإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي، فإن مجرد طرح هذا الخيار في النقاشات الدبلوماسية يعكس حجم القلق الغربي من الغموض الذي يحيط بمصير البرنامج النووي الإيراني بعد الحرب.
** اعتراف ضمني بفشل الحرب
أهمية القرار لا تقتصر على الجانب الفني؛ فهو يعكس أيضاً قناعة متزايدة في العواصم الغربية بأن الضربات العسكرية، رغم ما ألحقته من أضرار واسعة بالبنية التحتية النووية الإيرانية، لم تحقق هدفها السياسي الأهم، أي إزالة الشكوك المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني؛ فبعد عام من القصف، لا يزال الغرب يطرح الأسئلة ذاتها تقريباً التي كان يطرحها قبل الحرب. بل إن بعض هذه الأسئلة أصبح أكثر إلحاحاً اليوم، لأن أدوات الرقابة والتحقق تراجعت بصورة كبيرة منذ توقف عمليات التفتيش المنتظمة داخل إيران.
بمعنى آخر، فإن الحرب نجحت في تدمير أجزاء من البنية التحتية النووية الإيرانية، لكنها لم تنجح في توفير إجابة نهائية بشأن المواد النووية نفسها، وهذا هو جوهر الأزمة الحالية.
**طهران تهاجم جروسي والوكالة
في المقابل، تنظر طهران إلى القرار باعتباره محاولة سياسية للضغط عليها في وقت تخوض فيه مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وترى القيادة الإيرانية أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتجاهل حقيقة أن المنشآت التي تطالب بتفتيشها اليوم تعرضت لقصف عسكري واسع النطاق، وأن الظروف التي كانت تسمح بعمليات التحقق لم تعد قائمة كما كانت قبل الحرب.
ومن هنا جاء التصعيد الإيراني المتزايد ضد الوكالة ومديرها العام رافائيل جروسي، فقد اتهم مسؤولون إيرانيون الوكالة بالانحياز للمواقف الغربية، وذهب بعضهم إلى حد التشكيك في حياد جروسي شخصياً، معتبرين أنه يسعى إلى تعزيز موقعه الدولي وكسب دعم القوى الغربية في إطار مساعيه لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.
كما رأت طهران أن بعض تقارير الوكالة خلال العام الماضي وفرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الغطاء السياسي والدبلوماسي للضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآتها النووية. ورغم أن الوكالة تنفي باستمرار أي انحياز سياسي وتؤكد أن دورها يقتصر على التحقق الفني، فإن مستوى الثقة بين الجانبين يبدو اليوم في أدنى مستوياته منذ سنوات.
** واشنطن تريد ما عجزت عنه الحرب
أما روسيا والصين فقد اختارتا الاصطفاف إلى جانب إيران في مواجهة القرار، لكن موقفهما يتجاوز الدفاع عن طهران وحدها؛ فموسكو وبكين تعتبران أن الولايات المتحدة تحاول استخدام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتحقيق مكاسب سياسية لم تستطع تحقيقها بالكامل عبر القوة العسكرية.
وقد عبّر المندوب الروسي ميخائيل أوليانوف لدى الوكالة بوضوح عن هذا الموقف عندما اتهم واشنطن بأنها هي التي قوضت نظام التعاون القائم مع الوكالة من خلال الحرب، ثم عادت لتطالب بنتائج رقابية أصبح تحقيقها أكثر صعوبة بسبب تلك الحرب نفسها.
وترى موسكو أن الوكالة كانت تتمتع بإمكانية وصول أوسع إلى المواقع الإيرانية قبل الضربات العسكرية، وأن الحرب هي التي أدت إلى تدمير جزء من منظومة الرقابة القائمة، وبالتالي فإن تحميل إيران وحدها مسؤولية الوضع الحالي يتجاهل السياق الكامل للأزمة.
** هل يعود الملف إلى مجلس الأمن؟
بسبب احتمالات عودة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن يبدو القرار أقرب إلى بداية مرحلة جديدة من الأزمة النووية الإيرانية، لا إلى نهايتها؛ فهو لا يحيل الملف إلى مجلس الأمن الدولي في هذه المرحلة، لكنه يبقي الباب مفتوحاً أمام خطوات تصعيدية لاحقة إذا استمرت إيران في رفض التعاون بالشكل الذي تطلبه الوكالة.
غير أن المعضلة الحقيقية تتجاوز القرار نفسه؛ فإيران اليوم ليست دولة تفاوض من موقع طبيعي، بل طرف رئيسي في صراع إقليمي واسع، والولايات المتحدة ليست مجرد عضو في مجلس المحافظين، بل طرف مباشر في الحرب. أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية فتجد نفسها عالقة بين دورها الفني التقليدي وبين واقع سياسي وعسكري يجعل الحياد أكثر صعوبة من أي وقت مضى.