حين غادرت رنا محمود محمد منزلها في حي الصبرة بمدينة غزة تحت وطأة الحرب، لم تكن تعلم أن رحلة النزوح الشاقة والمتكررة سترافقها رحلة أخرى يتوجها التفوق، لتصبح الأولى على القسم الأدبي في المعاهد الأزهرية بفلسطين.
وبين أصوات القصف، وانقطاع الكهرباء، وضيق أماكن الإقامة، وقلة الكتب الدراسية، تمسكت طالبة معهد فتيات غزة الديني بحلمها في التعليم، حتى حصدت المركز الأول بالقسم الأدبي على مستوى المعاهد الأزهرية في فلسطين.
يقول والد رنا لـ«الشروق» إن تفوق ابنته لم يكن وليد اللحظة، وإنما جاء بعد سنوات من الاجتهاد والعمل المتواصل، مؤكدًا أن ظروف الحرب لم تثنها عن مواصلة دراستها، رغم القصف وانقطاع الكهرباء والمعاناة اليومية التي عاشها سكان قطاع غزة.
وأعرب عن أمله في أن تتمكن ابنته من استكمال دراستها الجامعية في جامعة الأزهر بمصر، ثم مواصلة الدراسات العليا؛ لتحقيق الحلم الذي عملت من أجله طوال سنوات دراستها.
أما رنا، فتؤكد أن العام الدراسي كان استثنائيًا بكل المقاييس؛ إذ فرضت الحرب واقعًا جديدًا على الطلاب، فلم تعد الدراسة تسير بصورة طبيعية، واضطر كثيرون إلى التكيف مع ظروف لم تكن تخطر ببال.
وتروي أنها واصلت دراستها بعد نزوحها من حي الصبرة إلى مكان آخر داخل القطاع، واستكملت تعليمها في معهد فتيات غزة الديني، رافضة أن تجعل الحرب سببًا للتخلي عن حلمها.
وتقول: «واجهنا انعدامًا للاستقرار، وانقطاعًا للكهرباء، وصعوبة في توفير مكان مناسب للمذاكرة، إلى جانب أصوات القصف والضغوط النفسية وقلة الإمكانات، لكنني كنت مؤمنة بأن هذه الظروف لن تمنعني من مواصلة الدراسة».
وتتابع: «واجهت أزمة حقيقية في الحصول على الكتب الدراسية، وحاولت الحصول على بعض النسخ من زميلاتي السابقات ومعلماتي؛ وكانت تكلفة الطباعة كبيرة جدًا، لكنني اضطررت إليها».
وتشير رنا إلى أن الدراسة داخل المعهد لم تكن منتظمة بسبب الحرب، واقتصرت على يومين أسبوعيًا، فيما اعتمدت بقية أيام الأسبوع على المذاكرة الذاتية، مؤكدة أن إدارة المعهد بذلت جهدًا كبيرًا للحفاظ على استمرار العملية التعليمية رغم الظروف الاستثنائية.
ولا تخفي رنا حلمها باستكمال مسيرتها العلمية في مصر، معربة عن أملها في الالتحاق بجامعة الأزهر، التي ترى فيها امتدادًا طبيعيًا لرحلتها التعليمية.
وعلى الرغم مما مرت به من صعوبات - ولا تزال - حرصت رنا على متابعة المباريات في كأس العالم، لتكشف أيضًا عن جانب آخر يعكس ارتباطها الوجداني بمصر، قائلة: «مع بابا بحضر المباريات، ووالدي من مشجعي منتخب مصر، وتمنينا الفوز لها أمام الأرجنتين، وده شرف لينا لأنه إحنا شعب ووطن واحد.. تحيا مصر».
وبين رحلة نزوح فرضتها الحرب، وإصرار على مواصلة الدراسة رغم كل الصعوبات، كتبت رنا محمد قصة تفوقها، مؤكدة أن الإيمان بالهدف كان أقوى من قسوة الظروف.