كما يحلو لى من متاجر الكتب المستعملة إلى الذكاء الاصطناعى - رشا عدلي - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2026 9:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

كما يحلو لى من متاجر الكتب المستعملة إلى الذكاء الاصطناعى

نشر فى : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:10 م

فى حوالى الساعة الواحدة ظهرًا، يرن الهاتف فى متجر صغير للكتب المستعملة فى أحد أحياء لندن. المكان شبه مظلم، وتكسوه رائحة الورق القديم. يرفع المسئول السماعة، فيأتيه صوت أجش يسأله عن عناوين من الكتب.
قد يبدو الأمر عاديًا فى البداية، فمتاجر الكتب المستعملة اعتادت مكالمات القراء الذين يبحثون عن رواية قديمة، أو طبعة لم تعد متاحة، أو كتاب نادر لم يعد موجودًا فى المكتبات العادية. لكن هذا الاتصال مختلف، المتحدث لا يسأل عن كتاب واحد، ولا يبحث عن عنوان يعرفه القارئ عادةً. إنه يريد عددًا كبيرًا من الكتب، عناوين متفرقة، وأحيانًا طبعات محددة يصعب العثور عليها. ثم يحدث الأمر مرة أخرى.

فى متجر آخر، وفى مدينة أخرى، يرن الهاتف بالطريقة نفسها. صوت مجهول، أسئلة دقيقة عن الكتب، وطلبات بكميات لا تتناسب مع طبيعة متجر صغير للكتب المستعملة وبعد أيام، يظهر المشهد فى مكان آخر ثم فى بلد آخر، فى بريطانيا، ثم أيرلندا وألمانيا وهولندا وسويسرا وإسبانيا. وعلى الجانب الآخر من العالم، تصل حكايات مشابهة من أستراليا ونيوزيلندا. أما التفاصيل فتظل متقاربة بصورة تثير الريبة، متجر كتب مستعملة، مكالمة غير متوقعة، قائمة طويلة من العناوين، واهتمام واضح بالحصول على كتب لا يبدو أن أحدًا ينوى قراءتها، وكلما اتسعت الخريطة، أصبح من الصعب التعامل مع الأمر باعتباره مصادفة تتكرر هنا وهناك. لم تعد المسألة متعلقة بصاحب متجر تلقى اتصالًا غريبًا، وإنما بظاهرة بدأت تظهر فى أسواق الكتب المستعملة فى أماكن متباعدة من العالم.

 


 والأكثر إثارة أن أصحاب المتاجر لم يجدوا تفسيرًا مقنعًا لهذه الطلبات، من يحتاج إلى آلاف الكتب القديمة؟ ولماذا يبحث عنها فى متاجر صغيرة للكتب المستعملة بدلًا من المكتبات ودور النشر؟  
فمثلا فى متجر بارتر بوكس فى نورثمبرلاند، بدأ صاحب المتجر ستيوارت مانلى يلاحظ خلال الأشهر الماضية طلبات لا تشبه ما اعتاد عليه، عناوين متباعدة فى موضوعاتها، طبعات محددة، كتب قديمة يصعب العثور عليها، وأحيانًا عشرات الكتب التى لا يبدو أن قارئًا واحدًا يمكن أن يجمع بينها. أحد الطلبات، على سبيل المثال، ضم ترجمة إستونية لرواية لجون لوكاريه، وطبعة محددة من رواية «أغنيس غراى» لآن برونتى، وعددًا قديمًا من مجلة متخصصة فى السفن الحربية.


فى البداية، بدا الأمر كأنه هواية غريبة لأحد جامعى الكتب، ثم الطلبات الغريبة نفسها فى متاجر أخرى فى أيرلندا، كانت قوائم كبيرة تضم كتبًا عن موضوعات متباعدة، من الزراعة فى إفريقيا خلال القرن الثامن عشر إلى سير سائقى سيارات السباق فى خمسينيات القرن الماضى. 

بعض أصحاب المتاجر تحدثوا عن مئات الكتب، وآخرون عن آلاف العناوين.

شيئًا فشيئًا، تغير السؤال من (من يشترى كل هذه الكتب؟) إلى سؤال أكثر غرابة (لماذا يحتاج إليها؟).

 


القاسم المشترك فى كثير من هذه الطلبات لم يكن موضوع الكتب، وإنما البيانات التى يمكن أن تحددها بدقة مثل: عناوين، طبعات معينة، أرقام ISBN، سنوات النشر. القوائم بدت أقرب إلى عمليات جمع واسعة ومنظمة للنصوص منها إلى قوائم للقراءة وفى الوقت نفسه، كان عالم الذكاء الاصطناعى يخوض سباقًا للحصول على كميات هائلة من المواد التى يمكن استخدامها فى تدريب النماذج اللغوية.


هنا بدأ الربط بين المكالمات الغامضة والذكاء الاصطناعى يأخذ شكلًا أكثر جدية. تحقيقات وتقارير إعلامية، من بينها تقارير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، تناولت الطلبات غير المعتادة واحتمال ارتباط بعضها بعمليات جمع كتب لصالح أنظمة الذكاء الاصطناعى. لم يكن هناك ما يثبت أن كل طلب غامض جاء من شركة تقنية، وبعض الجهات التى وردت أسماؤها نفت شراء الكتب بهدف رقمنتها أو إتلافها، لكن تشابه القوائم واتساع الظاهرة جعلا الاحتمال يستحق التحقيق.


فالكتاب المطبوع، من وجهة نظر الآلة، يمكن أن يكون شيئًا مختلفًا تمامًا عما هو عليه بالنسبة إلى القارئ، بمجرد مسحه ضوئيًا واستخراج النص منه، تتحول صفحاته إلى بيانات قابلة للمعالجة. ملايين الكلمات والجمل تدخل فى عمليات تدريب تساعد النموذج على التعرف إلى أنماط اللغة والعلاقات بين الكلمات والمعلومات. وعندما يجيب النموذج عن سؤال، لا يعود إلى كتاب محدد لقراءة صفحة منه، وإنما يولد الإجابة اعتمادًا على الأنماط التى تعلمها من كميات ضخمة من النصوص.


  وهنا تبدأ الحكاية فى اتخاذ شكل أكثر تعقيدًا، لقد اعتدنا أن نفكر فى عملية صناعة الكتاب بطريقة واضحة، هناك مؤلف كتبه، وناشر يطبعه، وقارئ يشترى نسخة منه. وهناك حقوق تحمى النص وتحدد من يستطيع إعادة نشره أو ترجمته أو استخدامه. لكن دخول الذكاء الاصطناعى إلى هذه المعادلة يغير السؤال نفسه! ماذا يحدث عندما لا تعود قيمة الكتاب مرتبطة فقط بمن يقرأه، وإنما بما تستطيع آلة أن تستخلصه منه؟


النص الذى كان يعيش داخل صفحات محددة، وفى سياق محدد، يمكن الآن أن يُفكك إلى كميات هائلة من البيانات تدخل فى تدريب نموذج لغوى. الكلمات تفقد غلافها المادى، وتتحول إلى جزء من منظومة أكبر تختلط فيها نصوص لا حصر لها
وعند هذه النقطة يصبح من الصعب تتبع الطريق الذى سلكه نص بعينه، أو معرفة أين ينتهى أثر كتاب وأين يبدأ أثر غيره.


القارئ يحصل من الكتاب على معرفة يختزنها فى ذاكرته، أما النموذج فيتعلم من أنماط مستخلصة من ملايين النصوص ثم يستخدمها فى إنتاج إجابات ونصوص جديدة وهذه المسافة بين الكتاب وما ينتج عنه هى التى تجعل المسألة أبعد من مجرد عملية رقمنة.


وقد كشفت قضية شركة Anthropic، المطورة للنموذج الآلى Claude، عن الجانب الأكثر وضوحًا من هذه المسألة. فقد أظهرت وثائق قضائية  عام ٢٠٢٣ أن الشركة اشترت ملايين الكتب المطبوعة وأزالت أغلفتها وتجليدها، ثم قامت بمسحها ضوئيًا وتحويلها إلى نسخ رقمية لاستخدامها فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى وبذلك فجأة أصبح الكتاب المطبوع، بكل ما يحمله من تاريخ وملكية ووجود مادى، مرحلة مؤقتة فى طريقه إلى أن يتحول إلى بيانات. 


وفى عام ٢٠٢٥، أصدرت محكمة أمريكية حكمًا فى القضية نفسها، واعتبرت أن استخدام الكتب التى حصلت عليها الشركة بصورة قانونية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعى يمكن أن يندرج، فى ظروف معينة، ضمن الاستخدام العادل، مع تمييز واضح عن النسخ المقرصنة. ثم وافقت الشركة لاحقًا على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار مع أصحاب الحقوق.


 وهكذا انتقلت القضية من نقاش تقنى حول تدريب النماذج إلى واحدة من أكبر المواجهات القانونية حول ملكية النصوص فى عصر الذكاء الاصطناعى.
لهذا فإن القضية لا تتوقف عند حقوق المؤلف، رغم أنها تبدأ منها! هناك سؤال آخر يتعلق بمصير المعرفة بعد خروجها من شكلها الأصلى، فإذا دخل نص كتبه إنسان فى تدريب نموذج، ثم ساهم بصورة ما فى قدرته على الإجابة والكتابة وإنتاج نصوص جديدة، فكيف يمكن تحديد صاحب هذا الأثر؟ وهل تكفى القواعد التى تحكم ملكية النسخة وحقوق نشرها للتعامل مع شىء أصبح جزءًا من نظام أكبر بكثير من الكتاب نفسه؟


من هنا تبدو المكالمات التى أقلقت أصحاب متاجر الكتب المستعملة أكثر من مجرد واقعة غريبة فى سوق مهملة نسبيًا. شخص ما يطلب آلاف الكتب، ولا يبدو مهتمًا بالموضوعات التى تجمع بينها أو بالقارئ الذى سيجلس لقراءتها، ما يهمه هو الاستفادة من الصفحات التى بداخله فى تنمية قدراته.


وربما هذا يعيدنا إلى السؤال الأول، لكن بصورة مختلفة، أصحاب المتاجر كانوا يريدون أن يعرفوا مَن يشترى هذه الكتب، والمؤلفون يريدون أن يعرفوا ماذا يحدث لحقوقهم عندما تتحول كتبهم إلى مادة تتعلم منها الآلة. فالنص الذى كتبه إنسان يمكن أن يدخل فى تدريب نموذج للذكاء الاصطناعى، ثم تساهم المعرفة المستخلصة منه فى إنتاج نصوص جديدة. وهنا يظهر السؤال الأصعب، عندما تستخدم الآلة ما كتبه الكاتب لتنتج نصًا جديدًا، فأين وقتها ينتهى أثر الكاتب وأين يبدأ أثر الآلة؟


لكن بالتأكيد هناك جانبًا آخر فى المسألة يتجاوز الحقوق والملكية، ماذا يبقى من النص عندما نفصله عن الكتاب الذى احتواه، وعن اليد التى كتبته، وعن الإنسان الذى وضع فيه تجربته ونظرته إلى العالم؟ هنا تصبح فكرة «روح النص» أكثر أهمية، لأنها تذكّرنا بأن الكتابة لم تكن مجرد وسيلة لتسجيل الكلمات، وإنما كانت أيضًا أثرًا لصاحبها ولعل الخط الصينى القديم يقدم مثالًا واضحًا على ذلك، فقد نظر الصينيون إلى الخط باعتباره فنًا يكشف عن صاحبه، فالحرف لا يُقرأ لمعناه فقط، وإنما تُرى فيه حركة اليد، وسرعتها، وضغطها، وإيقاعها، اختلاف هذه التفاصيل كان قادرًا على الكشف عن شخصية الخطاط وحالته وطريقته فى التعبير، تماما  كما يستطيع المتلقى أن يتعرف إلى لوحة لفنان من ضربات فرشاته، يمكنه أن يتعرف إلى الخطاط من طريقته فى تشكيل الحرف.


والنص الأدبى، وإن كان لا يترك أثر اليد بالطريقة نفسها، يحمل أثر صاحبه أيضًا،  يظهر ذلك فى اختيار الكلمات، وإيقاع الجمل، وطريقة بناء المشهد، لهذا قد نتعرف إلى كاتب من فقرة واحدة قبل أن نقرأ اسمه، لأن الأسلوب ليس مجموعة تقنيات منفصلة، وإنما نتيجة لتجربة كاملة تقف خلف الكلمات.


الآلة تستطيع أن تتعلم من عدد هائل من هذه الأساليب، وأن تحلل أنماطها وتعيد تركيبها فى نص جديد ويمكنها أن تنتج كتابة متماسكة ومقنعة، وقد تحاكى أسلوبًا أدبيًا بدرجة مدهشة، لكنها لا تملك التجربة التى أنجبت النصوص التى تعلمت منها لأنها ببساطة تتعامل مع آثار التجربة وليس مع التجربة نفسها.


وهنا تتغير طبيعة السؤال مرة أخرى  لم تعد القضية فقط عن ملكية وحقوق  فالسؤال الأهم ماذا يحدث للكتابة الإنسانية عندما تتحول نصوصها إلى مادة تتعلم منها آلة لتنتج من خلالها كتابة جديدة؟
وعندما نعود إلى تلك المكالمات الغامضة التى بدأت بها الحكاية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا، آلاف الكتب تُشترى ليس من أجل قراءتها ولكن من أجل الوصول إلى ما تحتويه من نصوص ومعرفة، لتتحول الصفحات إلى بيانات، وتدخل هذه البيانات فى تدريب الآلة، ثم تظهر منها كتابة جديدة.


 وبين النص الذى كتبه الإنسان والنص الذى تنتجه الآلة تظل هناك منطقة يصعب تحديد حدودها إذا كانت الآلة قد تعلمت من كتابة البشر، فلمن يُنسب النص الذى تنتجه؟!

رشا عدلي كاتبة وروائية مصرية
التعليقات