قُتل الإنسان ما أكفره! - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2026 9:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

قُتل الإنسان ما أكفره!

نشر فى : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:20 م

كنت أجلس بالمطعم مع مجموعة من الأصدقاء عندما حضر الجرسون ليأخذ الطلبات. لم يدون الشاب أى شىء لكن أخذ يهز رأسه، وهو يختزن كل ما طلبناه فى رأسه ثم انصرف.

أدهشتنى قدرته على حفظ طلبات متنوعة لأربعة أشخاص تراوحت ما بين شوربة وسلاطة وأطباق لحم، دجاج، سمك، أرز، خبز، مشروبات. لم يستخدم ورقة كما لم يستعن بالموبايل ليسجل الطلبات، كما يفعل البعض فى المطاعم. ذكرنى هذا بموقف مماثل قرأتُ عنه، وهو خاص بباحثة نفسية روسية خاضت تجربة مماثلة وخرجت منها بنظرية جديدة أو كانت جديدة وقتها فى عام 1927. كانت بلوما زيجارنيك قد وصلت إلى برلين للدراسة فى مختبر الدكتور كورت لوين أحد أهم علماء النفس تأثيرًا فى ذلك الوقت.

كان لوين يجرى تجارب على كيفية عمل العقل فى الحياة اليومية الحقيقية، وليس فقط فى ظروف المعامل والمختبرات، وكانت الطالبة زيجارنيك منغمسة معه فى أبحاثه. الموقف الذى أتحدث عنه أن هذه الباحثة خرجت مع أصدقائها إلى أحد المطاعم، حيث طلبت هى ومن معها الكثير من الطعام، ولاحظت أن النادل قد تذكر جميع الطلبات دون أن يكتب شيئًا وقدمها بشكل صحيح دون أخطاء.

بعد دفع الحساب تذكرت أنها نسيت شيئًا على الطاولة فعادت لأخذه، وهناك اقتربت من النادل وسألته ببساطة: من فضلك، هل يمكنك أن تعيد علىّ ما طلبناه اليوم؟ نظر إليها الشاب مندهشًا، ولم يتذكر أى تفاصيل عن الطلب. قبل دقائق قليلة فقط كان يحتفظ بكل المعلومات فى ذاكرته، لكن الآن بعد إغلاق الحساب وتحصيل الفاتورة اختفت كل تلك المعلومات كأنها لم تكن موجودة أبدًا.

بالنسبة للباحثة الروسية كانت تلك الواقعة بداية سؤال بحثى مهم: لماذا يتذكر الدماغ الأشياء غير المكتملة فى حين ينسى تلك التى انتهت؟ عند عودتها إلى المختبر طورت تجربة بسيطة، فأعطت المشاركين حوالى عشرين مهمة مختلفة، سُمح لنصفهم بإكمالها بينما تمت مقاطعة النصف الآخر فى منتصف الطريق وطُلب منهم الانتقال إلى مهام أخرى. بعد ذلك سألت كل واحد: ما المهام التى قمت بها اليوم؟ تذكر المشاركون المهام غير المكتملة بنسبة تكاد تكون ضعف تذكرهم المهام الكاملة.

وهذا يعنى أن المهام المعلقة لا تترك العقل بسهولة، لكن تظل تحتل جزءًا من الذاكرة والانتباه وكأنما تطالب بأن تستأنف وتكمل. نشرت زيجارنيك نتائجها فى مجلة ألمانية لعلم النفس عام 1927، واليوم تُعرف هذه الظاهرة بتأثير زيجارنيك. مرت قرابة مائة عام، وأصبح الإنسان يعيش فى ظروف لم يخطر ببال أحد أن تكون معقدة على هذا النحو، فكل شخص لديه عشرات الأمور غير المكتملة فى الوقت نفسه مثل رسائل على «واتساب» لم يتم الرد عليها، إيميلات لم نجد الوقت لنفتحها، محادثات مهمة مؤجلة، مشكلات عائلية غير محلولة.

كل شىء غير مكتمل يشغل حيزا من العقل فى الخلفية، وكلما تراكمت الأمور المعلقة قلّت الطاقة المتبقية التى يحتاجها الإنسان ليعيش بشكل طبيعى.. وقد يفسر تأثير زيجارنيك حالة التعب التى تنتاب البعض ويظنونها بلا أسباب، فهم ينامون بشكل طبيعى ويأخذون إجازات ولا يقومون بأنشطة مجهدة ومع ذلك يشعرون بالإرهاق والتعب الذى لا يزول. لا يكون السبب هنا نقص وقت الراحة لكن تراكم الأمور المعلقة والملفات المفتوحة والمهام والمحادثات والقرارات التى تعيش فى أعماق العقل لسنوات، لأنها غير مكتملة.

وقد أضاءت هذه الظاهرة أو النظرية لى شخصيًا أجزاء كانت معتمة تخص حالى، فكثيرًا ما أقوم منتفضًا من النوم لأقوم بفتح اللاب توب وتعديل فصل من الرواية التى أكتبها، وكثيرًا ما تقلبت فى السرير بسبب المقال الذى كتبت نصفه ثم تركته لأستريح، هذا غير العناء والإجهاد الذى أشعر به نتيجة اضطرارى لتذكر موعد تغيير زيت السيارة وكذلك موعد سداد قسط مدرسة الأولاد، وإيميلات القراء التى يتعين الرد عليها وإلا حسبونى متعاليًا أو قليل الذوق.. هذا غير عشرات الكتب التى شرعت فى قراءتها ثم أرجأتها إلى «بعدين».. هذه الكتب اتضح أنها لا تترك المرء فى حاله لكنها تؤرقه وتلح عليه أن يعود فيستكمل قراءتها، وإذا لم يستجب فإنها تعاقبه بأن تشغل جانبًا من الدماغ قد يكون فى حاجة إليه لأمور حياتية أخرى. وجود عدد كبير من الملفات المفتوحة داخل الذهن يجهد الدماغ ويشتتها ويجعل السكينة والطمأنينة والهدوء أهدافًا بعيدة المنال.

لم أشأ فى المطعم أن أكرر تجربة بلوما زيجارنيك وذلك بان أطلب من الجرسون بعد دفع الحساب أن يعيد على مسامعى الأصناف التى طلبناها، ذلك أننى كنت على يقين من أنه لن يتذكرها، خاصة إذا أخذنا فى الحسبان فرق مائة عام بيننا وبين عام 1927، وأن النادل وقتها لم يكن عنده فيسبوك ولا إنستجرام! أما إذا ابتعدنا فى الزمن أكثر وعدنا لعدة قرون سابقة ثم عقدنا مقارنة بما كانت عليه الحالة العصبية والنفسية لإنسان ذاك العصر مقارنة بإنسان اليوم فيمكن القول إن المشتتات زمان كانت أقل بما لا يقاس، ومع ذلك لا يمكننا أن نزعم أن إنسان ذلك الزمان كان أكثر سعادة، لأن الشخص قد يكون حقًا بعيدًا عن التشتت ويحظى بتركيز عالٍ لغياب الملفات المفتوحة، لكن ما قيمة ذلك إذا كنا نتحدث عن زمن كان الإنسان فيه يستطيع أن ينزل السوق فيشترى إنسانًا آخر!

الخلاصة: قُتل الإنسان ما أكفره!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات