كان متألقًا وواعدًا وينتظره مستقبل كبير.. شبهوه بـ«الأناكوندا» والآن يتدرب فى فريق درجة رابعة.
اليوم أكتب عن مصطفى محمد، مهاجم الزمالك الأسبق، ولاعب فريق نانت الفرنسى الحالى.
لا أكتب كناقد رياضى، لأننى لست كذلك، وهو ما أكرره كثيرًا حتى لا أجور على مهمة زملائى المتخصصين، لكن أكتب عن الجوانب السلوكية والأخلاقية والمهنية والتربوية لأن نجوم الكرة اليوم ليسوا ملك أنفسهم أو أنديتهم فقط بل صاروا الآن قدوة لملايين الشباب، وبالتالى إما أن يكونوا قدوة جيدة أو سيئة.
للأسف الشديد مصطفى محمد فى وضع سيئ الآن، ونتمنى أن يستفيد من الدرس، ويعود إلى رشده.
مصطفى محمد ولد فى ٢٨ نوفمبر ١٩٩٧، وبدأ مشواره فى قطاع الناشئين بنادى الزمالك، ثم خرج فى إعارات إلى أندية طنطا وطلائع الجيش والداخلية، وعاد إلى الزمالك عام ٢٠١٩، ليصبح المهاجم الأول للفريق، وساهم فى فوز الفريق بالدورى والكأس والسوبر المصرى والسوبر الإفريقى.
بسبب تألقه انتقل إلى جالاتا سراى التركى عام ٢٠٢١ وصار حديث الصحافة التركية، ومع تراجع مستوى الفريق انخفضت مشاركته تدريجيًا ثم انتقل إلى فريق نانت الفرنسى على سبيل الإعارة، وبسبب مستواه المرتفع تم التعاقد معه رسميًا.
وقدم موسمًا متميزًا مع نانت، وصار أحد أعمدة منتخب مصر، لكن مستواه بدأ فى التراجع بصورة ملحوظة، وكذلك مستوى الفريق الفرنسى حتى هبط هذا العام من الدورى الفرنسى الممتاز.
حينما اختار حسام حسن قبل شهر تشكيلة المنتخب المسافرة للولايات المتحدة للمشاركة فى كأس العالم الأخيرة، استبعد مصطفى محمد، وهاجمه كثيرون على ذلك، وغضب منه كثيرون - ومنهم كاتب هذه السطور - اعتقادًا أن حسام استبعده لأنه زملكاوى، واختار لاعبين غير معروفين، مثل مصطفى زيكو. ثم تبين أننا كنا جميعًا مخطئين، وحسام هو الأصح، والدليل أن كل من اختارهم قدموا أداء ممتازًا خصوصًا مصطفى زيكو وهيثم حسن.
جميع المصريين تفاءلوا بأن يتألق مصطفى محمد فى الدورى الفرنسى ليكرر تجربة محمد صلاح فى أوروبا، خصوصًا ليفربول، لكن مصطفى محمد ترك فريقه الفرنسى، ولم يرد على الاتصالات والمراسلات، واختفى تمامًا لمدة ٤ أسابيع عن الفريق خلال فترة استعداده للموسم الجديد. والنتيجة أن مدرب الفريق ميشيل دير زاكاريان قرر أن يتدرب اللاعب مع الفريق الرديف الذى يلعب فى الدرجة الرابعة حتى نهاية فترة الانتقالات الصيفية. وقال المدرب: «لا يمكننا الاعتماد على لاعب يعود بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع من بداية فترة الإعداد، وسيتعرض اللاعب لعقوبات مالية وتأديبية».
مصطفى محمد عمره الآن ٢٨ عامًا، وعقده مع نانت مستمر حتى صيف ٢٠٢٧، هو شارك مع الفريق فى ٢٤ مباراة، سجل خلالها ٤ أهداف فقط.
هذا ما حدث مع مصطفى محمد فى الفترة الأخيرة، والدرس المهم الذى أريد أن أركز عليه اليوم، هو كيف يمكن للموهبة أن تحافظ على نفسها بدلًا من أن تدمر نفسها.
لدينا نموذج محمد صلاح الذى فعل كل ما هو صحيح وسليم بل مثالى فى تنمية موهبته والمحافظة عليها، ليس فقط كرويًا ولكن الأهم ثقافيًا وإنسانيًا
وتربويًا وأخلاقيًا لدرجة أنه صار أحد مصادر قوة مصر الناعمة.
الكرة لم تعد مجرد لعبة تتقاذفها أرجل ٢٢ لاعبًا فى الميدان، بل صناعة متكاملة تشمل كل شىء من أول التسلية والترفيه والمنافسة وصولًا إلى الترويج والتسويق والبث التليفزيونى والاقتصاد والقوة الناعمة للدول. وبالتالى فما فعله مصطفى محمد يخالف كل القواعد الأساسية لنجاح أى لاعب.
أحب مصطفى محمد وطريقة لعبه ويزيد من ذلك أننى زملكاوى، لكن يحزننى أن ينتهى لاعب متميز مثله إلى ما انتهى إليه الآن ليكون النموذج المصرى السلبى تمامًا فى الدورى الفرنسى.
هو لديه موهبة كان يمكن أن تصل به إلى آفاق بعيدة، لكنه للأسف أهدر هذه الموهبة بسوء تصرفاته المناقضة تمامًا لكل قواعد الاحتراف.
الفرصة لم تنتهِ بعد أمام مصطفى محمد، يمكنه أن يعوض ذلك، لكن الأمر يحتاج إلى جهد كبير وتدريب شاق، والأهم إصلاح النفس ومجاهدتها والتركيز على مستقبله، إحدى المآسى التى تعانى منها الكرة المصرية والعربية عمومًا، هى غياب الدافعية للاستمرار.
تظهر مواهب عظيمة، لكنها تنغمس فى أشياء تافهة أو لا تملك القدرة على الرؤية الصحيحة، فتفقد موهبتها وينتهى بها الأمر إلى النسيان، خسارة يا مصطفى.