تحديات أمن الملاحة فى الشرق الأوسط - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 25 يوليه 2026 12:24 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

تحديات أمن الملاحة فى الشرق الأوسط

نشر فى : الجمعة 24 يوليه 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يوليه 2026 - 6:50 م

تشكل الحرب الأمريكية الإيرانية، إذا استمرت أو اتسع نطاقها، أحد أكبر التهديدات التى تواجه أمن الملاحة البحرية فى الخليج العربى والبحر الأحمر، بل وفى مجمل الشرق الأوسط. فهذه الحرب لا تقتصر آثارها على المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، وإنما تمتد إلى الممرات البحرية التى يعتمد عليها الاقتصاد العالمى، وإلى الدول المطلة على الخليج والبحر الأحمر، وإلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية. ولذلك فإن أمن الملاحة لم يعد قضية فنية أو اقتصادية فحسب، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمى والدولى.


تكمن خطورة الوضع فى أن الخليج العربى يضم مضيق هرمز، الذى يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، فيما يربط البحر الأحمر بين مضيق باب المندب وقناة السويس، وهو ما يجعله أحد أهم طرق التجارة الدولية. ومع تحول هذين الممرين إلى ساحات محتملة للصراع، تصبح حرية الملاحة رهينة للتطورات العسكرية والسياسية، ويصبح أى تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران كفيلًا بإحداث اضطرابات واسعة النطاق فى حركة السفن وناقلات النفط والبضائع.


* • •
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المخاطر لم تعد افتراضية. فقد أدت الهجمات على السفن التجارية وارتفاع أقساط التأمين البحرى إلى زيادة تكاليف النقل، كما اضطرت بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو تعليق رحلاتها فى بعض المناطق عالية الخطورة. وتشير التقديرات إلى أن شركات التأمين رفعت بصورة كبيرة رسوم التأمين ضد أخطار الحرب، فى حين اضطرت بعض السفن إلى تجنب المرور عبر المناطق الأكثر تعرضًا للتهديد.


ولا تقتصر هذه الأخطار على مضيق هرمز وحده. فمنذ سنوات أصبح البحر الأحمر بدوره ساحة مفتوحة للتوترات العسكرية، سواء بسبب استهداف السفن التجارية أو بسبب استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة. ومع اتساع نطاق المواجهة الأمريكية الإيرانية، يزداد احتمال انتقال الصراع إلى باب المندب، وهو ما يعنى تهديدًا مزدوجًا للملاحة البحرية فى أهم ممرين للطاقة والتجارة فى العالم. وقد حذرت تقارير دولية حديثة من أن تصاعد التهديدات فى باب المندب قد يدفع المزيد من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف أسابيع إلى زمن الرحلات ويرفع تكاليف التجارة العالمية بصورة كبيرة.


وتدرك إيران أن قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة عسكريًا بصورة تقليدية تظل محدودة، ولذلك تعتمد منذ سنوات على استراتيجية الحرب غير المتماثلة، والتى تقوم على استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والقوات البحرية الصغيرة، إلى جانب الحلفاء الإقليميين، لإرباك حركة الملاحة ورفع كلفة الوجود العسكرى الأمريكى. ومن هذا المنطلق، فإن تهديد الملاحة البحرية يمثل بالنسبة لطهران وسيلة ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية أكثر منه هدفًا عسكريًا مستقلًا.


* • •
وفى المقابل، ترى الولايات المتحدة أن حرية الملاحة تمثل أحد المبادئ الأساسية للنظام الدولى، ولذلك تحافظ على وجود بحرى كثيف فى الخليج والبحر الأحمر. غير أن هذا الوجود، على أهميته، لا يستطيع أن يوفر حماية كاملة لكل السفن التجارية، خاصة مع التطور الكبير فى استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة والألغام البحرية. كما أن اتساع رقعة العمليات العسكرية يجعل من الصعب ضمان أمن الملاحة بصورة مطلقة، حتى مع وجود أساطيل بحرية متقدمة. وقد أصدرت الجهات الأمريكية المختصة بالملاحة البحرية تحذيرات متكررة من استمرار ارتفاع المخاطر على السفن التجارية فى الخليج العربى ومضيق هرمز وخليج عمان، بما فى ذلك مخاطر الهجمات الصاروخية والتشويش الإلكترونى على أنظمة الملاحة.


وتتحمل دول الخليج العربية العبء الأكبر من هذه التطورات. فهى ليست فقط الدول المطلة على الخليج، وإنما تعتمد اقتصاداتها بدرجات متفاوتة على صادرات الطاقة المنقولة بحرًا. وكل اضطراب فى الملاحة يعنى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتأخير وصول الصادرات، واحتمال انخفاض الإيرادات، فضلًا عن التأثير السلبى على الاستثمارات الأجنبية التى تبحث دائمًا عن بيئة مستقرة وآمنة.


أما مصر، فإنها تجد نفسها أيضًا فى قلب هذه الأزمة بحكم ارتباط قناة السويس مباشرة بحركة الملاحة فى البحر الأحمر. فكل تراجع فى أعداد السفن العابرة نتيجة المخاطر الأمنية ينعكس على إيرادات القناة، وعلى الاقتصاد المصرى بصورة عامة. كما أن استمرار التوتر فى البحر الأحمر يضع ضغوطًا إضافية على الأمن القومى المصرى، نظرًا لما يمثله هذا البحر من أهمية استراتيجية لمصر ولأمنها البحرى.


ولا تقف التداعيات عند حدود المنطقة. فإغلاق أو تعطيل مضيق هرمز أو باب المندب، حتى بصورة جزئية، ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز، وعلى معدلات التضخم العالمية، وعلى سلاسل الإمداد الدولية. ويكفى أن تتزايد احتمالات إغلاق هذه الممرات حتى تبدأ الأسواق العالمية فى التفاعل برفع الأسعار، وهو ما يوضح حجم الترابط بين الأمن الإقليمى فى الشرق الأوسط والاستقرار الاقتصادى العالمى.


* • •
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن حماية الملاحة يمكن أن تتحقق فقط عبر زيادة الوجود العسكرى. فالخبرة التى راكمتها المنطقة خلال العقود الماضية تؤكد أن عسكرة الممرات البحرية لا تمنع بالضرورة وقوع الهجمات، وإنما قد تؤدى أحيانًا إلى زيادة احتمالات الاحتكاك العسكرى وسوء التقدير، خاصة فى بيئة تتداخل فيها القوات البحرية الأمريكية والإيرانية وقوات دول أخرى، إلى جانب السفن التجارية.


كما أن استمرار الحرب يفتح الباب أمام توسع دائرة الفاعلين غير الحكوميين، الذين قد يجدون فى استهداف السفن وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. وهو ما يعنى أن المخاطر لن تكون مرتبطة فقط بقرارات الحكومات، وإنما أيضًا بتحركات جماعات مسلحة تمتلك قدرات متطورة نسبيًا على تعطيل الملاحة أو تهديدها.


ولهذا كله، فإن معالجة أخطار الحرب الأمريكية الإيرانية على الملاحة البحرية لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل ينبغى أن تكون سياسية ودبلوماسية فى المقام الأول. فخفض التصعيد بين واشنطن وطهران يظل المدخل الأساسى لحماية مضيق هرمز، كما أن احتواء الصراعات الإقليمية المرتبطة بإيران يمثل شرطًا ضروريًا لاستعادة الأمن فى البحر الأحمر وباب المندب.


ومن هنا تبرز أهمية الدور العربى، وخاصة دور مصر والسعودية وسلطنة عمان وقطر والأردن، فى الدفع نحو مسارات دبلوماسية تضمن منع الانزلاق إلى حرب مفتوحة. كما ينبغى العمل على بناء ترتيبات أمن إقليمى تقوم على الحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم استخدام الممرات البحرية كساحات لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية.


إن أمن الملاحة فى الخليج والبحر الأحمر ليس مصلحة خليجية أو عربية فقط، وإنما هو مصلحة عالمية بامتياز. غير أن مسئولية حماية هذا الأمن تبدأ من دول المنطقة نفسها، عبر بناء منظومة تعاون إقليمى أكثر فاعلية، وتعزيز الثقة المتبادلة، والحد من سياسات التصعيد. أما استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، أو توسعها، فلن يؤدى إلا إلى مضاعفة المخاطر على التجارة الدولية والطاقة والاقتصاد العالمى، وإلى جعل الشرق الأوسط أكثر هشاشة واضطرابًا. ولهذا فإن الخيار الأكثر عقلانية يبقى هو العودة إلى التفاوض والدبلوماسية، مهما بدت الطريق شاقة، لأن البديل هو بحر مضطرب، وممرات بحرية مهددة، واقتصاد عالمى يدفع ثمن حرب لا رابح فيها.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات