لا تخلو جريدة أو مجلة الآن من أخبار أو موضوعات تتعلق بصحة الإنسان وسلامته، وهذا الاهتمام يلقى قبولًا كبيرًا لدى القارئ وشغفًا يدفعه للمتابعة الدائمة، لكنه أيضًا يوقعه فى حيرة لا حد لها. هذا السيل من المعلومات الذى يُنشر يوميًا فى صورة حقائق لا تقبل الجدل، والذى تبدو أحيانًا فيه نبرة الإعلان أعلى من صدق الإعلام، وإن اختلطت بها، أيها نصدق وأيها نتجنب؟ الواقع أن الأمر يحير بالفعل، ويحتاج إلى جهد من الطرفين: الإعلام والقارئ.
ولعلى أسوق مثلًا واحدًا عاصرته هذا الأسبوع، حينما طالعت خبرًا فى جريدة رصينة يعلن «الجوز يقى من سرطان الثدى»، واستطرد الخبر: سرطان الثدى مرض خطير وبات بمثابة لعنة تطارد النساء، لكن الخبر السار هو أن العديد من المأكولات، وعلى رأسها الجوز، يحتوى على مكونات صحية ومواد مضادة للأكسدة وأحماض الأوميجا، وبالتالى فإن تناول ٦٠ جرامًا من الجوز يوميًا يحد من خطر الإصابة ونمو الورم.
إلى هنا انتهى الخبر الذى صادف وقرأت أصله منشورًا على الصفحة العلمية لأخبار BBC، قبلها بيوم واحد. الخبر صحيح، لكنه ناقص إلى حد بعيد. الترجمة الحقيقية للخبر أن التجربة أجريت على فئران تجارب، وبالتالى فالخبر يعلن حقيقة فى حيز التجريب فى عالم الحيوان لم تُجرَ بعد على الإنسان، وبالتالى فالنتيجة لا تتعلق بالإنسان، وإن تمنى الصحفى الذى ترجم الخبر!
أطعم العلماء الفئران أوقيتين من الجوز يوميًا، ٥٦٫٧ جرام، وراقبوا التغيرات التى حدثت، فجاءت النتائج تؤكد أن احتمالات الإصابة بسرطان الثدى تراجعت، والتى ظهرت كانت أقل حجمًا من المتوقع. وقد عرض فريق البحث البريطانى نتائجه أمام الحضور فى الاجتماع السنوى لجمعية السرطان الأمريكية.
تحدث العلماء بأمانة وحيدة، تنزه عن أى غرض، فما بالنا نلون الأخبار ونضفى عليها ما ليس فيها.
الصدق هو المعيار الحقيقى للخبر العلمى، لأنه يمس حياة الإنسان وأمنه، لذا يجب أن يلتزم به من يتصدى للكتابة العلمية بلا زيادة أو نقصان، وأن يجتهد فى أن يصيغه فى سياقه العلمى بطريقة مبسطة لا يغيب عنها الوضوح. هذه مسئولية الكاتب، أما ما على القارئ فإلى حديث قادم إن شاء الله.