أُثيرَ فى الآونة الأخيرة حوار حاد حول المنظومة الصحية الخاصة وتسعير الخدمات فيها داخل العيادات والمستشفيات.
وعكست تلك الحوارات النظرةَ المحدودة والجزئية لإشكالية النظام الصحى فى مصر فى السنوات الأخيرة؛ تلك النظرة التى تحصر المشكلة الصحية فى أسعار الخدمة الطبية الخاصة، فى ظل الأوضاع الاقتصادية العامة التى يعانى منها المرضى ــ ولا سيما الأفقر والأكثر احتياجًا للخدمة ــ وكذلك جموع شباب الأطباء الذين يعانون من تردى هياكل أجورهم، مما يدفعهم إلى الهجرة أو اللجوء إلى العمل الخاص لتحسين أوضاعهم المالية.
الواقع أننا تعرضنا كثيرًا فى مقالاتنا السابقة لمفهوم الرعاية الصحية، وبيّنا أنها ليست «سوقًا طبية»، وأن العرض والطلب فيها ليس ككل الخدمات والسلع الأخرى المرنة، بل يتسم بعدم المرونة؛ لأنها حق وخدمة أساسية يجب تنظيمها وكفالتها من قبل المجتمع والدولة، كما نص على ذلك دستوريًا.
وأكدنا على أن مقدمى الخدمة الطبية ــ وخاصة الأطباء ــ يجب أن يندمجوا فى نظام شامل ومتكامل يتم اعتماده فى الحالة المصرية الحالية، وهو نظام التأمين الصحى الشامل الجديد؛ وفقًا للدستور وحسب خطة الدولة للتنمية الاستراتيجية المعلنة «مصر 2030» وغيرها من الوثائق التنموية.
والمعروف علميًا فى اقتصاديات الصحة أن تلك الرعاية لها ــ بطبيعة الحال ــ تكلفة، وبالتالى يمكن تسعيرها، ولكنها بما أنها ليست سلعة، فلا يجب أن تكون محلًا لعلاقة مباشرة بين المريض ومقدم الخدمة كالأطباء؛ فالدفع المباشر من الجيب للحصول عليها هو الأسوأ على الإطلاق فى النظم العالمية وفى علاقة المريض بالطبيب. لذا، وضعت النظم الحديثة أساليب متعددة لتأسيس (طرف ثالث) فى تلك العلاقة، يقوم بجمع أموال تكلفة الخدمة وتوفير أجور عادلة لمقدميها وفق تخصصاتهم وخبراتهم، مما يحفظ للمريض كرامته وللطبيب سمو عمله وهيبته؛ فلا يصبح المريض زبونًا فى سوق، ولا الطبيب بائعًا فى هذا السوق.
فما هو الطرف الثالث فى هذا السياق؟ وما هى أهميته؟
إن وجود طرف ثالث بين المريض ومقدم الخدمة يعتبر أساس معظم الأنظمة الصحية فى العالم. وهذا الطرف ــ بتنوعه ــ قد يكون هيئة تأمين صحى عامة، أو وزارة للصحة، أو شركة تأمين خاصة، حسب ظروف كل بلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وترجع أهمية ذلك إلى أربعة أسباب جوهرية:
أولًا: توزيع مخاطر المرض المالية والحد من كلفته المباشرة على المرضى
وكمثال على ذلك: يمكن أن يكلف العلاج مريضًا واحدًا قرابة مليون جنيه فى تدخل جراحى عاجل واحد وهو فى كهولته ــ فى الحالة المصرية ــ وهذا الرقم يعتبر تهديدًا ماليًا لأى أسرة متوسطة أو فقيرة. وهنا يبرز دور الطرف الثالث، الذى يقوم فى حالة التأمين الصحى بجمع اشتراكات مسبقة صغيرة القيمة شهريًا من أعداد كبيرة من المشتركين (فى شكل اشتراكات أو مساهمات)، ثم يقوم بتغطية من يمرض منهم فى حالة المرض الكارثية التى أشرنا إليها. وبدون هذا الطرف الثالث فى الحالة المذكورة، قد لا يتمكن المريض من العلاج ويتعرض للوفاة، أو يواجه كارثة مالية فى تدخل طبى واحد مهدد لحياته.
ثانيًا: التفاوض وتوحيد السعر
المريض منفردًا ليس لديه أية قوة تفاوضية فى مواجهة المؤسسات الطبية فى تلك الحالة السابقة أو غيرها؛ ولكن هيئة التأمين أو شركة التأمين التى تغطى ملايين المواطنين، ولديها ملاءة مالية وفرص متعددة، تستطيع التفاوض على السعر بقوة أكبر وتحديده أيضًا، وهذا ما يسمى (القوة الشرائية المجمعة). وبذلك تستطيع مواجهة الاحتكارات الطبية، وكسر هيمنتها، وتخفيض الأسعار، ومراجعة بنودها أيضًا بعدالة حسب التكلفة المحسوبة وهامش الربح المنطقى.
ثالثًا: ضبط جودة الخدمة ومنع الاستغلال ومراقبتها
من مهام الطرف الثالث الأساسية القيام بمراجعة دقيقة: هل العملية السابقة كانت ضرورية أم أن هناك بدائل أخرى؟ وهل الدواء مرتفع الثمن له بدائل أرخص بنفس الفاعلية؟ وهل هذا المستشفى أو هذا الطبيب يعمل وفق معايير الجودة وحاصل على ترخيص واعتماد لخدمته أم لا؟
وبدون ذلك سوف يحدث أمران:
1- الإسراف: فى كتابة فحوصات وعلاجات ليست ضرورية حتى يرفع مقدم الخدمة فاتورة أتعابه، وذلك ما يسمى (خلق الطلب المستحث على الخدمة).
2- الفساد: قيام بعض المستشفيات بالمطالبة بمستحقات عن خدمات لم يتم تقديمها بالفعل، مستغلة المريض كزبون جاءها مضطرًا بمفرده.
رابعًا: تخطيط المنظومة برمتها
الطرف الثالث لديه بيانات دقيقة عن العبء المرضى وماهيته لمشتركيه، ولديه بروتوكولات علاجية أساسية معتمدة دوليًا وتكلفتها ومدتها. وعبر هذه البيانات، يستطيع توجيه موارده إلى المكان الصحيح للخدمة، كما يستطيع إدارة برامج وقائية تحد من الإنفاق الكارثى على حالات غير ضرورية، لحساب دعم الرعاية الأساسية التى تستبق المضاعفات.
وهكذا، يشعر المريض والطبيب أنهما يعملان فى إطار نظام مسئول عن المتابعة وتوفير أجر مجزٍ للطبيب بشكل لائق وعادل حسب خبرته ومهارته، وتُنقض بذلك العلاقة المالية المباشرة بين الطبيب والمريض، ولا تكون (فيزيتا الأطباء) هى موضوع الجدل المستمر حول قيمتها؛ لأن الطرف الثالث أو النظام هو من سيتولى تحديد ذلك الأمر.
نماذج عالمية ملهمة
لدينا عدة أمثلة لبلدان طبقت هذا الأمر:
- فى بريطانيا مثلًا: الدولة هى الطرف الثالث، حيث تقوم وزارة الصحة (الممولة من الضرائب التصاعدية) بالدفع لمقدم الخدمة الصحية التى تُقدّم مجانًا للمرْضى، وتشغّل المستشفيات وتدفع للأطباء أجورًا مجزية جدًا حسب الخبرة والمهارة.
- فى أمريكا: شركات تأمين خاصة ومتعددة هى الطرف الثالث، ويقوم المواطنون بالاشتراك فيها حسب دخلوهم، والشركة تتفاوض مع المستشفيات والأطباء على الأسعار وتدفع تكلفة العلاج.
ولهذا النظام الأمريكى بعض العيوب، منها: عدم قدرة بعض المواطنين على الاشتراك فى هذه الشركات، وعدم قدرة الشركات على التفاوض المجمع المؤثر، ومن ثم تعتبر الخدمة والأدوية هناك مرتفعة الثمن والكلفة، على العكس من بلد مجاور لها مثل كندا.
- النموذج الألمانى أو الفرنسى الأوروبى (وهو الأقرب لما نريد تأسيسه): هناك صناديق مرض متعددة وغير ربحية (قرابة 90 صندوقًا تأمينيًا للمرض) تديرها النقابات وأصحاب الأموال والأعمال، ويستطيع الفرد الاشتراك الإلزامى فيها حيث تُخصم الاشتراكات من مرتبه، وتقوم الصناديق بتغطية التكلفة للجميع بسعر مناسب وتفاوضى؛ أى إنها طرف ثالث ينظم العلاقة بين المريض ومنظم الخدمة، ولا تدير الخدمة بنفسها إنما تشتريها للمواطنين.
الخلاصة والرؤية المستقبلية لمصر
فى النماذج السابقة، يبدو دور الطرف الثالث حيويًا لأنه يفصل بين المريض والدفع المباشر للطبيب حتى يحد من الكوارث المالية للمريض، ويفاوض على السعر المجمع، ويضبط جودة الخدمة.
والواقع أن مصر تتجه إلى نموذج أقرب إلى النموذج الأوروبى (سواء فى ألمانيا أو فرنسا) عبر تطبيق تدريجى ومرحلى؛ فالطرف الثالث موجود ومفصول عن مقدم الخدمة حسب قانون التأمين الصحى الشامل رقم 2 لسنة 2018، وهو يقسم الأدوار على ثلاث هيئات مستقلة:
1- هيئة التمويل والاشتراكات (هيئة التأمين الصحى الشامل).
2- هيئة الرعاية الصحية (للإشراف على تقديم الخدمة).
3- هيئة الاعتماد والرقابة الصحية.
ولكن تغطية هذا النظام ما زالت بطيئة وجزئية؛ فقد بدأت فى عام 2019 فى محافظات المرحلة الأولى (بورسعيد، الأقصر، الإسماعيلية، جنوب سيناء، وأسوان، والسويس)، وحققت تغطية لحوالى 5.4 مليون مواطن فى هذه المحافظات، ونسبة تسجيل وصلت إلى 83%، بتكلفة وصلت لقرابة 51 مليار جنيه من الدولة لتحديث البنية التحتية.
والتحدى القائم حاليًا ــ والذى سمح بوجود مثل هذه الحوارات الحادة ــ هو أن الطرف الثالث موجود نظريًا، ولكن فى التطبيق الفعلى ما زال يتسع ببطء. والتحدى الأخطر هو أن تمويل المرحلة الثانية يحتاج إلى قرابة 115 مليار جنيه، كما تحتاج المنظومة إلى ضبط الحوكمة وربط أجزائها ببعضها حتى لا تتحول إلى كيانات بيروقراطية جديدة تعطل حق المريض ولا تضمن كرامة الطبيب.
نرى أن تعميم هذا النظام ممكنٌ بإرادة سياسية قوية، وإنصافٍ فى تخصيص الموارد البشرية والمالية، لتصبح مصر نموذجًا لتأمين صحى شامل مستقبلًا يحاكى ألمانيا وفرنسا، ولكن بنسخة مصرية خالصة تناسب ظروف مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وهذا هو ما يحلم به جميع الخبراء، بدلًا من الحوارات الهامشية المضيعة للوقت والجهد والمال.
مسئول الحق فى الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وخبير فى إصلاح القطاع الصحى