كأس العالم ٢٠٢٦.. عن عنصرية الأوروبيين الفاضحة - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 3 يوليه 2026 11:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

كأس العالم ٢٠٢٦.. عن عنصرية الأوروبيين الفاضحة

نشر فى : الجمعة 3 يوليه 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الجمعة 3 يوليه 2026 - 5:55 م


لم تكن بطولة كأس العالم لكرة القدم عبر تاريخها مجرد منافسة رياضية بين منتخبات أو أندية تمثل قارات العالم المختلفة، بل كانت دائما مرآة تعكس كثيرا من التوازنات السياسية والثقافية والاجتماعية السائدة فى النظام الدولى. وكما كشفت البطولات السابقة عن تحولات فى موازين القوة الكروية وصعود مدارس جديدة فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، فإن النسخة الحالية كشفت أيضا عن أمر آخر لا يقل أهمية، وهو أن بعض الصور النمطية والنزعات العنصرية التى ظن كثيرون أن أوروبا تجاوزتها لا تزال حاضرة فى الخطاب الرياضى لبعض المدربين والمعلقين والإعلاميين الأوروبيين، وإن جاءت فى صور أكثر نعومة وأقل مباشرة مما كان عليه الحال فى العقود الماضية.


فاللافت أن عددا من التعليقات التى صدرت عن مدربين أوروبيين عقب خسائر فرقهم لم تكتف بالاعتراض على قرارات تحكيمية أو انتقاد أداء المنافسين، وإنما حملت فى طياتها قدرا واضحا من التشكيك فى كفاءة الحكام القادمين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كما تضمنت استعلاء على الفرق التى تنتمى إلى هذه القارات، وكأن النجاح أو التفوق لا يزال حكرا على المدرسة الأوروبية، وأى نتيجة تخالف هذا التصور لا يمكن تفسيرها إلا بالأخطاء التحكيمية أو الحظ أو ضعف التنظيم.


ومن أكثر الأمثلة دلالة تصريحات المدير الفنى للمنتخب الألمانى يوليان ناجلسمان عقب خروج ألمانيا من البطولة أمام باراجواى. فقد شن هجوما حادا على الحكم المغربى جلال جيد، معتبرا أن قراره بإلغاء هدف ألمانى فى الوقت الإضافى كان «فضيحة» ووصف القرار فى تصريحات أخرى بسخرية بأنه «نكتة كبيرة»، متهما الحكم بحرمان ألمانيا من التأهل بسبب احتساب مخالفة ضد أحد اللاعبين الألمان مع حارس مرمى باراجواى قبل تسجيل الهدف. وقد ظل ناجلسمان يركز على القرار التحكيمى باعتباره العامل الحاسم فى خروج فريقه، رغم اعترافه فى الوقت نفسه بوجود أخطاء فنية وتكتيكية ارتكبها المنتخب الألمانى خلال المباراة والبطولة بصورة عامة.


ولا يتعلق الأمر هنا بحق أى مدرب فى الاعتراض على قرار تحكيمى، فهذا جزء طبيعى من كرة القدم، كما أن الحكام، أيا كانت جنسياتهم، يخطئون ويصيبون. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراض إلى خطاب يحمل إيحاءات بأن الحكم القادم من إفريقيا أو آسيا يفتقر بطبيعته إلى الكفاءة اللازمة لإدارة مباريات كبرى، أو عندما يجرى التعامل مع وجوده فى مثل هذه المباريات باعتباره استثناءً يحتاج دائما إلى تبرير، بينما ينظر إلى الحكم الأوروبى باعتباره الأصل الذى لا يثار بشأنه السؤال ذاته إلا فى حالات نادرة.


• • •
وتكشف هذه المواقف عن استمرار ما يمكن وصفه بالمركزية الأوروبية فى كرة القدم العالمية. فهذه المركزية لا تقتصر على الاعتقاد بأن الدوريات الأوروبية هى الأقوى أو أن الأندية الأوروبية هى الأغنى، وهى حقائق يصعب إنكارها، وإنما تمتد إلى تصور أوسع يرى أن الخبرة والاحترافية والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح تظل صفات أوروبية بالأساس، بينما ينظر إلى الآخرين باعتبارهم أقل كفاءة وأكثر عرضة للخطأ.


ويتكرر هذا المنطق فى تغطية كثير من وسائل الإعلام الأوروبية للمنتخبات الإفريقية واللاتينية والآسيوية. فعندما تحقق هذه المنتخبات انتصارات كبيرة يكثر الحديث عن «المفاجآت» و«الحظ» و«الروح القتالية»، بينما يقل الحديث عن التخطيط والتكتيك وجودة الإعداد. أما إذا حقق منتخب أوروبى الفوز، فإن التحليل ينصرف مباشرة إلى التفوق الفنى والانضباط الخططى والعبقرية التدريبية. وكأن النجاح الأوروبى نتيجة طبيعية للكفاءة، بينما نجاح الآخرين استثناء يحتاج إلى تفسير خاص.


ومن اللافت أيضا أن بعض المعلقين الأوروبيين لا يزالون يستخدمون أوصافا تنتمى إلى قاموس قديم عند الحديث عن اللاعبين الأفارقة أو الآسيويين أو اللاتينيين. فاللاعب الإفريقى يوصف كثيرا بالقوة البدنية والسرعة، بينما يقل الحديث عن ذكائه التكتيكى أو مهاراته الذهنية. واللاعب اللاتينى يقدم باعتباره صاحب مهارة فردية وإبداع فطرى، لكن دون الاعتراف الكامل بانضباطه التكتيكى. أما اللاعب الآسيوى فيشاد غالبا بانضباطه واجتهاده، وكأن الإبداع والقيادة صفات حصرية لمدارس أخرى. وهى تصنيفات تبدو فى ظاهرها إيجابية، لكنها فى جوهرها تعيد إنتاج قوالب نمطية تحرم اللاعبين من التقييم الفردى الموضوعى.


ولا يختلف الأمر كثيرا عند الحديث عن المدربين. فما زال المدرب الأوروبى يحظى فى الإعلام العالمى بدرجة من الثقة والاحترام تفوق كثيرا ما يحظى به المدرب القادم من إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، حتى عندما تكون الإنجازات الفعلية للأخير مساوية أو متفوقة. ويكفى النظر إلى الطريقة التى يجرى بها تفسير نجاح المدربين من خارج أوروبا، إذ كثيرا ما ينسب إلى ظروف استثنائية أو إلى مواهب اللاعبين، بينما ينسب نجاح المدربين الأوروبيين إلى الفكر والمدرسة والأسلوب.


• • •
المفارقة أن هذه النزعة تتجاهل حقيقة أن كرة القدم العالمية تغيرت بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة. فاللاعبون الأفارقة واللاتينيون والآسيويون يشكلون اليوم جزءا أساسيا من نجاح أكبر الأندية الأوروبية، كما أن الحكام من مختلف القارات يديرون مباريات فى أعلى المستويات بعد اجتيازهم المعايير الفنية والبدنية نفسها التى يخضع لها الحكام الأوروبيون. ولم يعد ممكنا الحديث عن فجوة معرفية أو تدريبية تبرر استمرار هذه النظرة المتعالية.


كما أن المنتخبات غير الأوروبية أثبتت مرارا قدرتها على منافسة القوى التقليدية، بل وإقصائها من البطولات الكبرى. ولم تعد الانتصارات التى تحققها المنتخبات الإفريقية أو الآسيوية أو اللاتينية مجرد مفاجآت عابرة، وإنما أصبحت نتيجة طبيعية لتطور البنية التدريبية والاستثمار فى المواهب المحلية والاستفادة من الاحتراف فى أفضل الدوريات العالمية.


إن استمرار بعض الخطابات الأوروبية التى تحمل إيحاءات عنصرية أو دونية لا يضر فقط بصورة كرة القدم الأوروبية، وإنما يقوض أيضا الرسالة التى تدعى الرياضة العالمية الدفاع عنها، وهى المساواة والاحترام المتبادل وتكافؤ الفرص. فلا يمكن الاحتفاء بعالمية اللعبة إذا ظلت بعض النخب الرياضية والإعلامية تتعامل مع النجاح القادم من خارج أوروبا باعتباره استثناء يهدد نظاما اعتادت أن تكون هى مركزه.


وليس المقصود هنا تعميم الاتهام على جميع المدربين أو الإعلاميين الأوروبيين، فهناك كثيرون تعاملوا باحترام كامل مع المنافسين والحكام من مختلف القارات، واعترفوا بجدارة المنتخبات التى تفوقت عليهم. غير أن تكرار هذه التعليقات بعد كل بطولة كبرى يشير إلى أن المشكلة ليست فردية بالكامل، وإنما تعكس بقايا ثقافة لم تتحرر بصورة كاملة من الإرث الاستعمارى ومن التصورات الهرمية التى قسمت العالم طويلا إلى مركز متفوق وأطراف أقل كفاءة.


• • •
وربما يكون الدرس الأهم الذى تقدمه هذه البطولة هو أن عالم كرة القدم بات أكثر تعددية من أى وقت مضى. فالتفوق لم يعد حكرا على أوروبا، والكفاءة لم تعد مرتبطة بالجغرافيا أو الهوية أو اللون، والتحكيم الدولى أصبح أكثر تنوعا، كما أن المدارس الكروية فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا أثبتت قدرتها على المنافسة والإبداع. ولذلك فإن المطلوب ليس فقط تطوير أداء الحكام أو المنتخبات، وإنما أيضا مراجعة الخطاب الرياضى الأوروبى نفسه، والتخلى عن الصور النمطية التى لم يعد لها مكان فى عالم يفترض أنه يؤمن بالمساواة والتعددية. فكلما أسرع هذا الخطاب فى الاعتراف بأن كرة القدم أصبحت بالفعل لعبة عالمية، وأن التفوق يمكن أن يأتى من أى قارة، اقتربت الرياضة من قيمها الإنسانية الحقيقية، وابتعدت عن إرث التمييز والاستعلاء الذى ما زالت بعض ملامحه تطفو على السطح كلما تعرضت القوى التقليدية للهزيمة أو خرجت من المنافسة.

 

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات