جزر الخارج المنعزلة وصوامع الداخل المغلقة - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الأربعاء 1 يوليه 2026 9:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

جزر الخارج المنعزلة وصوامع الداخل المغلقة

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:10 م

من آفات العمل العام بين مؤسسات محلية ودولية وداخلها الاجتزاء، والتشتت رغم تعدد الاجتماعات المشتركة وكثرة الحديث عن أهمية التعاون وضرورة التنسيق وأفضال تبادل المعلومات. ورغم اشتراك الأزمات الراهنة فى مسبباتها وتضافرها فى إلحاق الضرر بحياة الناس وأسباب معيشتهم، تجد تنافرًا بين جهات التصدى للأزمات لتخفيف الضرر، وإضاعة للجهد وإهدارًا لمُمكنات الإنجاز والإنقاذ. ومن عجب أن يصل الأمر بمؤسسات حكومية تنتمى إلى جهات الولاية ذاتها أن توقّع فيما بينها مذكرات تفاهم وبروتوكولات تعاون أمام جمع وشهود، مع التقاط لصور المبتسمين المتصافحين من مسئولين، وكأنهم يدشنون نهجًا جديدًا من العمل البناء، ولكن هيهات.

فالعمل العام الدولى تتراجع كفاءته بين جزر منعزلة تناثرت فيها مؤسسات متحصنة وراء بيروقراطيتها المتقادمة وصلاحياتها العتيقة تتذرع بها لكبح تداول المعلومات، والذود عن حدودها وما تعدّه من اختصاصها من دون غيرها. أما العمل العام المحلى، فهو ضحية لنهج صوامع مغلقة البوابات والمنافذ أمام أى اختراق بحكم لوائح وأعراف توارثتها أجيال تتشبث بها ليس لضبط إيقاع العمل واحترام التخصص والتنظيم المؤسسى، ولكن لضمان استمرار المزايا والمكتسبات وأصناف من البدلات والامتيازات كمقابل أعمال اللجان ومهام خارج البلدان.

دار ذلك فى خاطرى أثناء مشاركتى منذ أيام فى فعاليات أسبوع لندن للعمل المناخى، واحتفال نادى باريس، المعنى بمتابعة الديون السيادية وإعادة هيكلتها وجدولتها. فى كلمته فى لندن تحدث أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، على طريقة تشارلز ديكنز فى «قصة مدينتين»، بقصة أزمتين: الطاقة والمناخ. فالعالم انكشفت هشاشته بعد أزمة الحرب الأخيرة واضطراب نظم شحن البترول والغاز الطبيعى. كما أنه أكثر عرضة للكوارث بفعل تغيرات المناخ بارتفاع درجة الحرارة ولفحات الحر وموجاته العنيفة التى عانت منها لندن، كغيرها من مدن أوروبية، بما وُصف بأنها غير مسبوقة منذ بدأ الرصد من حيث الحدة والتوقيت والمدة. وقد نجم عن هذه الموجات ضحايا، فضلًا عن تعطل وسائل النقل وتعطيل المدارس وإرجاء عمليات جراحية. بما يدعو إلى أهمية التعجيل بإجراءات الانتقال العادل للطاقة الجديدة والمتجددة، مع الاستثمار فى التكيف مع تغيرات المناخ، خصوصًا فيما يتعلق بالمياه، والزراعة والغذاء والصحة، والتوقى من مهددات التجمعات السكنية والشاطئية، فضلًا عن التصحر.

وفى منتدى باريس، الذى تزامن عقده مع فعاليات لندن، تناول المتحدثون فيما تناولوه تطورات أوضاع المديونية الدولية وتفاقمها، وسبل التعامل معها. وكان من المتحدثين الاقتصادية إستر دوفلو الحائزة جائزة نوبل فى الاقتصاد، فجددت ما أشارت له من قبل، وقمت بشرحه فى مقال سابق فى هذه الصحيفة (جريدة الشرق الأوسط)، أن مقابل ديون البلدان النامية المستحقة عليها، فهناك ديون مستحقة لها تسببت فيها بلدان متقدمة بتجاوزها بانبعاثات ضارة بالمناخ بأنماط إنتاجها واستهلاكها، الحدود الحرجة المسموحة بتداعيات شديدة التأثير على البلدان النامية. إذ يستوجب على البلدان النامية زيادة إنفاقها على التكيف مع مخاطر المناخ، وأنه إذا ما احتسبت قيمة الانبعاثات مقدرة بملايين الأطنان مضروبة فى سعر الطن لزادت المديونية المرتبطة بتجاوز حد الانبعاثات المسموح به عما هو مستحق على البلدان النامية من ديون. بما تعدّه الاقتصادية دوفلو ديونًا أخلاقية ومعنوية، ولكن هل يمكن إجراء مقاصة عادلة بين الديون السيادية والديون المناخية؟ تأتى إجابة فنية بنعم، ولكن تأتى إجابات عملية بالنفى القاطع.

فلم نجد استجابة لعلاجات مقترحة أكثر يسرًا فى التطبيق لأزمة المديونية الدولية ببعض الإعفاءات، استجابة لنداء تقرير اليوبيل الذى أعدته لجنة خبراء وجه بها الراحل البابا فرانسيس. ولم نجد تعديلًا بعد لشروط سلامة الديون، أو إعادة هيكلتها، أو مبادلتها لتحقيق وفر ينفق على التصدى لتغيرات المناخ أو حماية الطبيعة أو تحقيق أهداف التنمية.

إذن، بين لندن وباريس تجلت الأحاديث عن أزمات ثلاث مشتركة الحدود ومتشابكة الأبعاد، وهى الطاقة وتغير المناخ والديون. ونجم عن العجز فى علاجها رغم الحلول الميسورة فنيًا وماليًا، أزمة أكبر فى تراجع التنمية. فقد شهد تقرير الأمم المتحدة عن أهداف التنمية المستدامة أن العالم بعيد عن مسار تحقيقها باستثناء 17 فى المائة فقط ستبلغ خط النهاية بنجاح فى عام 2030. كما أوضح «أطلس البنك الدولي» عن التنمية العالمية لعام 2026، الصادر على موقعه منذ أيام، أن التقدم فى تحقيق التنمية هو الأبطأ على مسارات تتبعها منذ 75 عامًا فى 15 من 26 مؤشرًا رئيسيًا تشمل التنمية البشرية، والعدالة بين الجنسين، وفى توزيع الدخل والثروة، والفقر، والموارد الطبيعية وأهمها المياه، والبنية الأساسية والطاقة والتحول الرقمى.

نعلم أنه لكى يُستعدل المسار لما هو أفضل، ينبغى لتحقيق أهداف التنمية حشد المُمَكنات من تمويل، وتوفير للتكنولوجيا الملائمة، وتغيير للسلوك بحوافز معينة على التحديث. لكن تتبدد الممكنات بين جزر منعزلة وصوامع موصدة الأبواب. من الجزر النائية ما يطلب لهدوئها وجمال طبيعتها. ومن الصوامع ما يجب صونه حفاظًا على ما فيها من حبوب وغلال. ولكننا بصدد جزر مصطنعة فى الخارج تهدر الموارد وتتداخل مع أنشطة غيرها رافضة تنسيق الجهود وتبادل المعلومات. كما نواجه صوامع مغلقة فى الداخل مانعة من التعاون مضنية لحياة المواطنين ومضللة لمساعى المستثمرين. لكن هناك مربكًا شاملًا يحيق بجزر الخارج وصوامع الداخل، ألا وهو الذكاء الاصطناعى الذى قد يحدث بها وفيها ما لم تفلح فيه جهود السابقين؛ وفى هذا توضيح يتناوله مقال مقبل.

 

نقلًا عن الشرق الأوسط

التعليقات