• هيئة لتنظيم السوق العقارية محاولة لمعالجة مشكلات متراكمة
• تأخر تسليم الوحدات عن المواعيد التعاقدية تعديل مواصفات المشروعات أبرز الأزمات بين المطورين والعملاء
رغم أن القطاع العقارى يُعد أحد أكبر محركات الاقتصاد المصرى، وأكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات المحلية والأجنبية، فإن النمو السريع الذى شهده خلال السنوات الأخيرة كشف فى الوقت ذاته عن العديد من الثغرات التنظيمية التى تسببت فى أزمات متكررة بين العملاء وشركات التطوير العقارى، وأعادت إلى الواجهة مطالب إنشاء هيئة مستقلة أو إصدار قانون شامل لتنظيم السوق العقارية.
بحسب بيانات حكومية استطاعت مصر جذب استثمارات أجنبية خلال آخر أربعة أعوام بقيمة ٣٧ مليار دولار، منها ٣١.١ مليار دولار من صفقتى راس لحكمة وعلم الروم بالساحل الشمالى، الأمر الذى يوضح دور القطاع العقارى فى تعزيز الإيرادات الأجنبية للبلاد.
خلال الأيام الأخيرة شهد مجلس النواب مناقشات موسعة بشأن مقترحات لإنشاء هيئة لتنظيم السوق العقارى ووضع إطار تشريعى جديد يحكم العلاقة بين جميع أطراف المنظومة العقارية، فى محاولة لمعالجة مشكلات تراكمت على مدى سنوات مع اتساع حجم السوق وتعدد اللاعبين فيه.
أزمات متكررة بين العملاء والمطورين
على الرغم من الطفرة العمرانية التى تشهدها مصر، فإن السوق العقارية لا يزال يواجه عددًا من المشكلات التى تثير شكاوى العملاء بصورة متكررة، يأتى فى مقدمتها تأخر تسليم الوحدات عن المواعيد التعاقدية، أو تعديل مواصفات المشروعات بعد البيع، او تعدد المطوريين على قطعة الأرض الواحدة وهى الظاهرة التى تسببت فى أزمات كبيرة فى السوق العقارى خاصة بالساحل الشمالى.
كما يشتكى بعض العملاء من غياب آليات واضحة لحماية أموالهم فى المشروعات التى يتم بيعها قبل اكتمال تنفيذها، وهو ما يعرف بالبيع على الخريطة، حيث تعتمد بعض الشركات على مقدمات الحجز والأقساط فى تمويل أعمال البناء، ما يجعل المشترين أكثر عرضة للمخاطر حال تعثر المشروع أو تأخره.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع غياب قاعدة بيانات رسمية موحدة توضح موقف المشروعات ونسب تنفيذها والتراخيص الحاصلة عليها، الأمر الذى يجعل العملاء يعتمدون بشكل أساسى على الحملات التسويقية للشركات دون وجود جهة رقابية تتيح معلومات دقيقة ومحدثة.
فجوة تنظيمية فى سوق ضخمة
يرى خبراء القطاع أن المشكلة الأساسية لا تكمن فى نقص الطلب أو ضعف النشاط العقارى، بل فى غياب جهة تنظيمية موحدة تتولى الرقابة والإشراف على السوق.
ففى الوقت الحالى تتوزع الاختصاصات بين عدة جهات حكومية، تشمل وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية والأجهزة المحلية وغيرها، بينما لا توجد مؤسسة متخصصة تتابع أداء المطورين أو تضع معايير موحدة للحوكمة والإفصاح.
كما لا يخضع الوسطاء والمسوقون العقاريون لنظام ترخيص ورقابة شامل، وهو ما سمح خلال السنوات الماضية بانتشار ممارسات تسويقية غير دقيقة، ووعود بيعية مبالغ فيها، وتداول معلومات غير موثقة حول بعض المشروعات.
ويرى مراقبون أن هذه الفجوة التنظيمية أصبحت أكثر وضوحًا مع تضاعف حجم السوق العقارى المصرى خلال العقد الأخير، وتحوله إلى أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار بالنسبة للمواطنين.
لماذا تتحرك الدولة الآن؟
فى أغسطس ٢٠٢١ أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى على ضرورة تنفيذ 30% على الأقل من المشروعات السكنية قبل طرحها للمواطنين، وذلك حرصًا من الدولة على حماية العملاء المشترين.
جاءت المطالبات بإنشاء هيئة لتنظيم السوق العقارية فى وقت يواجه فيه القطاع تحديات جديدة، أبرزها ارتفاع تكاليف البناء والتمويل، وتعثر العديد من الشركات العقارية نتيجة عدم الجدية او عدم القدرة على مجابهة التغييرات الاقتصادية وهو ما يهدد أموال المشترين والتى تقدر بالمليارات.
ويؤكد نواب وخبراء أن المستثمر الأجنبى يبحث دائمًا عن سوق تتمتع بدرجة عالية من الشفافية والرقابة والوضوح التشريعى، وهى عناصر لا يمكن تحقيقها بشكل كامل دون وجود جهة تنظيمية قادرة على مراقبة الأداء وتطبيق القواعد على جميع الأطراف.
كما أن حماية حقوق المشترين أصبحت ضرورة ملحة للحفاظ على الثقة فى السوق، خاصة أن العقار يمثل بالنسبة لعدد كبير من الأسر المصرية استثمار العمر ومدخرات سنوات طويلة.
المقترحات المطروحة
تتجه المناقشات الحالية إلى إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم السوق العقارية أو إصدار قانون شامل للتطوير العقارى يتضمن إنشاء كيان رقابى متخصص.
وبحسب المقترحات المتداولة، ستتولى الهيئة إصدار التراخيص المهنية للمطورين والوسطاء العقاريين، ووضع قواعد واضحة للبيع على الخريطة، وإنشاء سجل موحد للمشروعات العقارية، ومتابعة نسب التنفيذ الفعلية للمشروعات، إلى جانب مراقبة الإعلانات والحملات التسويقية لضمان عدم تضليل العملاء.
كما تتضمن المقترحات إنشاء حسابات ضمان للمشروعات الجديدة، بحيث يتم إيداع أموال المشترين فى حسابات مخصصة لا يمكن استخدامها إلا فى تنفيذ المشروع ذاته، وهو نظام مطبق فى عدد من الأسواق العقارية المتقدمة وساهم فى حماية حقوق العملاء وتقليل مخاطر التعثر.
وتشمل الأفكار المطروحة كذلك إنشاء آليات سريعة لتسوية النزاعات بين العملاء والشركات بعيدًا عن إجراءات التقاضى الطويلة، بما يضمن الحفاظ على حقوق جميع الأطراف.
كيف يمكن أن يغير القانون شكل السوق؟
تطبيق قانون متكامل لتنظيم السوق العقارية يمكن أن يحدث تحولًا جوهريًا فى القطاع خلال السنوات المقبلة،
فمن ناحية، سيؤدى إلى رفع مستويات الشفافية والإفصاح، وإتاحة معلومات دقيقة حول المشروعات والشركات العاملة فى السوق. ومن ناحية أخرى، سيمنح العملاء أدوات حماية أكبر، ويحد من الممارسات غير المنظمة التى أضرت بصورة القطاع فى بعض الفترات.
كما سيساعد وجود جهة رقابية متخصصة على فرز الشركات الجادة من غير الجادة، وتشجيع المطورين الملتزمين، ورفع جودة المشروعات والخدمات المقدمة للعملاء.
مستقبل أكثر تنظيمًا
وبينما لا تزال المناقشات مستمرة داخل البرلمان والحكومة، يتفق معظم العاملين فى القطاع على أن السوق العقارى المصرى بات بحاجة إلى مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسى تتناسب مع حجمه الحالى وطموحات نموه المستقبلية.
فبعد سنوات من الاعتماد على النمو السريع والتوسع العمرانى، تبدو الأولوية اليوم لبناء منظومة رقابية وتشريعية أكثر تطورًا، تضمن حماية المستثمرين والعملاء، وتعزز ثقة الأسواق، وتدعم استدامة أحد أهم القطاعات الاقتصادية فى مصر.
عضو مجلس النواب عبدالخالق إبراهيم يرى أن إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم السوق العقارى يمثل الحل الشامل والمستدام لمعالجة التحديات التى تواجه القطاع، فى ظل الحاجة المتزايدة إلى وجود جهة تتولى الرقابة والإشراف وتنظيم العلاقة بين مختلف الأطراف العاملة بالسوق.
أضاف أن تنظيم السوق يجب أن يشمل كل عناصر المنظومة العقارية، بدءًا من الجهات الحكومية المسؤولة عن تخصيص الأراضى وإصدار التراخيص، مرورًا بالمطورين العقاريين، ووصولًا إلى العملاء وشركات التسويق والإدارة والتشغيل، بما يخلق بيئة أكثر شفافية واستقرارًا.
أشار إلى أن فكرة إنشاء اتحاد للمطورين العقاريين تُعد خطوة إيجابية فى الاتجاه الصحيح، لكنها تظل محدودة الاختصاصات ولا تكفى بمفردها لمعالجة التحديات الهيكلية التى يواجهها القطاع، لافتًا إلى أن الاتحاد يمكن أن يؤدى دورًا مهنيًا وتمثيليًا للمطورين، بينما تظل الحاجة قائمة لوجود جهة حكومية تنظيمية مستقلة تمتلك أدوات الرقابة والتنظيم والإشراف.
أوضح أن المقترح المطروح يتمثل فى إنشاء هيئة مستقلة تتبع رئيس مجلس الوزراء وتتمتع بشخصية اعتبارية، بما يمنحها المرونة والقدرة على ممارسة دورها التنظيمى بعيدًا عن تداخل الاختصاصات بين الجهات المختلفة، على أن تمتلك الهيئة حزمة متنوعة من الأدوات التنظيمية والرقابية التى تسهم فى رفع كفاءة السوق وحماية حقوق المتعاملين فيه.
تأتى الخطوة المقترحة فى سياق دعوات سابقة لتأسيس هيئة مستقلة لتنظيم القطاع، على غرار «مؤسسة التنظيم العقارى» فى إمارة دبى التابعة لدائرة الأراضى والأملاك فى دبى، والتى تشرف على حسابات الضمان للمشروعات العقارية أو هيئة التنظيم العقارى فى الهند.