للذين ما زالوا يعتقدون بأنه من الممكن الاعتماد على دولة الولايات المتحدة الأمريكية فى المساعدة على إيجاد حل عادل إنسانى للموضوع الفلسطينى، وعلى الأخص فى مشاهد احتلال فلسطين التوسّعى البربرى المتعاظم والتعامل مع شعبها ومقاومته بالقتل والتهجير وانتهاك الأعراض وحرق وتدمير الأرض وما عليها من طبيعة وعمران، أو على مساهمة هذه الدولة فى بناء أنظمة ديمقراطية فى أى قطر عربى أو دولة إسلامية.. لهؤلاء جميعًا نقول لهم: «إقرأوا ولو القليل عن تاريخ هذه الدولة الاستعمارية الأنانية الدموية اللا أخلاقية لتعرفوا أن تاريخ فكر وسلوكيات هذه الدولة لا يمكن أن تقوم بذرة مما تظنون أو تأملون».
دعنا فقط أن نقوم بداية باستعراض المبادئ والمنطلقات والخطوط الحمر وخطط المؤامرات التى جاءت فى بعض ما سمح حتى الآن رسميًا بنشره بشأن السياسة الخارجية الأمريكية.
أما المشاهد الفكرية والسلوكية الداخلية لأنظمة الحكم الأمريكى عبر العقود الطويلة، والتى لا تقل فى بشاعاتها عما خطط للخارج فسنتركه لأحرار ومفكرى ومثقفى أمريكا الذين لا يتوقفون عن ذكرها ونقدها يوميًا بشتى السبل.
فما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبالتحديد فى عام 1948، ومع تساقط أو ضعف العديد من دول أوروبا، ممّن خاضوا أو واجهوا الحرب، حتى كتب جورج كنان، رئيس التخطيط فى وزارة الخارجية مذكرة جاء فيها بما معناه أن أمريكا أصبحت تملك نصف ثروة العالم، مع أن نسبة تعداد سكانها لا يزيدون على 6%، وبالتالى سيغار منها الكثيرون.
وعليه فعلى الوزارة أن تتعامل مع العالم بدون عواطف ولا أحلام يقظة من مثل شعارات غامضة كحقوق الإنسان أو رفع مستوى المعيشة، أو الانتقال إلى الديمقراطية، بل علينا أن نتعامل بتعابير القوة بدلًا من المثاليات. هذا ما جاء فى وثيقة رسمية سرية متبناة من قبل الوزارة والمجلس الوطنى للشئون الخارجية.
وفى سنة 1950 كتب نفس المسئول وثيقة أخرى عن دول أمريكا الجنوبية، قائلًا: «ما معناه إننا بدأنا مؤخرًا نسمع على لسان بعض مسئولى بعض دول أمريكا اللاتينية خزعبلات من مثل أن مسئولية حكوماتهم المباشرة هى توفير الخدمات الاجتماعية للشعوب. وهى خزعبلات شيوعية نرفضها ونحاربها، ذلك أن ما يوجد من مواد أولية فى تلك البلدان يجب أن يكون جزءًا منه لنا ولشركاتنا. ومن أجل ذلك يجب أن يكون الوجود الأمريكى فى تلك البلدان ضابطًا ومهيمنًا حتى لو اضطررنا للتصرف كشرطة تمنع مثل ذلك الفكر المرفوض».
ولم تكن تلك الأقوال أكثر من تقليد وتأكيد لمبدأ وضعته وزارة الخارجية الأمريكية قبل ثلاثين عام تحت مسمّى مبدأ مونرو الذى يجعل أمريكا الجنوبية بكاملها منطقة نفوذ أمريكية لا ينافسها فيها أحد على الإطلاق.
وفى تلك الوثائق قسّم جورج كنان العالم إلى مناطق مصلحية لأمريكا من مثل اعتبار منطقة الشرق الأوسط مصدرًا مهمًا من مصادر المواد الأولية وسوقًا للبضاعة الأمريكية. وأضاف لذلك دون خجل بأن أمريكا يجب أن تستغل ثروات تلك المنطقة لصالحها.
ومن أغرب ما تكرر فى الوثائق الإصرار على أن تقف أمريكا ضد ما تسميهم بالحركات الليبرالية الديمقراطية الشعبية المتطرفة، إذ أن هؤلاء سيقفون دومًا ضد هيمنة الشركات الأمريكية على تلك البلدان. وكانت التوصية البارزة تقول بأن بلدان العالم الثالث يجب أن تركز على التصنيع للتصدير وليس لتحسين معيشة السكان العاديين، وعلى الأخص الفقراء منهم. كان أحد الأهداف الرئيسية دومًا هو خدمة الرأسمالية الأمريكية والمساعدة، بالانقلابات والاغتيالات إن لزم الأمر، على ترسيخ نفوذ الشركات الأمريكية الكبرى عبر العالم كله. ولذلك ذكرت بعض الوثائق ضرورة محاربة الانتقال لأى نظام ديموقراطى فى العالم الثالث إذا لم يكن تحت السيطرة الأمريكية، الناعمة والخشنة إن لزم الأمر. لم تكن شعارات أمريكا بأنها ناشرة ومساندة للديمقراطية فى العالم إلا إدعاءات مشروطة بألف عقبة وعقبة وتحت راية ألف خائن لآمال شعبه وتطلعاته الديموقراطية المشروعة. وما جرى لبلدان جنوب أمريكا اللاتينية من مؤامرات لوئد الديمقراطية أصبحت قصصًا معروفة.
لم يكن الهدف الأمريكى الأساسى حسب الوثائق هو دمقرطة العالم بل كان نشر الاستقرار الملائم للمصالح الأمريكية الاقتصادية والأمنية والسياسية على الأخص.
قد تكون هناك أسرار أخرى فى وثائق جديدة. ذلك لا نعرفه، لأن قسمًا كبيرًا منها لا تزال غير مسموح بنشرها أو معرفة ما فيها.
جئنا بكل ذلك لنطرح السؤال الآتى: هل أن مثل هكذا وثائق كتبت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية والمجلس الوطنى للعلاقات الخارجية تناسب ما وصل العرب إليه من إقحام أمريكا فى كل شئونهم وقضاياهم، اعتقادًا منهم بأنها ستكون دولة محايدة وراغبة فى مساعدة الشعوب العربية؟
يا شباب وشابات العرب ادرسوا هذا التاريخ بتمعّن واحكموا بأنفسكم على الأكاذيب التى تسمعونها يوميًا.
مفكر عربى من البحرين