الذكاء الاصطناعى والتعليم.. هل تُقيس الامتحانات الذكاء الحقيقى؟ - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 يوليه 2026 1:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

الذكاء الاصطناعى والتعليم.. هل تُقيس الامتحانات الذكاء الحقيقى؟

نشر فى : الإثنين 20 يوليه 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الإثنين 20 يوليه 2026 - 6:20 م

ربما لم يعد السؤال الحقيقى فى التعليم اليوم: «كم يعرف الطالب؟» بل «كيف يفكر عندما لا يعرف الجواب؟». فالعالم النفسى Jean Piaget عرّف الذكاء يومًا بأنه «ما يستخدمه الإنسان عندما لا يعرف ماذا يفعل»، بينما ربط Albert Einstein الذكاء بالخيال لا بمجرد المعرفة. ومع ذلك، ما تزال نسبة واسعة من الامتحانات تقيس قدرة الطالب على استرجاع ما حفظه، لا قدرته على التفكير فى المجهول.


اليوم، ومع صعود الذكاء الاصطناعى، لم يعد هذا السؤال فلسفيًا فقط، بل أصبح أزمة تربوية عالمية. ففى عام 2023، بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعى تحقق نتائج مرتفعة فى اختبارات أكاديمية ومهنية مثل SAT وGMAT، إضافة إلى اختبارات فى الطب والقانون وإدارة الأعمال. هنا ظهر السؤال الأخطر: إذا كانت الآلة قادرة على اجتياز امتحانات صُمّمت أصلًا لقياس الذكاء البشرى، فهل المشكلة فى الذكاء الاصطناعى.. أم فى طبيعة الامتحانات نفسها؟


فى الأدبيات التربوية الحديثة، لا يُختزل الذكاء بالحفظ. الباحث Robert Sternberg ربطه بالقدرة على التكيّف وحل المشكلات واتخاذ القرار، بينما رأى Howard Gardner أن الذكاء منظومة تشمل التحليل والإبداع والتواصل والفهم الاجتماعى. لكن عند النظر إلى عدد كبير من الامتحانات الرسمية والجامعية، تظهر فجوة واضحة بين هذا التعريف وبين ما يتم قياسه فعليًا داخل قاعات الامتحان.


فى الرياضيات والعلوم، تعتمد الأطر الحديثة للتقييم على مستويات عمق المعرفة Webb's Depth of Knowlege التى تقيس الإنتقال من التذكر إلى التطبيق، ثم التحليل والاستدلال والتفكير الممتد. أما فى اللغة الإنجليزية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، فتقوم الأبعاد الثلاثية لتصنيف بلوم على قياس الفهم والتحليل والتقييم والإبداع، لا مجرد الاسترجاع. لكن التطبيق العملى فى عدد من الأنظمة التعليمية ما يزال يركّز على الأنماط المتوقعة والإجابات النموذجية، بحيث يصبح النجاح مرتبطًا بإتقان «صيغة السؤال» أكثر من امتلاك التفكير العميق.


فى لبنان، تبدو هذه الأزمة أكثر وضوحًا. ففى دراسة للدكتورة Sanaa Shehayeb حول الامتحانات الرسمية اللبنانية فى الرياضيات، أظهرت النتائج أن أسئلة التفكير العليا شكّلت حوالى 30% فقط من الامتحان، بينما غابت بصورة شبه كاملة المستويات الأكثر تعقيدًا المرتبطة بالإبداع والتفكير العميق وفق تصنيفات Porter وBloom. هذه النتيجة لا تكشف فقط طبيعة الامتحانات، بل تكشف أيضًا طبيعة العقل الذى ما زالت بعض الأنظمة التعليمية تحاول إنتاجه.


وخلال السنوات الأخيرة، جلس آلاف الطلاب اللبنانيين يحفظون الإجابات المتوقعة على ضوء الشموع أو شاشات الهواتف وسط الانهيار الاقتصادى والحرب والانقطاع المستمر للكهرباء، بينما كانت المدارس والجامعات تقيس قدرتهم على استرجاع المعلومات تحت الضغط. اليوم، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعى إنتاج هذه الإجابات نفسها خلال ثوانٍ. والمفارقة المؤلمة أن جيلًا كاملًا دُرّب لسنوات على التفوق فى مهارات أصبحت الآلة نفسها أكثر كفاءة فيها.


فى المقابل، تحاول اختبارات دولية مثل PISA وTIMSS وPIRLS الانتقال من قياس الحفظ إلى قياس التفكير. فاختبار PISA، الذى تشرف عليه OECD، لا يسأل الطالب فقط إن كان يعرف القانون الرياضى، بل إن كان قادرًا على استخدامه فى موقف جديد وغير مألوف. أما TIMSS، فيركّز على المعرفة والتطبيق والاستدلال، بينما يقيس PIRLS قدرة الطالب على تفسير الأفكار وتحليل المعنى وبناء الاستنتاجات.


لكن حتى هذه الاختبارات بدأت تواجه تحديًا جديدًا مع تطور الذكاء الاصطناعى. فقد أظهرت تحليلات حديثة أن ChatGPT حقق أداءً مرتفعًا فى عدد من مهام PISA خلال فترة قصيرة، ما أعاد طرح السؤال العالمى حول طبيعة الذكاء الذى تقيسه الامتحانات أصلًا.
فى زمن الذكاء الاصطناعى، قد يصبح أخطر ما فى الامتحان أنه يقيس مهارات بدأت الآلة تتفوّق فيها على الإنسان.


لهذا، فإن مستقبل التقييم لن يكون قائمًا فقط على أوراق الامتحانات التقليدية، بل على أشكال أكثر عمقًا وإنسانية، مثل المناقشات الشفوية، وحلّ المشكلات العابرة للتخصصات، والتقييم القائم على المشاريع، وتحليل القضايا الواقعية، والقدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية فى مواقف معقدة. هذا التوجّه أصبح حاضرًا بقوة فى نقاشات OECD وUNESCO حول «التقييم الأصيل» الذى يقيس كيف يفكر الطالب ويتفاعل مع الواقع، لا فقط كيف يسترجع المعلومات داخل قاعة الامتحان.


الخطر الحقيقى ليس أن الذكاء الاصطناعى أصبح قادرًا على الإجابة.


الخطر أن بعض أنظمة التعليم ما زالت تبنى مستقبل الطلاب على مهارات بدأت تفقد قيمتها أمام الآلة، بينما العالم يعيد تعريف معنى الذكاء نفسه.

أنور كوثرانى
جريدة النهار العربى

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات