دولة فصل عنصرى - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 يوليه 2026 8:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل المونديال؟

دولة فصل عنصرى

نشر فى : الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:15 م

فى روايته ما قبل الأخيرة: «النفق» (صادرة عام 2018م)، تخلى الأديب، والمفكر الإسرائيلى، المعروف، أ.ب. يهوشواع (1936م-2022م)، عن فكرة حل الدولتين، التى ظل يتبناها ويدعو إلى تحقيقها فى كل كتاباته، بعد أن أدرك أن الدولة ثنائية القومية صارت خيارًا يفرض نفسه، بحكم المتغيرات على الأرض؛ وقد عبَّر عن هذا الرأى فى مقابلة أجرتها معه صحفية «يديعوت أحرونوت» فى 13 يوليو 2018م، قائلًا: «نحن فى قلب الدولة ثنائية القومية، شئنا أم أبينا».

أنجزت الباحثة الموهوبة، دكتورة مى حسام، أطروحة للدكتوراة حول الرواية، منذ ثلاثة أعوام، بقسم اللغة العبرية، بجامعة المنوفية، تحت إشراف الأستاذ الدكتور، محمد ضيف، وقد كان لى شرف المشاركة فى مناقشتها، ما يعنى أن أقسام اللغة العبرية بالجامعات المصرية تواكب كل جديد فيما يخص قضايا الأدب السياسى فى إسرائيل، وتؤدى دورًا محوريًا فى التعريف بالمتغيرات السياسية والفكرية التى تطرأ على المجتمع الإسرائيلى. ويبقى أن يلتفت المسئولون وواضعو السياسات إلى منجزات البحث العلمى بهذه الأقسام، وألا تبقى حبيسة المكتبات والعقول فقط.

• • •

من المتغيرات التى دفعت مفكرًا فى وزن أ.ب. يهوشواع، إلى هذا التحول، هيمنة اليمين الإسرائيلى على الحكم فى إسرائيل لأكثر من خمسة عقود بعد أن فاز حزب "الليكود"، اليمينى، بزعامة مناحيم بيجن، على حزب "العمل"، عام 1977م، وظل متربعًا على كرسى الحكم حتى الآن (باستثناء فترات متقطعة استرد فيها حزب "العمل" الحكم، وشكل حكومة برئاسة يتسحاق رابين 1992- 1996م، وحكومة برئاسة إيهود باراك 1999م - 2001م). انعكس استمرار حكم اليمين على مزاج معظم الإسرائيليين، الذين بات معظمهم يصنفون أنفسهم، سياسيًا، بأنهم على يمين الوسط، ويرون أن مغزى أن يكون المرء يمينيًا هو أن يعارض إقامة دولة فلسطينية، بحسب شموئيل روزنير.

هناك من يعارضون إقامتها لأسباب عملية، تتعلق بعدم قابلية الفكرة للتطبيق لأسباب أمنية من وجهة النظر الإسرائيلية. وهناك كثيرون يرون أن إقامة دولة فلسطينية يمثل تهديدًا وجوديًا لدولة إسرائيل، وهناك من يعارضها لأسباب أيديولوجية ماشيحانية، غيبية، تزعم أن "أرض إسرائيل" - فلسطين التاريخية ومناطق أخرى ببلدان مجاورة- ملك لـ "شعب إسرائيل" فقط. وهناك من يعارض إقامتها فى المرحلة الحالية لأن الوقت غير مناسب فى نظرهم، ولا يبدو أنه سيكون مناسبًا فى المستقبل المنظور. وهناك من يعارض إقامتها إلى الأبد. هكذا، بغض النظر عن أى شيء آخر، حتى لو وقع العالم العربى كله على اتفاقيات أفراهام.

• • •

المثير فى المسألة أن أغلبية كبيرة ممن يعارضون إقامة دولة فلسطينية يرون أن ذلك مطلب لا مساومة عليه، ولا يقبل الحلول الوسط. يلخص، روزنير، الأمر بقوله: "كل من لا يعارض إقامة دولة فلسطينية لا يمكن اعتباره يمينًا". من ناحية ثانية، يدعم اليمين التمدد، والتوسع فى الأرض والاستيطان فى كل بقعة ممكنة، والآن ومع احتلال ما يزيد على نصف قطاع غزة بعد الحرب الهمجية عليه (70% منه كما قال مجرم الحرب، نتنياهو مؤخرًا) انفتحت شهية اليمين الإسرائيلى على استيطان أجزاء منها، إذ يرى 36% ممن يصنفون أنفسهم من اليمين أن إسرائيل ستقيم فى غضون عامين إلى ثلاثة أعوام مستوطنات يهودية داخل قطاع غزة فى أماكن مجاورة للحدود الإسرائيلية، فيما ترى نسبة أخرى من اليمين (العُشر) أن إسرائيل ستقيم فى غضون عامين إلى ثلاثة أعوام مستوطنات يهودية داخل قطاع غزة، بما فى ذلك فى عُمق القطاع، ما يعنى أن هناك توافقًا لدى نسبة كبيرة من اليمين الإسرائيلى فيما يخص الاستيطان فيه.

تصدرت أجندة منع إقامة دولة فلسطينية جدول أعمال الحكومة اليمينية الحالية، برئاسة مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو، منذ أدائها اليمين الدستورية فى نوفمبر 2022م؛ إذ ألغت فى مارس 2023م، أى بعد نحو أربعة أشهر فقط من ممارستها لمهامها، ما عُرف بقانون «فك الارتباط» بغزة (قانون أقرته حكومة شارون عام 2005م، وقضى بتفكيك المستوطنات الإسرائيلية فى غزة - مستوطنات «جوش قاطيف»- فضلًا عن أربع مستوطنات فى شمال الضفة الغربية، وأقرَّت، فى الوقت نفسه، خططًا تقضى بإعادة تأهيل وشرعنة المستوطنات الأربع التى جرى تفكيكها فى شمال الضفة الغربية بموجب خطة «فك الارتباط»، المشار إليها سابقًا.

كان هذا الإلغاء أحد الشروط التى أصرَّ عليها حزب «الصهيونية الدينية» بزعامة، بتسلئيل سموتريتش، للدخول فى ائتلاف مع نتنياهو، إلى جانب إصراره على الحصول على منصب وزير بوزارة الحرب، إضافة إلى منصب وزير المالية أيضًا، وحصوله من نتنياهو، بشكل غير مسبوق، على صلاحيات تتعلق بمسائل تخطيط ومباشرة الاستيطان فى الضفة الغربية المحتلة. لم تكتف حكومة نتنياهو بذلك، بل رصدت نحو 19.8 مليار شيكل لبناء وتطوير المستوطنات فى الضفة الغربية، وصادقت على إقامة 103 مستوطنات جديدة فى نقاط استراتيجية بها، تقع فى عمق التجمعات السكانية للفلسطينيين، وتصعب مسألة التواصل فيما بينهم، وتصادر أراضيهم، أو تمنعهم من الوصول إليها، وتقطع أوصال الضفة الغربية، وتجعلهم تحت تهديد، ومضايقات مستمرة من جانب المستوطنين.

يصف، متان جولان، المصادقة على هذا الكم المهول من المستوطنات بأنه «حدث استراتيجى يغير خريطة الضفة الغربية»، فيما تصفه، حجيت عوفران، إحدى أفراد طاقم متابعة ملف المستوطنات بحركة «السلام الآن»، بأنه «ثورة فعلية»، مشيرة، من واقع متابعتها، إلى أن الضفة الغربية «لم تعد تبدو كما كانت عليه منذ ثلاث سنوات».

• • •

لكى نتخيل الفارق بين الجهد الذى تبذله الحكومة اليمينية الحالية وما بذلته الحكومات السابقة من جهد فى مجال الاستيطان، يكفى أن نشير إلى أن إسرائيل أقامت، منذ احتلالها الضفة الغربية عام 1967م حتى تشكيل الحكومة الحالية، 127 مستوطنة فى الضفة، لكن عددها تضاعف منذ مجىء هذه الحكومة، إلى جانب ترتيب أوضاع نحو 300 بؤرة من البؤر الاستيطانية غير القانونية، ما يعنى أن هناك نوايا مبيتة وجهدًا حثيثًا لمحو كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية، من خلال زرع الضفة الغربية المحتلة بالمستوطنات.

وقد ترتب على إقرار المصادقات الخاصة بإقامة هذا الكم المهول من المستوطنات، عودة الجيش الإسرائيلى إلى شمال الضفة الغربية، وتفكيك ثلاثة مخيمات للاجئين الفلسطينيين، هي: جنين، وطولكرم، ونور شمس، وطرد المقيمين فيها وتمركز الجيش الإسرائيلى بها، بل وإقامة قاعدة له على تلة تشرف على مخيم جنين، بحسب تقرير، نشره يردين ميخائيلى، ومتان جولان، ويانيف كوبوفيتس، فى «هآارتس».

فى هذا الصدد، تشير تقارير لمنظمة حقوق الإنسان، وللأونروا، ولمركز المراقبة التابع للأمم المتحدة إلى أن الجيش الإسرائيلى دمَّر وطرد كل سكان مخيم جنين، ودّمر 55% من منازل مخيم نور شمس، و37% من منازل مخيم طولكرم، وإلى أنه طرد أكثر من 32 ألف فلسطينى من منازلهم، وهو ما يُعد، بحسب الأونروا، الطرد القسرى الأكبر للاجئين الفلسطينيين فى الضفة الغربية منذ عام 1967م. يستهدف هذا التحول فى السياسات الإجهاز، بشكل نهائى، على ما يُسمّى بـ«حل الدولتين»، ومنع إقامة دولة فلسطينية، وإلغاء اتفاق أوسلو، وضم الضفة الغربية، وطرد الفلسطينيين منها، وهو ما عبَّر عنه بتسلئيل سموتريتش، فى أغسطس من العام الماضى، مع المصادقة على الخطة الاستيطانية، المسمَّاةE1، قائلًا: «على الحكومة القادمة أن تشجع هجرة الفلسطينيين من (يهودا والسامرة). لا حل آخر على المدى البعيد. نحن نفرض اليوم حقائق تاريخية على الأرض. لقد أُزيلت الدولة الفلسطينية من على الطاولة، ليس بالشعارات وإنما بالأفعال. كل مستوطنة، وكل حى، وكل وحدة سكنية هى مسمار آخر فى نعش هذه الفكرة الخطرة. نحن نتحدث عن خطوة مؤثرة تمحو قولًا وفعلًا وهم الدولتين».

تجسد السياسات الاستيطانية، المكثفة، للحكومة اليمينية، الحالية، وبشكل عملى، ما أطلق عليه سموتريتش «خطة الحسم والسيادة»، التى تستهدف خلق كنتونات فلسطينية منعزلة عن بعضها البعض فى الضفة الغربية المحتلة، وإهالة التراب على التطلعات القومية للفلسطينيين فى إقامة دولة مستقلة.

تصف، حجيت عوفران، تكثيف المستوطنات بهذا الشكل فى الضفة الغربية، مع السعى إلى القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية، بأنه إجراء دراماتيكى يحول بالفعل دون التوصل إلى مصالحة سياسية، لأنه سيتعذر تطوير كيان فلسطينى واقتصاد فلسطينى مع وجود المئات من المستوطنات التابعة لدولة أخرى بما فى ذلك الطرق من حولها.

من ناحية أخرى، تكرس هذه الخطة لنظام فصل عنصرى فى الضفة الغربية، يتمتع فيه أناس، هم المستوطنون، بالحقوق السياسية كافة، فيما يُحرم منها آخرون، هم الفلسطينيون، الذين سيُسمح لهم فقط، بحسب سموتريتش بـ«الحق فى التصويت فى انتخابات مجالس بلدية فى كنتوناتهم، التى سيديرونها، وليس فى برلمان سيادى»؛ وهو ما يُطلق عليه العالم أجمع، عن حق، بـ«الأبارتهايد».

من الصعب للغاية على الحكومة الحالية، إذا استمرت، أن تتراجع عن الخطوات التى اتخذتها فى الضفة الغربية، ولن تستطيع أى حكومة أخرى، أيضًا، أن تتراجع عنها، إذا لاحت فى الأفق فرصة سياسية مواتية، وستستمر إسرائيل، فى السنوات المقبلة، بغض النظر عن توجهات الحكومة القادمة، فى تكريس تورطها فى مستنقع الأبارتهايد الذى صنعته على عينيها.

 

أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

 

 

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات