«حلمى رفلة» بدون ماكياج - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 13 يونيو 2026 10:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

«حلمى رفلة» بدون ماكياج

نشر فى : السبت 13 يونيو 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : السبت 13 يونيو 2026 - 7:00 م

يثبت هذا الكتاب الممتع من جديد أن هناك الكثير الذى لم يُكتب عن تاريخ السينما المصرية وصنّاعها، مثلما يثبت أهمية البحث والتوثيق، والحاجة الملحّة لإنشاء «سينماتيك» تؤسسه الدولة، ونحفظ فيه الأفلام، وكل ما يتصل بها من وثائق وصور وديكورات وملابس، وكل تلك الكنوز التى تحتفظ بها عائلات صنّاع الأفلام.


الكتاب الصادر عن دار آفاق بعنوان «صانع النجوم حلمى رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج»، من تأليف الشاعر والناقد جرجس شكرى، والذى وثّق فيه، معتمدًا على أوراق ومذكرات ورسائل وكتابات المخرج والمنتج والسيناريست والماكيير حلمى رفلة، وقائع مسيرته الفنية الطويلة، بكل لحظات الصعود والانكسار، من زمن استديو مصر إلى سنوات عمل رفلة مديرًا فنيّا لإحدى شركات مؤسسة السينما، ثم عودته للإنتاج المستقل فى السبعينيات، حتى وفاته فى أبريل 1977.


لطالما أثارت شخصية رفلة فضولى بتنوع وغزارة نشاطها، وما زلتُ أحب أفلامًا كثيرة أخرجها، على رأسها اثنان من أكثر أفلام الأبيض والأسود إمتاعًا ومدعاة للبهجة؛ وهما: فيلم «المليونير» الذى خصصت له فصلًا مستقلًا فى كتابى «سينما مصر»، وفيلم «ليلة العيد».


ومن أفلامه، كمخرج أعمال معروفة لمحمد فوزى؛ مثل «فاطمة وماريكا وراشيل»، وفيلم فريد الأطرش «تعالى سلّم»، وهو منتج ومخرج أفلام عبد الحليم «ليالى الحب»، و«فتى أحلامى»، و«معبودة الجماهير».. وفيلما وردة: «ألمظ وعبده الحامولي»، و«صوت الحب»، وهناك أفلام كثيرة معروفة أنتجها وأخرجها غيره؛ مثل: «شارع الحب»، و«امرأة فى الطريق»، و«نهر الحب»، وكلها للمخرج عز الدين ذوالفقار.


فوزى سعد رفلة، وهذا اسمه الأصلى، المولود فى العام 1909، صاحب قصة كفاح مدهشة، حيث سافر ثلاث مرات إلى باريس لدراسة «الماكياج»، وعاد ليكون من رواد هذا الفن، فأصبح ماكيير الفرقة القومية (المسرح القومى)، والتقطه طلعت حرب ليضمه إلى فريق استديو مصر، بعد أن قرأ له مقالاته عن فن الماكياج، وصعد حلمى السلم من وظيفة عامل إلى أن صار منتجًا كبيرًا يتعامل مع كل النجوم والنجمات، ويكتشف بعضهم، ويقوم بأدوار مهمة فى مسيرتهم الفنية.


أتاحت أسرة رفلة لجرجس شكرى أوراقه ورسائله الخاصة، ورسائل النجوم إليه، من أم كلثوم وشادية وإسماعيل ياسين، إلى عمر الشريف، وسعاد حسنى، فأعاد قراءتها وتحليلها، ووضع كل وثيقة فى مكانها، ساردًا حياة رفلة الخاصة والعامة، ورابطًا أفلامه بمسيرة وتقلبات السينما المصرية، وبالتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للوطن نفسه، قبل وبعد العام 1952.


أحببت الرجل أكثر من خلال الكتاب، وبالذات وهو يشرح ظروفه عبر رسائل شكاوى لم تتوقف للمسئولين، لأنه أُجبر على عقود إذعان لبيع أفلام شركته لمؤسسة السينما، وتحت التلويح بتهديد تأميم الشركة أو فرض الحراسة عليها.


وأصل الحكاية أن رفلة أصبح لنحو عامين رئيسًا لإحدى شركات القطاع العام السينمائى، ولم يكن لائقًا أن تكون له شركة إنتاج خاصة، حتى لو كان يديرها ابنه «منير رفلة»، ومن هنا كانت عقود الإذعان وبيع أفلامه، ومن هنا أيضًا كانت محنة ديونه الضخمة، ثم اتهامات وجهت له بمحاباة النجوم فى تعاملهم مع مؤسسة السينما.


الحقيقة أن قبول رفلة أن يدير شركة قطاع عام سينمائى يبدو عجيبًا من الأصل، لأنه «الخطأ التراجيدى» القاتل الذى كاد يقضى عليه، وربما أورثته التجربة أيضًا أمراض القلب والضغط والسكر. لا أعرف بالضبط كيف حسب هذه الخطوة، فقد كان قبل العام 1963 من أنجح المنتجين والمخرجين، وكان ممن يطلقون عليهم «فنانى السينما»؛ أى متعددى الأدوار إنتاجًا وإخراجًا وكتابة واكتشافًا للنجوم.


يحكى فى «مذكراته» مثلًا عن تقديمه لشادية، بل هو، كما يقول، من أطلق عليها هذا الاسم، وهو أول من تحمّس لعبدالحليم حافظ عندما استمع إليه بتزكيةٍ من المحامى رشيد النحّال، وكان رفلة فى قلب الحياة الفنية والسينمائية عمومًا، وفى الكتاب رسائل طريفة من إسماعيل ياسين، يطلب فيها تدخل رفلة لحل مشكلة مع تحية كاريوكا، وللحصول على أجره من المنتج محمد فوزى.


اكتسب رفلة ثقة ومحبة زملائه، لدرجة أنهم كتبوا استرحامًا للإفراج عنه، عندما قُبض عليه وهو يزور تحية كاريوكا، المتهمة بالشيوعية، وكل ما فعله رفلة هو الحديث معها عبر نافذة بعيدة، لمعرفة ما تحتاجه فى محبسها.


قد تبدو واقعة القبض على رفلة فى العام 1953 طريفةً بل ومضحكة، خاصة إذا قرأتها بطريقة رفلة الممتعة فى مذكراته، وهو بالمناسبة كاتب وحكاء ممتاز وخفيف الظل، إلا أنها واقعة دالة جدًا، وعلى نحو مبكر، على تغيّر كامل لن يستطيع رفلة ترويضه، أو التعاون معه، رغم محاولاته لكى يجد مكانًا فى النظام الجديد، لكى يواصل عمله فى إنتاج وإخراج الأفلام.


أوراق رفلة جاءت أيضًا حافلة بكواليس علاقاته الحميمة أو المتوترة مع النجوم، بالإضافة إلى وقائع غريبة، فقد كتب مثلًا حكاية إنقاذه لحياة الممثل الشاب نور الدمرداش فى فيلم «المليونير»، حيث أصرَّ رفلة على اختبار مسدس سيطلق على نور فى الفيلم، وكانت المفاجأة أن المسدس ممتلئ برصاص حقيقى، بسبب غفلة عامل الإكسسوار.


ظروف إنتاج فيلم «معبودة الجماهير» الذى أنتج فى خمس سنوات، حافلة أيضًا بالمفارقات، إذ يتحدث رفلة، رغم حبه لعبدالحليم، عن محاولات تمارض المطرب الكبير، وتعطيل الفيلم، بعد أن أقنعه البعض أن الفيلم هو حكاية المطربة سهير، وليس حكاية الشاب إبراهيم، أى إنه فيلم «معبودة الجماهير»، وليس «معبود الجماهير»!


المدهش أن حلمى رفلة لم يستطع أن يتوقف أبدًا عن العمل، رغم تفكيره فى الاعتزال عام 1971، وجاءت وفاته فى فرنسا، وهو يجهّز لفيلم جديد عن كتاب «الحكيم بخيلًا» لكمال الملاخ، وكانت لديه مشروعات أفلام كثيرة سينتجها لعبدالحليم، منها فيلم بعنوان «القاهرة 63» إخراج يوسف شاهين، وفيلم بعنوان «التلميذ» إخراج على رضا.


كان أحد صناع السينما العصاميين الذين تصلح حياتهم نفسها للسينما.

 

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات