احتفالات الإسرائيليين فى الشوارع وشماتتهم على منصات التواصل الاجتماعى فى هزيمة منتخب مصر أمام نظيره الأرجنتينى بالمونديال، تؤشر إلى أن مواقف وتصريحات حسام حسن، المدير الفنى للمنتخب قد «أوجعتهم» تماما، ليس فقط لدعمها ومساندتها لقضية الشعب الفلسطينى العادلة، ولكن لأنها منحت أبناءه القاطنين فى خيم النزوح بقطاع غزة قدرا من الأمل والفرحة يخفف عنهم ظروف الحياة غير الإنسانية التى يعيشونها.
سعادة الإسرائيليين بهزيمة المنتخب المصرى تبدو مفهومة وواضحة ولا تحتاج إلى تفسير أو شرح، لكن من غير المفهوم أو حتى المقبول أن يرى البعض من أبناء جلدتنا سواء فى مصر أو فى بعض الأقطار العربية، أنه ما كان يجب على حسام حسن جر السياسة إلى ساحات الرياضة برفعه علم فلسطين فى المونديال والتعبير عن تضامنه ودعمه لحقوق الشعب الفلسطينى، وادعاءهم بأن ما قام به ليس أكثر من «مواقف شعبوية تثير ضجة وتدعم (التريند) ليس أكثر».
للأسف.. من يتبنون هذا الرأى جانبهم الصواب وأصابهم العمى وسيطر عليهم الانبطاح والشعور بالدونية والعجز عن رؤية الحقائق الساطعة سطوع الشمس.. فحسام حسن لم يجر السياسة إلى الملاعب، بل كانت السياسة حاضرة وبقوة فى هذا المونديال سواء قبل أن يبدأ أو حتى بعد انطلاق صافرته.
ففى البداية منعت الولايات المتحدة حكما صوماليا من دخول أراضيها بحجة «المخاوف الأمنية»، كما رفضت كذلك إقامة المنتخب الإيرانى على أراضيها خلال مشاركته فى البطولة وألزمته بالمغادرة الفورية عقب انتهاء مبارياته مما اضطره إلى نقل معسكر إقامته إلى المكسيك وهو ما شكّل له إرهاقا كبيرا وأثر على أداء لاعبيه، وأيضا ذلك التدخل الفج من قبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لدى رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» جيانى إنفانتينو، لرفع الإيقاف عن لاعب المنتخب الأمريكى فولارين بالوجون، الموقوف بالبطاقة الحمراء، كى يتمكن من خوض مباراة الولايات المتحدة وبلجيكا فى دور الـ 16 لكأس العالم، وهو ما تم بالفعل!
هذه الأحداث جميعا عبارة عن إقحام للسياسة فى المونديال، وبالتالى لم يفعل مدرب «الفراعنة» جديدا عندما تحدث عن مأساة شعب عربى شقيق يرزح تحت الاحتلال البغيض ويتعرض للإبادة الجماعية والتهجير على مرأى ومسمع من العالم كله.
فحسام حسن بكلماته البسيطة العفوية، استطاع لفت الانتباه العالمى لهذه المأساة والمعاناة والظلم الذى يتعرض له الفلسطينيون، حيث قال عشية المباراة مع الأرجنتين: «إذا وُجد إنسان فى هذا العالم لا يشعر بمعاناة الشعب الفلسطينى، فهو فقد جانبا أساسيا من إنسانيته، مهما كانت جنسيته أو دينه أو انتماؤه، وسواء كان عربيا أو أوروبيا أو أمريكيا أو من أى مكان فى العالم».
ربما لم تكن هذه الكلمات ببلاغة الخطابات السياسية المنمقة التى اعتدنا سماعها منذ عقود، لكنها أصابت السردية الإسرائيلية فى مقتل، وفضحت جانبا من جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطينى الذى يعانى منذ عقود فى الداخل وفى الشتات، وبالتالى كان لابد من منع المدير الفنى لمنتخب مصر من مواصلة استخدام المنصة المونديالية لدعم الفلسطينيين بأى شكل من الأشكال حتى لو كان ذلك عن طريق «سرقة» مباراته مع المنتخب الأرجنتينى عن طريق التحكيم غير النزيه، كما أقر بذلك نجوم وأساطير اللعبة فى العالم.
فالبرتغالى جوزيه مورينيو، مدرب فريق ريال مدريد وصف ما حدث فى المباراة بأنه «سرقة فى وضح النهار»، فيما قال أسطورة المنتخب الإنجليزى آلان شيرار إن ما حدث لا يخدم العدالة الرياضية، مشيرا إلى أن «مباراة مصر والأرجنتين مسرحية، وإذا كان فيفا يريد إهداء لقب كأس العالم لميسى فليمنحها له وليذهب باقى اللاعبين إلى منازلهم»، كذلك قال أسطورة مانشستر يونايتد بول سكولز، إن المباراة واحدة من أسوأ الإدارات التحكيمية التى شاهدتها، مؤكدا أنها «أكبر سرقة كروية رأيتها».
كانت العدالة غائبة بالفعل فى المونديال، لكننا لا يجب أن نبكى على اللبن المسكوب طويلا، بل علينا البناء من الآن على هذه التجربة وهذا الإنجاز التاريخى الذى حققه المنتخب المصرى، ونصحح الأخطاء الفنية التى وقعنا فيها خلال اللقاء مع الأرجنتين وأدت مع الأخطاء التحكيمية الكثيرة إلى خسارتنا المباراة ومغادرة البطولة، حتى نجبر الآخرين على احترامنا وعدم التدخل لسرقة حلمنا المشروع فى المونديال، مهما كانت الظروف والملابسات والمؤامرات من جانب قوى الفساد والمراهنات المتحكمة فى قرارات وتوجهات «الفيفا».