عندما يتحول الروائى إلى مفتش كولومبو.. فيليب جانادا الفائز بجائزة جونكور - رشا عدلي - بوابة الشروق
الجمعة 6 نوفمبر 2026 9:46 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

عندما يتحول الروائى إلى مفتش كولومبو.. فيليب جانادا الفائز بجائزة جونكور

نشر فى : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:45 م

هناك شخصيات تاريخية لا تنتهى علاقتنا بها بانتهاء البحث. نظل نفكر فيها، ونتساءل عن تفاصيل حياتها التى لم تصل إلينا، وعن الكلمات التى لم تتح لها فرصة قولها، وعن الأحكام التى التصقت بها من دون أن يسأل أحد عن الظروف التى صنعت مصيرها.


عرفت هذا الشعور جيدًا خلال بحثى عن زينب البكرى، لم تكن زينب بالنسبة إلى مجرد فتاة ارتبط اسمها بنابليون، بل إنسانة أردت أن أقترب من حياتها، وأن أفهمها بعيدًا عن الروايات الجاهزة والأحكام القاسية التى لاحقتها، ولهذا وجدت نفسى قريبة من الشعور الذى يتحدث عنه الروائى الفرنسى فيليب جانادا تجاه بطلة روايته الأخيرة «مجهولة رصيف جافيل» (L’Inconnue du quai de Javel)، الفائزة بجائزة جونكور لعام 2026.


جانادا، المولود عام 1964، روائى وصحفى فرنسى اشتهر برواياته التى تمزج بين التحقيق الوثائقى والسرد الأدبى، ويعود فيها إلى قضايا جنائية قديمة ليستعيد حياة أشخاص غابت حكاياتهم خلف الزمن، وقد تُوّج بجائزة جونكور فى 3 نوفمبر 2026 عن روايته الصادرة عن دار فلاماريون.


«طبق بلانكيت! هذا ما أود تناوله على الغداء اليوم».


بهذه الجملة يبدأ جانادا روايته، والبلانكيت هو طبق فرنسى تقليدى من اللحم المطهو فى صلصة بيضاء، وكان من الأطباق المفضلة لدى المفتش ميجريه، بطل روايات جورج سيمنون. ومن هذه الإشارة يستدعى جانادا عالم التحقيق، قبل أن يأخذنا إلى حكاية شابة عُثر على جثتها فى باريس عام 1949، على ضفاف نهر السين.


كانت تدعى لويز كانسو، وعُرفت فى الوسط الفنى باسم ليز، جاءت من بلدة تريجيه فى بريتانى إلى باريس وهى فى السادسة عشرة، وأصبحت واحدة من أشهر موديلات الرسم فى محترفات مونبارناس، حتى أطلق عليها لقب «فتاة المئة بورتريه». رسمها عدد من مشاهير هذه الحقبة من الفنانين، من بينهم شارل ألكسندر بيكار ليدو.


لكن الحرب قلبت حياتها فغادر كثير من الرسامين باريس وبذلك توقف العمل الذى كانت تعيش منه وعانت الفقر ونقص الطعام وفقدت كثيرا من وزنها وعندما عاد الرسامون بعد الحرب، أخبروها بأنها أصبحت نحيفة أكثر من اللازم ولا تصلح للعمل كموديل. ووجدت نفسها فى مواجهة حياة أكثر قسوة.


هذه هى المرأة التى أراد جانادا أن يعرفها ويبحث عن حقيقتها، بدأ اهتمامه بها من صورة وخبر قديم فى مجلة «ديتيكتيف»، ثم راح يتتبع الصحف ومحاضر الشرطة والوثائق والشهادات، محاولًا أن يفهم من كانت لويز، وكيف وصلت إلى تلك النهاية.


تأثر جانادا بكولومبو، بطل المسلسل التليفزيونى الشهير وأيضًا بالمفتش ميجريه الذى استلهم طريقته فى الاقتراب من الضحية قبل البحث عن القاتل وكان يستعيد عبارته الشهيرة «سأعرف القاتل عندما أعرف الضحية جيدًا».


ولم يكتفِ جانادا بالأرشيف، بل سافر إلى تريجيه، مسقط رأس لويز، وزار الأماكن التى ارتبطت بطفولتها، تخيلها هناك فتاة فى العاشرة أو الثانية عشرة، قبل أن تغادر قريتها إلى باريس.


لم يكن يعرف كيف كانت تتحدث أو ماذا كانت تفكر، لكنه حاول أن يقترب منها من خلال المكان الذى عاشت فيه، وأن يستعيد الفتاة التى سبقت الصورة الصحفية والملف الجنائى.


حتى اختياره اسم لويز بدلًا من ليز يحمل دلالة شخصية، فهو يشعر بمودة أكبر تجاه اسمها الأول، ويريد أن يراها بعيدًا عن الاسم الفنى الذى ارتبط بحياتها فى الوسط الفنى وبسنواتها الأخيرة، كأنه يحاول أن يعيد إليها هويتها الأولى، وأن يتعرف إلى الإنسانة قبل أن تتحول إلى موضوع للصحافة والتحقيق.


وفى حديثه عن الرواية، يعترف جانادا بأنه يفكر فى لويز كل يوم، وأن شخصياته لا تغادره بمجرد أن ينتهى من الكتابة عنها. لكنه يقول أيضًا إنه لا يعرف لويز الحقيقية معرفة كاملة، وإنه تخيل بعض صفاتها وربما مال إلى رسمها بصورة مثالية، خصوصًا بعدما قرأ ما كتبته الصحافة عنها من أحكام قاسية، لقد شعر بأن عليه أن يوازن بين تلك الصورة الجارحة وبين امرأة لم يعد فى وسعها الدفاع عن نفسها.


وهنا توقفت طويلًا أمام ما يفعله جانادا، فالأمر لا يتعلق فقط بكشف ملابسات جريمة قديمة، وإنما بمحاولة تصحيح صورة امرأة حكم عليها الآخرون من دون أن يمنحوها فرصة للحديث. الصحافة رأت حياتها من خلال نظرة أخلاقية جامدة، ولم تسأل كثيرًا عن الظروف التى أحاطت بها، أو عن فتاة جاءت وحدها إلى باريس، وعملت لتعيش وتكفلت بطفلة فى زمن الحرب والفقر، كان الحكم عليها أسهل من محاولة فهمها.


أما جانادا، فقد وصل فى نهاية بحثه إلى شخص يعتقد أنه المسئول عن مقتلها، لكنه يميز بين قناعته ككاتب وبين الدليل الذى يمكن أن يدين إنسانا أمام القضاء، وهو لا يقدم استنتاجه باعتباره حكمًا قضائيًا بل يعرض مسار بحثه والقرائن التى قادته إليه، ومع ذلك يؤكد أن هدفه ليس حل الجرائم بقدر ما هو كتابة الكتب؛ فالتحقيق بالنسبة إليه ليس سوى الهيكل الذى يحمل حكاية إنسانية أوسع.


ولعل هذا ما جعلنى أفكر فى باتريك موديانو وروايته «دورا بروديه». فقد بدأ موديانو من إعلان قديم نشره والدا دورًا فى صحيفة «باريس سوار» عام 1941، يبحثان فيه عن ابنتهما ذات الخمسة عشر عامًا، ظل الإعلان عالقًا فى ذهنه، فراح يتتبع أثر الفتاة فى السجلات والعناوين القديمة وشوارع باريس، محاولًا أن يستعيد شيئًا من حياتها قبل اختفائها. لم يكن يبحث عن مصيرها وحده، بل عن الفتاة التى عاشت ومشت فى تلك الشوارع، وعن تفاصيل حياة كادت تختفى تمامًا، وهكذا تحولت الرواية إلى محاولة لإنقاذ إنسانة من النسيان.


ثمة خيط يربط بين لويز ودورا وزينب، وهو أن حكاياتهن لم تُرو من داخلهن، بل تشكلت فى معظمها من خلال أحكام الآخرين ونظرتهم إلى حياتهن. لويز حُكم عليها من خلال الصورة التى رسمتها لها الصحافة، ودورا كادت تختفى خلف سجلات الاحتلال والترحيل، أما زينب البكرى فقد واجهت أحكامًا قاسية وصلت إلى المطالبة بقطع رأسها، لأنها ارتبطت بنابليون. وما زلت أتوقف عند قسوة هذا الحكم، وعند غياب السؤال الأهم: ما الظروف التى قادتها إلى تلك العلاقة.. وكيف كانت ترى هى حياتها، بعيدًا عن الصورة التى رسمها لها خصومها؟


فى بحثى عن زينب، لم يكن هدفى أن أبرئها أو أدينها، وإنما أن أفهمها. كنت أريد أن أخرجها من الحكاية الجاهزة التى اختزلتها فى علاقتها بنابليون، وأن أبحث عن المرأة التى كانت موجودة قبل تلك العلاقة وخارجها. فليس من العدل أن نختزل حياة كاملة فى واقعة واحدة، أو أن نحاكم إنسانا من دون أن نحاول فهم الزمن الذى عاش فيه، والخيارات التى كانت متاحة أمامه، والضغوط التى أحاطت به.


وربما لهذا السبب شعرت بقرب شديد من جانادا وموديانو. فهناك لحظة فى البحث تتجاوز فيها الوثيقة كونها مصدرًا للمعلومة، وتصبح صلة بشخص غائب. تجد نفسك تفكر فيه، وتتساءل عما كان سيقوله لو أتيحت له فرصة الكلام، وتدرك أن ما ينقص الحكاية ليس معلومة أخرى فحسب، بل إنسانًا لم نسمع صوته.


وهنا يبرز السؤال مهم هل هذا أحد أدوار الروائى؟ أعتقد أن الإجابة نعم، فأن يعود الكاتب إلى قصة قديمة، وينفض الغبار عن وثائقها، ويعيد النظر فى شخصياتها، ليس بدافع تغيير ما حدث بقدر أن يمنح من عاشوا تلك الأحداث فرصة أخرى بأن يُروا خارج الأحكام التى التصقت بهم.


قد لا نستطيع استعادة حياة لويز أو دورا أو زينب، ولا يمكن للكتب أن تغير ما حدث لهن، لكنها تستطيع أن تغير الطريقة التى نتذكرهن بها. ومع كل قراءة، تعود هذه النساء من هامش الحكاية لا كمتهمات أو ضحايا مجهولات لكن بشرًا كانت لهن أحلام ومخاوف واختيارات وحياة كاملة، وربما يكون هذا هو الإنصاف الذى يستطيع الأدب أن يقدمه، ولو بعد فوات الأوان.

رشا عدلي كاتبة وروائية مصرية
التعليقات