السفير رياض العكبري يكتب: لماذا لا يزال العالم بحاجة إلى مانديلا؟ - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 يوليه 2026 11:58 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

السفير رياض العكبري يكتب: لماذا لا يزال العالم بحاجة إلى مانديلا؟


نشر في: الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 9:23 م | آخر تحديث: الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 9:23 م

في الثامن عشر من يوليو من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي لنيلسون مانديلا، مستعيدًا سيرة قائدٍ تحوّل من سجين سياسي أمضى سبعة وعشرين عامًا خلف قضبان نظام الفصل العنصري، إلى أول رئيس منتخب ديمقراطيًا لجنوب أفريقيا لما بعد الفصل العنصري، ومن رمز للمقاومة إلى أحد أبرز دعاة المصالحة والسلام في العصر الحديث.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه المناسبة لا تكمن في استعادة ماضي مانديلا وحسب، بل في مساءلة الحاضر في ضوء المبادئ التي ناضل من أجلها ماديبا. ففي يوم السبت الماضي انضمّ العالم العربي إلى المجتمع الدولي في الاحتفال باليوم الدولي لنيلسون مانديلا، الذي أعلنت عنه الجمعية العامة للأمم المتحدة رسميًا عام 2009.

إن نيلسون روليهلا مانديلا هو واحد من أكثر الأفراد استثنائية في التاريخ. إذ لا يملك العديد من الهويات والأدوار: ابن كيب الشرقية؛ مواطن جنوب أفريقي؛ سليل عائلة كبيرة؛ أطول سجين سياسي في جزيرة روبن وفي سجون الفصل العنصري الأخرى؛ الرئيس السابق لجنوب أفريقيا؛ رجل دولة دولي؛ وأبرز رمز للتفاني من أجل تحرير الإنسان في العالم.

وقد أعاد الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، في رسالته بمناسبة يوم مانديلا لعام 2026، التي بثها لمواطنيه يوم الأربعاء 15 يوليو الجاري، التذكير بأن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة احتفالية أو طقس رمزي، بل يوم عالمي للعمل في مواجهة الفقر وعدم المساواة والظلم. ودعا رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، المواطنين إلى استثمار اليوم الدولي لنيلسون مانديلا لإعادة تركيز الجهود الوطنية على التصدي للفقر وعدم المساواة المتجذرين في المجتمع. ودعا المواطنين إلى تخصيص سبعٍ وستين دقيقة من وقتهم لخدمة مجتمعاتهم، رمزًا للسنوات التي كرسها مانديلا للنضال والعمل العام. لقد اختارت الأمم المتحدة يوم ميلاد مانديلا ليكون يومًا عالميًا للعمل، لا للاحتفال.

واستعاد رامافوزا المقولة التي أصبحت إحدى ركائز فلسفة مانديلا الاجتماعية: «القضاء على الفقر ليس عملًا خيريًا، بل هو عمل من أعمال العدالة». بل إن مانديلا ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: «الفقر ليس أمرًا طبيعيًا، إنه من صنع الإنسان، ولذلك يستطيع الإنسان أن يقضي عليه».

لقد نجحت جنوب أفريقيا في تفكيك البنية القانونية لنظام الفصل العنصري، وبناء دولة دستورية تقوم على المواطنة وحقوق الإنسان وسيادة القانون. غير أن البلاد لا تزال تعاني من مستويات مرتفعة من الفقر والبطالة وعدم المساواة، فيما لا تزال فرص التعليم والصحة والعمل مرتبطة، في كثير من الأحيان، بتركة الماضي.

وتظهر أزمة التعليم بوضوح أن إرث مانديلا لا يزال مشروعًا غير مكتمل. فقد نظر مانديلا إلى التعليم بوصفه أساسًا للديمقراطية وبناء الأمة، لكن النظام التعليمي في جنوب أفريقيا لا يزال يعكس واقعًا دون الطموح. وتبرز مركزية التعليم في مشروع مانديلا في عبارته الشهيرة: «التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم». ولم يكن يقصد تعليمًا يحوّل الإنسان إلى مجرد أداة في سوق العمل، بل تعليمًا يحرره من الخوف والجهل والتعصب، ويمنحه القدرة على المشاركة في بناء وطن ديمقراطي.

ويكمن جوهر رسالة مانديلا في أن التعددية الثقافية والاجتماعية توفر مسرحًا للحوار، وأدوات بناء توافق الآراء، وآليات محاسبة من يمثلون الشعب في سياق عملية تاريخية لبناء مجتمع أكثر عدلًا وديمقراطية وإنصافًا. واليوم، وبعد ثلاثة عقود على انتهاء نظام الفصل العنصري، تواجه الدول العربية والأفريقية تحديات متشابهة: من النزاعات الممتدة والمركبة، وضغوط التنمية، وأزمات المياه والغذاء، والبطالة، والهجرة، وصولًا إلى تحديات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وهذه التحديات تجعل من استحضار إرث مانديلا فرصة لإعادة تعريف العلاقات العربية–الأفريقية باعتبارها شراكة استراتيجية قائمة على بناء الإنسان.

ومن هنا، فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، والاقتصاد الأخضر، والطاقة المتجددة، والابتكار، وتمكين الشباب والمرأة، والتبادل الثقافي، مهمة مشتركة جوهرية توجب أن تشكل أساس المرحلة المقبلة من التعاون العربي–الأفريقي. فهذه المجالات هي الامتداد الطبيعي للفلسفة التي دافع عنها مانديلا طوال حياته، والتي ترى أن التنمية المستدامة تبدأ من تمكين الإنسان وإطلاق طاقاته، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل ببناء مجتمعات عادلة، واقتصادات منتجة، ومؤسسات حكم تحظى بثقة مواطنيها.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، وصعود دور الجنوب العالمي، وازدياد وزن أفريقيا والدول العربية في الاقتصاد والسياسة العالميين. ففي عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، يصبح التعاون بين الفضائين الجارين، العربي والأفريقي، ليس خيارًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز مساهمتهما في صياغة نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة وتمثيلًا.

ولا يمكن اختزال إرث نيلسون مانديلا في تجربته الوطنية داخل جنوب أفريقيا؛ إذ إن قراءةً أعمق لتاريخه تكشف أن مشروعه السياسي والفكري كان جزءًا من حركة تحرر عالمية آمنت بأن الحرية لا تتجزأ، وأن كرامة الإنسان لا تعرف حدودًا جغرافية أو عرقية. وفي هذا السياق، احتلت العلاقات مع العالم العربي مكانة مهمة في مسيرته السياسية، سواء من خلال الدعم الذي قدمته دول عربية عديدة للمؤتمر الوطني الأفريقي خلال سنوات الكفاح ضد نظام الفصل العنصري، أو من خلال المواقف المبدئية التي تبناها مانديلا تجاه قضايا التحرر والعدالة في البلاد العربية.

وفي هذا المسار، فإن إرث مانديلا في المصالحة يحتاج إلى قراءة بعيدة عن التبسيط. فالمصالحة التي قادها لم تكن دعوة إلى نسيان الظلم أو الإفلات من المساءلة، بل كانت محاولة لمنع البلاد من السقوط في حرب أهلية وانتقام متبادل. لقد أدرك مانديلا أن الانتقال من نظام عنصري إلى مجتمع ديمقراطي لا يمكن أن يتم عبر استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، بل عبر إنشاء فضاء سياسي يتسع للجميع، من دون التخلي عن مبدأ العدالة.

لقد أثبتت الحركة الدولية المناهضة للفصل العنصري أن التضامن العالمي قادر على عزل أنظمة الظلم. وهذا الدرس لا يزال حاضرًا اليوم، متمثلًا في إدانة الملايين حول العالم من المفكرين والكتاب والناس العاديين لجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها ولا يزال يرتكبها الكيان العنصري الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين، وهي في الوقت نفسه إدانة دولية جارفة وغير مسبوقة لعجز النظام الدولي عن حماية المدنيين الفلسطينيين، وتقاعسه عن تطبيق القانون ولجم سُعير عداونية اليمين المتطرف الإسرائيلي. وتقف فلسطين في قلب فلسفة مانديلا. فقد أعلن مانديلا بوضوح: «إن حريتنا تظل منقوصة ما لم ينل الشعب الفلسطيني حريته».

لم تكن فلسطين بالنسبة إليه قضية بعيدة، بل امتدادًا أخلاقيًا لنضال شعبه ضد القهر والتمييز. وقياسًا على ذلك، فإن فلسطين اليوم تعد اختبارًا لصدقية النظام الدولي بأسره. فما قيمة الحديث والوعظ عن حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة والحرية إذا عجز العالم عن حماية المدنيين الفلسطينيين؟ وصمتت الدول الفاعلة في العالم أمام جرائم الاحتلال والتهجير والعقاب الجماعي؟

لقد أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن التضامن الدولي، حين يتحول من تعاطف عابر إلى مقاطعة وضغط سياسي وأخلاقي وفقًا للقانون الدولي، قادر على عزل قوى الاحتلال والعنصرية، وتغيير مسار التاريخ. وهذا هو الدرس الذي يحتاج إليه الشعب الفلسطيني: تضامن لا يكتفي بالبيانات، بل يتحول إلى موقف قوي ومستمر.

وفي عالم يفتقر إلى الثقة المتبادلة، وفي وقت تسمّمت فيه العلاقات الدولية بالنزعات القومية المتعصبة والحروب والجشع، وفي لحظة يشهد فيها النظام الدولي تحولات عميقة: تتصاعد فيها المنافسة المنفلتة بين القوى الكبرى، وتتراجع التعددية الدولية، بينما يزداد حضور القوى الصاعدة والجنوب العالمي، وتتعاظم أهميتها في صياغة ملامح النظام الدولي الجديد. في مثل هذه اللحظات المفصلية، يصبح استحضار إرث مانديلا أكثر من مجرد وفاءٍ للتاريخ؛ إنه بحثٌ عن بوصلة أخلاقية تساعد العالم على مواجهة تحديات المستقبل بإتقان وحكمة.

إن الرسالة الجوهرية التي يقدمها مانديلا للأجيال الجديدة هي أن القيادة ليست امتيازًا، بل مسؤولية، وأن الحرية لا تنفصل عن العدالة، وأن السلام لا يستقيم من دون عدالة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ بالاستثمار في الإنسان.

* السفير رياض العكبري: رئيس بعثة جامعة الدول العربية في بريتوريا – جنوب أفريقيا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك