في شمال غزة، تحولت محاولة لإنقاذ مصاب إلى مأساة جديدة، بعدما استشهد طفل ومسعف في واقعة قال خبراء أسلحة إن تفاصيلها تتوافق مع تكتيك يُعرف بـ«الضربة المزدوجة»، الذي يعتمد على توجيه ضربة ثانية إلى موقع الاستهداف بعد تجمع المنقذين أو المارة.
وكان محمد عبد الزيناتي في طريق عودته من المدرسة، وسط أنقاض شارع صلاح خلف شمالي قطاع غزة، عندما توقف قرب متجر والتقى بعض أصدقائه.
وقبل الساعة 3:30 عصرًا بالتوقيت المحلي، سمع محمد وآخرون دوي انفجار قوي، فاتجهوا لاستطلاع ما حدث. وبعد انقشاع الغبار، ظهر رجل ملقى على الطريق الترابي وينزف بغزارة، بينما كان ينادي طلبًا للمساعدة.
اندفع محمد نحو المصاب، من دون أن ينتبه إلى صرخات ابن عمه الذي كان قد شاهد مسيّرة إسرائيلية في السماء.
وبحسب تسجيلات الهجوم التي تحققت منها صحيفة «الجارديان»، أطلقت المسيّرة قنبلة موجهة بدقة، انفجرت بالقرب من الشاب المصاب. وبعد لحظات، تعرض محمد لضربة ثانية أودت بحياته.
وتتبعت «الجارديان» تفاصيل الواقعة من خلال مراجعة تسجيلات الهجوم والاستماع إلى شهود وخبراء أسلحة، في محاولة لتحديد كيفية وقوع الضربة التي أودت بحياة الطفل.
•المصاب في الضربة الأولى
وقال الشاهد تامر لبد، الذي صوّر الحادثة، إنهم سمعوا دوي انفجار، ثم هرعوا إلى المكان، حيث وجدوا رجلًا جريحًا ينادي لإنقاذه.
وأوضح الدفاع المدني في غزة أن المصاب في الضربة الأولى هو المسعف شريف شادي لبد، فيما زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن لبد استُهدف باعتباره عنصرًا في حركة حماس.
وكان من بين الذين اقتربوا من موقع الإصابة محمد راجح الزيناتي، البالغ من العمر 26 عامًا، ابن عم الطفل.
وقال الزيناتي، في شهادته، إنه خرج مسرعًا من منزله بعدما سمع الانفجار، ورأى ابن عمه يركض نحو موقع الضربة، فبدأ في الصراخ مطالبًا إياه بالانتظار، لكنه واصل طريقه.
وأضاف أنه لمح بعد ذلك طائرة مسيّرة إسرائيلية، فصرخ في ابن عمه ليبتعد، لكنه كان قد وصل بالفعل إلى المصاب، وفي تلك اللحظة تعرض لضربة من المسيّرة.
وأوضح: «تلقى الضربة في الصدر والبطن ومات فورًا، ولم أتمكن من إنقاذه».
وأظهرت مقاطع مصورة لاحقة جثمان محمد مغطى بكفن أبيض أمام مستشفى الشفاء، بينما كان والده يودعه ويتلو آيات من القرآن.
وقال سكان في المنطقة إن محمد كان محبوبًا بين جيرانه، فيما وصفه ابن عمه بأنه «شاب خلوق ومعاون»، مشيرًا إلى أنه كان يشارك في نقل المياه إلى كبار السن، وأن الأهالي خرجوا لتوديعه عقب استشهاده.
•خبراء: كان يمكن تفادي قتل الطفل
يقول جيش الاحتلال الإسرائيلي باستمرار إنه لا يتعمد استهداف المدنيين، وإنه يدرس المخاطر المرتبطة بالهجمات ويعمل على تقليلها أثناء استهداف المواقع.
لكن خبراء أسلحة راجعوا تسجيلات الواقعة قالوا، بحسب «الجارديان»، إن مقتل محمد كان يمكن تفاديه، وأشاروا إلى أن تفاصيل الهجوم تثير تساؤلات بشأن كيفية تنفيذ الضربة الثانية.
وقال تريفور بول، خبير الأسلحة في شبكة «بيلينجكات»، إن الذخيرة الظاهرة في التسجيل هي قنبلة «ميخوليت» التي تطلقها المسيّرات الإسرائيلية.
وأوضح أن هذه المسيّرات مزودة بكاميرات عالية الدقة تتيح للمشغلين رؤية الأشخاص الذين يقتربون من موقع الضربة، مشيرًا إلى أن بعض طرازات هذه القنابل يمكن تغيير مسارها أثناء الطيران.
وأشار خبراء راجعوا التسجيل إلى أن الواقعة تتوافق مع ما يُعرف بتكتيك «الضربة المزدوجة»، حيث تُستهدف منطقة ما بضربة أولى، ثم تُوجّه ضربة أخرى بعد وصول أشخاص إلى المكان لتقديم المساعدة أو الاستطلاع.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات متجددة بشأن سلامة المدنيين والمسعفين الذين يتوجهون إلى مواقع الاستهداف لإنقاذ المصابين.
•ضحايا آخرون في القطاع
وتزامنت الواقعة مع سقوط ضحايا آخرين في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
ففي مخيم البريج، استشهد فلسطيني وطفل يبلغ من العمر 5 سنوات في ضربة، فيما استشهدت امرأة حامل بعد إصابتها برصاصة في الرأس داخل خيمتها بمنطقة المواصي جنوب خان يونس، وفق مصادر طبية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، استشهد أطفال آخرون خلال الفترة الأخيرة، بينهم شقيقتان تبلغان من العمر 6 و12 عامًا، إلى جانب والديهما في بيت لاهيا، فضلًا عن ثلاث فتيات أخريات استشهدن جراء إطلاق النار.
ووفق بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة، استشهد 1369 فلسطينيًا وأصيب 4627 آخرون منذ اتفاق 11 أكتوبر 2025، ليرتفع إجمالي عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 73,783 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 174,738.