فى حكاية أو خرافة الذئب والكلب الشهيرة من حكايات الكاتب الإغريقى إيسوب (620 ق.م.- 564 ق.م.)، والتى أعيد صياغتها شعريا بواسطة الشاعر الفرنسى لافونتين (1621-1695)، وتتناول مفاضلة الإنسان بين الحرية والراحة. ونرى ذلك كحال البشر عبر معظم تاريخهم، وخاصة فى عصرنا هذا، بتقسيمهم بين من يقبل استئناسه ورضاه بالمقسوم له من الرخاء النسبى، وذلك بالرضوخ والاستسلام وقبول المفروض عليه، حتى لو وصل ذلك لدرجة العبودية. والقسم الآخر القليل الذى يرفض هذه السيطرة من أجل ما تيسر من سبل المعيشة أو الرفاهية، وذلك برفض هذا الطُعم السهل ومحاولة التمرد ورفض التضحية بالحرية والوقوع تحت سلطة السيد المسيطر مهما كان الثمن.
تقول حكاية «الكلب والذئب» من ترجمة عادل مصطفى من كتاب حكايات إيسوب:
«كان هناك ذئب هزيل يكاد يموت من الجوع، إذ اتفق له أن يلتقى بكلب منزلى كان يمر به». قال الكلب: «مرحى يا ابن العم، إن حالك لا يخفى علىّ، وإن حياتك المتقلبة توشك أن تقضى عليك. لماذا لا تعمل معى بانتظام مثلما أفعل، وتجد طعاما يقدم لك بانتظام؟» قال الذئب: «ما يكون لى أن أمتنع، لو أنى وجدت إلى ذلك سبيلا». قال الكلب: «سأدبر لك ذلك بسهولة. تعال معى إلى سيدى وشاركنى فى عملى».
انطلق الذئب والكلب إلى المدينة معا، وفى الطريق لاحظ الذئب أن الشعر فى منطقة معينة من عنق الكلب كان واهنا شديد التلف، فسأل الكلب كيف ألم به ذلك. قال الكلب: «لا شىء، إنه المكان الذى يوضع عليه الطوق لأبقى مسلسلا بالليل. إنه مزعج بعض الشىء، ولكن سرعان ما يعتاد عليه الشخص».
قال الذئب: «أهذا كل شىء؟ إذن مع السلامة يا سيد كلب.
أموت وأنا حر، ولا أكون عبدا سمينا».
أما قصيدة لافونتين «الذئب والكلب» فقد ترجمها إلى العربية بتصرف - نظما- الأب نقولا أبو هنا والقصيدة مقررة للحفظ للسنة السادسة ابتدائى فى تونس. ومنها:
«ذئب لفرط سهر الكلاب جلدا وعظما صار فى الذئاب
وإنه التقى بكلب جمع فى جسمه حسنا وقوة معا
جميل الشكل صقيل الشعر بدين الجسم مهيب المنظر
فاستصوب السلام رأيا واقترب منه وحيا باحترام وأدب
وجال فى مديحه فأطنب فى سمنه وحسنه تعجبا
أجابه: «إن شئت أن تكون مثلى فهاجر غابك الملعون.
هلم فاتبعنى تُصب ما تشتهى فعندنا عهد الهزل ينتهى».
وقد لاحظنا أخيرا العديد من الرجال من الممثلين والمغنين ممن تسمح لهم ذواتهم الفنية المتضخمة بالتحلى بأطواق من الذهب والماس أو الثمين من الأحجار الكريمة، وربما لا يدل الآن رمز الطوق حول الرقية كما فى قصة الذئب والكلب.
وللطوق ورقبة الرجل قصة طويلة، ففى أول الأمر تحلى الرجال فى عصور ما قبل التاريخ بالأطواق التى كانت تُزين بأسنان وأنياب الوحوش البرية التى كان الإنسان الأول يحاربها أو يصطادها من أجل الغذاء. وكان ارتداء مثل ذلك الطوق يحمل معنى التعويذة للحماية عند مواجهة مثل تلك الحيوانات فى المستقبل، كما كان رسم مثل تلك الحيوانات فى الكهوف فيما قبل التاريخ يمثل كما يعتقد الكثير من علماء التاريخ الطبيعى تعويذات للحماية أو شروح لسبل اقتناصها. ومع بداية ظهور الرؤساء والملوك ، كانت مثل تلك الأطواق دلالة على قوة حاملها. أما الآن ومع سهولة شراء اللحم والطيور من المحلات والسوبر ماركات معدة ومغلفة، فلم تعد ترمز للقوة، بل للإشارة إلى مدى ثرائهم ورغبتهم فى التباهى. كما أن الطوق فى قصة أوساب ومن بعده لافنتين فيختلف عن السلسلة أو الحبل الذى ارتداه من قبل الرجال والنساء وكان فى العادة يحمل أحد الرموز الدينية.
وعموما تاريخ طوق العنق الذى يرتديه الرجال كقطعة من الملابس أو الإكسسوار حول الرقبة، فتاريخه طويل ومتنوع. ففى العصور القديمة، استخدمت حضارات مثل المصريين والرومان واليونانيين أطواقا وزينات للرقبة، وكانت غالبا علامة على المكانة الاجتماعية أو الثروة. فى العصور الوسطى، ظهرت أطواق القماش والياقات المرتفعة فى ملابس الرجال، خصوصا بين الطبقات الثرية. فى القرن التاسع عشر، تطورت ياقة القميص إلى أشكال أقرب إلى المعروفة اليوم، وأصبحت جزءا أساسيا من اللباس الرسمى.
أما المثل الشعبى فيقول عن الذئب: «جاب الديب من ديله» ويُضرب للدلالة على الشجاعة الفائقة والسيطرة على الخصم ببراعة، فالذئب هو رمز للقوة والسرعة وكذلك المراوغة. بينما يقول المثل عن الكلب «ديل الكلب عمره ما يتعدل» دلالة على استحالة تغيير الطباع، فذيل الكلب الأعوج لا يستقيم أبدا.
وأما فى العلاقات العاطفية والحسية التى يقبل فيها الرجل أو المرأة طوق الحبيب مهما كان الثمن، فيقول المثل الشعبى كما فى أغنية المطرب عبد العزيز محمود الشهيرة فى فيلم منديل الحلو، مع الفنانة تحية كاريوكا، إنتاج عام 1949، «يا شبشب الهنا يا ريتنى كنت أنا».