-مواطنون: غياب الحملات التنفيذية يُعيد العشوائية والنباشين للشوارع.. ونحتاج لاستمرار الحملات
-مصدر حكومي لـ"الشروق": أزمات الشارع ترتبط بسلوكيات مجتمعية وأنشطة غير رسمية تراكمت عبر سنوات
-مصدر بـ«التنمية المحلية»: انتهينا من حصر ساحات الانتظار وجارٍ تكثيف الحملات لضبط التسعيرة.
-النائب إيهاب منصور: ملفات «السايس والنباشين والتوك توك» اختبار حقيقي لقدرة الإدارة المحلية.. ونحتاج تحويل النصوص القانونية لواقع يشعر به المواطن
-الجندي: استمرار نقاط الفرز العشوائي يعكس وجود "اقتصاد موازٍ" للمخلفات.. ولا يجب إصدار قوانين غير قادرين على تطبيقها
-حسان: نجاح القوانين يبدأ من التنفيذ والرقابة اليومية الموحدة لا من مجرد الإصدار.. والمواطن ينتظر نتائج ملموسة
تواجه المحليات أزمة حقيقية في تحويل القوانين والقرارات الرسمية إلى واقع ملموس فى الشارع، بخاصة تلك المتعلقة بملفات "السايس" و"النباشين" و"التوك توك"، وبرغم إصدار حزمة من التشريعات واللوائح المنظمة لهذه الأنشطة خلال السنوات الأخيرة بهدف تقنينها، إلا أن غياب الرقابة المستمرة وتراجع آليات التنفيذ أعادا العشوائية مجدداً بمجرد اختفاء الحملات التنفيذية والأمنية المؤقتة.
وتمثل هذه الملفات الثلاثة نموذجاً حياً للفجوة بين النصوص القانونية والواقع الفعلي للأحياء، إذ صدرت لكل منها ضوابط واختصاصات محددة، لكن شكاوى المواطنين اليومية تظل مستمرة دون حلول على الأرض.
في ملف تنظيم حركة الشارع وانتظار السيارات، صدر قانون تنظيم انتظار المركبات رقم 150 لسنة 2020، المعروف إعلامياً بقانون "السايس"، كخطوة لإنهاء ظاهرة منادي السيارات العشوائي، وتجهيز ساحات انتظار مقننة تحت إشراف المحافظات بتسعيرة واضحة وعقوبات للمخالفين. ورغم مرور سنوات على صدوره، لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر في مناطق عدة بالقاهرة والجيزة، حيث يشتكي أصحاب السيارات من عودة السايس العشوائي واستغلالهم مادياً خارج إطار القانون.
وفي هذا السياق، يروي جمال سمير، من سكان مصر القديمة، أنه حصل على تصريح رسمي من الحي لاستغلال مساحة انتظار أمام عقاره ويلتزم بسداد الرسوم الشهرية بانتظام، إلا أن الواقع الفعلي لا يضمن له الاستفادة الكاملة من هذه المساحة بسبب تعدي الغرباء، مطالباً الأجهزة التنفيذية بتكثيف الرقابة الميدانية وضمان تنفيذ ما أقرته الجهات المحلية على الورق.
وعلى الجانب الآخر، قال المدير التنفيذي لإحدى المؤسسات بالبساتين -فضل عدم ذكر اسمه- إن مؤسسته حرصت على تقنين أوضاعها وحصلت على مساحة مرخصة وتتحمل رسوماً شهرية للمحليات، معتبراً أن تحديد الرسوم يرتبط بتكلفة الإدارة وتوفير العمالة لضمان جودة الخدمة.
ويرى محمد رمضان، من سكان إمبابة، أن الإشكالية الحالية تكمن في قيام بعض الساحات المرخصة نفسها بفرض رسوم مرتفعة تفوق التسعيرة الرسمية المعلنة، ما يتطلب رقابة صارمة تضمن الالتزام وتمنع استغلال المواطنين.
فى المقابل، أكد مصدر مسئول بوزارة التنمية المحلية لـ"الشروق"، أن المحافظات انتهت من حصر المواقع المناسبة لانتظار المركبات وفق الشروط القانونية، وتعمل على التوسع في الحملات الدورية لمواجهة المخالفات.
وفي تعليقه على الأزمة، قال الحسين حسان، خبير التنمية الحضارية، إن المشكلة لم تعد أزمة نصوص تشريعية، بقدر ما أصبحت مرتبطة بكفاءة الإدارة المحلية وقدرتها على التطبيق الموحد والرقابة اليومية، مشيراً إلى أن المواطن بات ينتظر نتائج ملموسة تحقق الانضباط أكثر من انتظار قوانين جديدة.
أما فى ملف إدارة المخلفات، فقد صدر قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، وتبعه صدور لائحته التنفيذية عام 2022، بهدف تأسيس منظومة متكاملة تشمل الجمع والتدوير والرقابة البيئية. ولكن خلال الرصد الميداني، ظهرت مشكلة استمرار نشاط "النباشين" وفرز المخلفات بشكل عشوائي داخل الكتل السكنية وفي شوارع رئيسية، ما أفرغ المنظومة الجديدة من مضمونها الحضاري في بعض المناطق.
في منطقة الكيت كات بالجيزة، يشتكي مجدي علي، من ممارسات النباشين اليومية، موضحاً أنهم يقومون بتمزيق أكياس القمامة وبعثرتها بحثاً عن المواد القابلة لإعادة البيع، ثم يتركون بقية المخلفات متناثرة، مما يؤدي لانتشار الروائح الكريهة وتشويه المظهر الحضاري.
من جانبه أشار علي عبدالمقصود، من سكان إمبابة، إلى وجود تراكمات للمخلفات في الشوارع الداخلية، معتبراً أن بقاءها يعكس استمرار أنشطة الفرز العشوائي دون مواجهة حاسمة وكافية من متعهدي الجمع أو الأحياء.
وفي سياق متصل، ترى هدى الورداني، من سكان المرج، أن الأزمة ترتبط أيضاً بالسلوكيات المجتمعية الخاطئة لبعض المواطنين الذين يتخلصون من القمامة بشكل غير منظم، مؤكدة الحاجة لتوفير صناديق تجميع أكثر كفاءة.
وقال حسين أبو العلا، من سكان حلوان، إن تأخر متعهدي النظافة في رفع المخلفات من الشوارع خلال الساعات الأولى من الصباح يفتح الباب أمام النباشين لإعادة فرز القمامة ونشر الفوضى مجدداً.
من جانبها، قال مصدر بوزارة التنمية المحلية لـ"الشروق"، إن المحافظات تنفذ حملات نظافة يومية مكثفة، والمعدات متوافرة، إلا أن ظاهرة النباشين تمثل تحدياً نظراً لسرعة حركتهم وإعادة بعثرتهم للمخلفات بعد جمعها.
ويرى صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن استمرار هذه النقاط العشوائية يعكس وجود اقتصاد موازٍ وضخم يدير ملف المخلفات بعيداً عن أعين الدولة. وأكد الجندي، في تصريحات لـ"الشروق"، أن الحل لا يقتصر على الحملات المؤقتة، بل يتطلب دمج هذه الأنشطة القابلة للتنظيم وتوسيع الخدمات الرسمية، مطالباً الحكومة بضرورة إرجاء إصدار أي قوانين جديدة إلا إذا كانت الأجهزة التنفيذية قادرة على تطبيقها بشكل حاسم، حفاظاً على هيبة الدولة.
أما ملف مركبات "التوك توك"، فيجمع الخبراء على أنه من أكثر الملفات تعقيداً؛ لارتباطه بفرص العمل لآلاف الشباب، وتوفيره لاحتياجات تنقل ضرورية داخل المناطق الشعبية والضيقة. وعلى مدار السنوات الماضية، اتجهت الحكومة إلى تقييد حركته ومنعه من السير في المحاور الرئيسية مع السماح به داخل نطاقات محددة وبخطوط سير معلنة، ورغم ذلك فإن استمرار سير المركبات غير المرخصة وتفاوت حسم التطبيق أبقى هذا الملف فى صدارة شكاوى المواطنين.
في منطقة فيصل بالجيزة، يعبر محمد السيد، موظف، عن استيائه من عشوائية "التوك توك" قائلاً: "التوك توك أصبح يسير بجرأة في الشوارع الرئيسية رغم قرار المنع ويتسبب في زحام مروري خانق وحوادث مأساوية بسبب السير عكس الاتجاه، ولذا نحتاج إلى تطبيق القانون بحسم على الجميع دون استثناء".
وتتفق معه في الرأي أم أحمد، ربة منزل من إمبابة، موضحة لـ"الشروق"، أن المشكلة لا تكمن في وجوده داخل الشوارع الجانبية كونه وسيلة إنقاذ مهمة، وإنما في خروجه العشوائي إلى الطرق السريعة، مؤكدة أهمية تحديد خطوط سير واضحة.
وفي شبرا بالقاهرة، تحدث أحمد صلاح، موظف بالقطاع الخاص، عن عدم استمرارية الرقابة، قائلاً: "نرى ونسمع عن حملات مكثفة من وقت لآخر، ولكن بعد أيام قليلة يعود الوضع إلى ما كان عليه، وهو ما يولد شعوراً بأن تطبيق القوانين مؤقت".
وعلى النقيض، يدافع سائقو "التوك توك" عن موقفهم مؤكدين أن هذه المركبة هي مصدر الدخل الوحيد لأسرهم. ويقول محمود حسين، أحد السائقين بالوراق: "نحن لا نرفض التنظيم أو الترخيص، ولكننا بحاجة إلى إجراءات واضحة وميسرة تراعي إمكانياتنا، لأن آلاف الأسر تعيش من وراء هذا العمل".
ويضيف سائق آخر ببولاق الدكرور: "إذا كان هناك منع للسير في شوارع معينة فنحن نحترمه، ولكن يجب في المقابل توفير البدائل أو تقنين الأوضاع داخل المناطق السكنية المكتظة".
وفي هذا الإطار، يرى عدد من أصحاب المحال التجارية بالمطرية، أن "التوك توك" لعب دوراً إيجابياً في تسهيل حركة المواطنين ونقل البضائع، مؤكدين أن المطلوب ليس الإلغاء الشامل بل التنظيم الإلزامي وتوقيع عقوبات رادعة على السائقين المستهترين.
من جانبه، أكد إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، أن نجاح هذه الملفات الثلاثة يرتبط بضرورة تكثيف المتابعة الميدانية الصارمة وتوحيد آليات التنفيذ والضبط بين مختلف المحافظات، فضلاً عن تفعيل منظومات الاستجابة السريعة لشكاوى المواطنين.
وأضاف منصور في حديثه لـ"الشروق"، أن أزمة "السايس" و"النباشين" و"التوك توك" لم تعد أزمة نقص في التشريعات، بل أصبحت بمثابة اختبار حقيقي وحاسم لقدرة وكفاءة الإدارة المحلية على تحويل تلك النصوص القانونية إلى واقع يومي ملموس يشعر به المواطن البسيط ويلمس نتائجه في تحقيق الانضباط والأمان الحضاري.
من جانبه ذكر مصدر حكومي، أن الأجهزة التنفيذية تعمل حالياً على تكثيف الحملات الميدانية وضبط المخالفات، بالتوازي مع إجراء مراجعات دورية للأداء الإداري داخل الأحياء لرصد أي تقصير. وشدد المصدر فى تصريحات لـ"الشروق"، على أن الهدف الأسمى للدولة ليس مجرد تحرير مخالفات مادية، وإنما إعادة الانضباط الشامل للشارع وتحسين جودة الخدمات المقدمة.
وأضاف المصدر، أن بعض هذه الملفات يتداخل مع سلوكيات مجتمعية مغلوطة وأنشطة اقتصادية غير رسمية تراكمت عبر سنوات طويلة، ما يتطلب معالجة تجمع بين الرقابة الحازمة والتنظيم المرن وتوفير البدائل القانونية المناسبة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد طفرة في معدلات المرور الميداني والتعامل الفوري مع الشكاوى لإعادة الانضابط للشارع.