نيجيريا وإرث العنف المسلح.. هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟ - بوابة الشروق
الخميس 11 يونيو 2026 7:59 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

نيجيريا وإرث العنف المسلح.. هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟

(د ب أ)
نشر في: الخميس 11 يونيو 2026 - 12:32 م | آخر تحديث: الخميس 11 يونيو 2026 - 12:32 م

تشكل ظاهرة العنف المسلح أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من الدول الإفريقية، إذ تتداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية في إنتاج أزمات معقدة يصعب احتواؤها في المدى القصير.

وفي السياق، تبرز نيجيريا بوصفها إحدى الساحات الرئيسية لهذه المواجهة، إذ تواجه منذ سنوات تهديدات متزايدة من جماعات مسلحة تنفذ هجمات دامية تستهدف المدنيين والمؤسسات الحكومية على حد سواء.

وتتجدد التساؤلات، مع استمرار هذه التحديات، حول قدرة الدولة على استعادة الأمن والاستقرار ووضع حد لدائرة العنف التي ألقت بظلالها على مستقبل البلاد.

وأكد إبينيزر أوباداري، أكاديمي وكاتب نيجيري متخصص في الشئون السياسية والدينية والاجتماعية في إفريقيا، أنه بعد أيام من الهجمات المنسقة التي شنها مسلحون على مدارس في ثلاث بلدات بولاية أويو الواقعة في جنوب غرب نيجيريا، والتي اختطفوا خلالها 39 تلميذًا وسبعة معلمين، مضى منفذو الحادث المروع الذي وقع الشهر الماضي خطوة أبعد عندما أقدموا على قطع رأس مايكل أوييدوكون، البالغ من العمر 57 عامًا، وهو معلم رياضيات، وذلك في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية.

وكان الأب لطفلين ثاني معلم يلقى حتفه على أيدي هؤلاء المهاجمين الذين لم يتم القبض عليهم بعد؛ ليلقى المصير نفسه الذي لقيه جويل أديجبوي أديسيان، البالغ من العمر 48 عامًا، والذي تردد أنه أُعدم أثناء محاولته حماية تلاميذه.

ويرى أوباداري، أن هذه الهجمات الأخيرة، عند قياسها بمقياس ما حدث في السابق، فإنها لم تكن الأسوأ على الإطلاق، فقد تضمنت الحملة التي تشنها جماعة بوكو حرام، والفصائل المرتبطة بها منذ عقود لفرض نظام حكم ثيوقراطي قائم على الشريعة في البلاد عمليات اختطاف أكثر بكثير وعمليات قتل أشد دموية ووحشية.

ويُعزى رد الفعل الواسع تجاه هذه الهجمات الأخيرة، على الأرجح، إلى مجموعة من العوامل، أحدها موقع الهجمات نفسها، ففي حين بدا أن الحادث الأخير يعزز بصورة عامة حجج المنتقدين الذين يؤكدون أن إدارة بولا تينوبو فقدت السيطرة على المنظومة الأمنية في البلاد، فإنه أثار في قلب المناطق اليوروبية (إحدى أكبر الجماعات العرقية في نيجيريا) مخاوف متزايدة بشأن التغلغل المستمر لمختلف الجماعات المسلحة داخل الإقليم.

ونظرًا للتركيبة الاجتماعية للمجتمع المدني في جنوب غرب نيجيريا، حيث أدى الجمع بين تقاليد النشاط الاجتماعي والتشبع الإعلامي تاريخيًا إلى حالة من اليقظة المفرطة، فإن التغطية الإعلامية المكثفة والمتواصلة للهجمات وتداعياتها لم تكن مفاجئة.

علاوة على ذلك، فإن أي أمل لدى المسئولين الحكوميين في إمكانية التعامل مع الحادث باعتباره مجرد هجوم جديد نفذته "عصابات مسلحة" مجهولة الهوية تبدد سريعًا مع تداول مقاطع مصورة تُظهر عملية قطع رأس مايكل أوييدوكون بصورة وحشية.

ولم يكن المشهد المروع لعملية الإعدام وحده هو الصادم، بل إن رمزيته كأداة للحرب النفسية طالما استخدمتها الجماعات الإسلامية المتطرفة لبث الرعب وانتزاع تنازلات سياسية كانت واضحة بشكل لا لبس فيه.

وكانت رسالة المسلحين واضحة، وهي: "إذا كنا قادرين على قطع رأس معلم واحد، فتخيلوا ما الذي يمكننا فعله ببقية المعلمين والطلاب الموجودين في قبضتنا".

وأفادت عدة مصادر إخبارية في أنحاء البلاد بأن المهاجمين، بالإضافة إلى مطالبهم بالحصول على أموال والإفراج عن رفاق لهم محتجزين، يطالبون أيضًا بـ"تنازلات تتعلق بالقوانين المستقبلية لهذه البلاد"، وسواء كان المقصود بذلك تطبيق الشريعة الإسلامية كما استنتج كثيرون في وسائل الإعلام (مع الإشارة إلى أن المتحدثين باسم المجتمع المسلم في ولاية أويو أدانوا أفعال الإرهابيين واعتبروها "إجرامية ومخالفة لتعاليم الإسلام"، فإن فكرة أن الجناة مجرد "خاطفين عشوائيين" وليست جماعة إرهابية ذات أهداف دينية صريحة، بحسب وصف أحد المعلقين النيجيريين، أصبحت أكثر صعوبة في الدفاع عنها.

وتمثل عمليات الاختطاف والإعدام الأخيرة، بقدر ما تسهم في تسليط الضوء على الجذور العقائدية والدينية للتمرد في شمال نيجيريا، تطورًا مهمًا في النقاش المحتدم غالبًا حول أسباب انهيار القانون والنظام في البلاد.

وتمسك قطاع من وسائل الإعلام الغربية، وعدد غير قليل من الباحثين، على مدى العقدين الماضيين، بنظرية مفادها بأن انعدام الأمن في شمال نيجيريا ناجم عن "صراعات بين المزارعين والرعاة"، وأن صلته بالدين، إن وُجدت أصلًا، ضعيفة للغاية، إلا أن هذه النظرية أصبحت أقل إقناعًا عامًا بعد عام مع تزايد الهجمات الدموية التي تنفذها جماعات جهادية مختلفة ضد أهداف حكومية ومدنية في نيجيريا ودول الساحل الأفريقي.

ويقول الأكاديمي والكاتب النيجيري المتخصص في الشئون السياسية والدينية والاجتماعية في إفريقيا: "في نيجيريا، كشف وقوع معظم هذه الهجمات في مناطق لا تاريخ فيها لصراعات المزارعين والرعاة، واستهدافها لأشخاص لا علاقة لهم إطلاقًا بالزراعة أو الرعي (مثل أديسيان وأوييدوكون)، عن العبثية الفريدة لنظرية "المزارعين والرعاة"، وليس هذا فحسب، بل إن التداخل بين البعد الديني الأساسي، وهو موضوع سعيت باستمرار إلى لفت الانتباه إليه، والانتماء العرقي للفولاني، يعد من أبرز الملاحظات الواردة في أحدث تقرير للجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية".

وأضاف: "من باب الإنصاف، فقد فعل الرئيس الحالي أكثر مما فعله معظم أسلافه لمعالجة هذه المشكلة، فمن جهة، زاد الرئيس النيجيري الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ، إذ تضاعفت تقريبًا مخصصات القطاع بين عامي 2024 و2025، كما أظهر شجاعة بإعلانه أن "قطاع الطرق والميليشيات والعصابات المسلحة ولصوص السلاح والطوائف العنيفة والجماعات المسلحة المتمركزة في الغابات والمرتزقة المرتبطين بجهات أجنبية"، هي جماعات تُصنف إرهابية، وأبدى استعدادًا أكبر من أسلافه لإجراء تغييرات داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية".

وتابع: "ومن جهة أخرى، يستحق إشادة كبيرة لقبوله عروض المساعدة المقدمة من الجيش الأمريكي رغم معارضة قطاع من النخبة لهذا التعاون، ورغم أن ذلك وضعه فورًا في مسار تصادمي مع شخصيات دينية نافذة في الشمال".

وكان أوضح دليل على تنامي نجاح هذا التعاون هو مقتل أبو بلال المينوكي، الرجل الثاني في تنظيم داعش، الشهر الماضي، بعد أن شنت قوات من البلدين هجومًا على مقره في حوض بحيرة تشاد، بحسب "أوباداري".

وواصل "أوباداري": "كما أسفر التعاون عن تكثيف الضربات ضد أهداف إرهابية مختلفة في شمال البلاد، وتنفيذ عمليات ناجحة لتحرير رهائن، وفي الواقع، قد يكون التوسع الملحوظ للجماعات المتطرفة نحو جنوب نيجيريا ناتجًا عن بدء تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات المشتركة بين الولايات المتحدة ونيجيريا في تحقيق النتائج المرجوة في النصف الشمالي من البلاد".

وأكد أوباداري "أنه على الأرجح، ستزداد الأزمة سوءًا قبل أن تبدأ بالتحسن، فبرغم زيادة الإنفاق الدفاعي، فإن احتواء خصم يسعى إلى تحقيق مهمة أخروية ويعتبر أن النصر يتمثل في إلغاء الدولة العلمانية لا الاندماج فيها، كان دائمًا مهمة بالغة الصعوبة، كما أن الوضع يزداد تعقيدًا لأن هذا العدو، من الناحية العملية، عدو دولي مندمج في شبكات عابرة للحدود، وتساعده في تنفيذ أنشطته الخبيثة حدود رخوة وبنية تحتية حكومية متهالكة".

واختتم "أوباداري": "الخطوة الأولى الحاسمة تتمثل في إدراك حقيقة هذا التهديد كما هو، أما القضاء عليه فسيتطلب تسخير قدرات وموارد الدولة النيجيرية بالتعاون مع جيرانها في منطقة الساحل وشركاء دوليين آخرين، وإلى جانب ذلك، سيتطلب الأمر الكثير من الوقت والصبر".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك