مدينة الإعلانات والأسمنت - محمود القيسونى - بوابة الشروق
الأحد 21 يونيو 2026 10:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

مدينة الإعلانات والأسمنت

نشر فى : الأحد 21 يونيو 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الأحد 21 يونيو 2026 - 6:15 م

أعتذر مقدما لمشمول هذه المقالة... بالطبع لا توجد مدينة بهذا الاسم. والمدينة المقصودة بهذا العنوان (للأسف سابقا فى رأيى الشخصى) ملقبة باسم خالد وعزيز، خصوصا لشخص مثلى ذى خلفية عسكرية شارك فى ثلاثة حروب

(اليمن - 67 - 73)، وأقصد مدينة السادس من أكتوبر التابعة لمحافظة الجيزة، وهى مقر إقامتى منذ عام 2004، فقد كنت مستبشرا كل الخير فى هذه المدينة، والتى توقعت أنها ستكون مثالًا للمدينة مكتملة الأركان، تنتشر بها الحدائق والأشجار واللمسات الجمالية لعيون سكانها، لكن للأسف وأكرر للأسف انقلبت إلى مشروع تجارى مؤسف هدفه الأساسى تنمية الموارد المالية، وأُسرد نبذة عن مشاهداتى خلال الخمس عشرة سنة الماضية.

أولا: لا أعتقد أن هناك مدينة على وجه الأرض، دون مبالغة، بها هذا الكم الفلكى من إعلانات الشوارع؛ إعلانات مختلفة الأحجام، منها المتوسط الحجم ومنها الضخم ومنها المهول الحجم، ومنها المضيئة ومنها السينمائية. فمنذ لحظة عبور الكوبرى أعلى الطريق السريع المتجه إلى الإسكندرية للقادم من المحور، يصطدم الشخص بإعلانات مهولة على أجناب الطريق وفى الميادين وعلى الكبارى. إعلانات تكاد أن تكون متلاصقة حاجبة لكل ما هو خلفها. إعلانات اللغة الإنجليزية منتشرة عليها بكثافة رغم أننا فى مصر، وإعلانات يظهر فيها الأطباء فى تخصصات مختلفة وبعروض سينمائية فى ظاهرة نادرة عالميًا. فعلى مدار الخمسة عشر عاما الماضية يلاحظ السكان أنه كل عدة أسابيع تتقلص المسافات بين كل إعلان وإعلان، حيث يتم زراعة إعلانات وسط إعلانات قائمة، ثم تمر عدة أسابيع ليتم زراعة إعلانات جديدة بأحجام وأشكال مختلفة بين الإعلانات القائمة لتتقلص المسافة بين كل إعلان وإعلان أكثر وأكثر، مما يشير إلى أنه بعد عامين على الأكثر ستكون المسافة المحصورة بين كل إعلان وإعلان لا تتعدى المترين.

مع الإشارة إلى أنه أيضا حاليا يتم تثبيت إعلانات أسفل وأعلى إعلانات قائمة، هذا بالإضافة إلى الأعلام المصنعة من النسيج والمغطاة بالإعلانات والمنتشرة بكثافة على الأرصفة أمام النشاطات التجارية. أعتقد أن ما خفف خطورة هذا الطوفان من الإعلانات وغابات الأسمنت الكثيفة هو الحدائق والأشجار المنتشرة داخل المنتجعات والتجمعات السكانية الخاصة.

تابعت بحزن ما حدث بالتدريج لمواطنين قاموا بشراء وحدات سكنية مميزة على أطراف منتجعات سكنية، وبأسعار مرتفعة، بسبب إشراف شرفات هذه الوحدات على مساحات منطقيا سيتم تحويلها إلى حدائق خضراء ومتنزهات كما هو متبع فى مدن العالم. وبعد الاستقرار فى مساكنهم صُدموا بتحويل كامل المساحات إلى مشاريع تجارية ذات طابقين تشكل حائطا قبيحا حاجزا للهواء والنطاق البصرى المريح، وذلك من مطاعم وتوابعها من مداخن خلفية وحاويات تجميع قمامة والروائح الكريهة المنبعثة منها، وعلى بعد أمتار من شرفات وحداتهم، ونشاطات عديدة متنوعة وما يتبعها من زحام وضوضاء مزعجة للغاية. وما زاد الطين بلة أنه بدأ بناء ارتفاعات فوق هذه النشاطات لتتحول هذه المشاريع التجارية إلى عمارات ذات أربعة طوابق، وليتحول حيهم الراقى ذو اللمسات الجمالية إلى حى شبه شعبى، ما يناقض تماما تطلعاتهم واستثماراتهم، وكأن القوانين والتنظيمات السكانية الحامية لحقوقهم وبيئتهم منعدمة تماما.

(كاتب هذه السطور عمل لمدة ثلاثين سنة بعد انتقاله من السلك العسكرى إلى السلك المدنى فى مجال تراخيص المنشآت السياحية، وكان دائما ما يصطدم بالقوانين الصارمة الحامية للتجمعات السكانية والتى كانت تحظر أى نشاط تجارى قريب من هذه التجمعات).

كما شُيدت عدد من هذه النشاطات التجارية والتى تضم سوبر ماركت على أرصفة ملاصقة لبحر الطرق والشوارع من بلاطات قبيحة سوداء متعرجة ذات بروزات حادة غير مريحة للمشاة، وتسبب العديد من المشاكل لكبار السن وللعملاء الذين يدفعون أمامهم السلال المعدنية الحاوية لمشترياتهم والراغبين فى بلوغ سياراتهم لإيداع ما قاموا بشرائه بالسيارات، حيث يواجهون صعوبة بالغة فى دفع هذه السلال المعدنية ذات العجل على هذه البلاطات المتعرجة ذات البروزات الحادة، وهى بالتالى تشكل عنصرا طاردا لهذه النشاطات.

كما تنتشر بمعظم الطرق والشوارع مطبات بنفس لون الأسفلت الأسود (غير مدهونة بطلاء فسفورى يتم تجديده كل حين وآخر)، من الصعوبة البالغة مشاهدتها لتفاديها، مما يتسبب فى ارتطام رءوس ركاب السيارات بأسقف السيارات حتى لو كانوا ملتزمين بالسرعة القانونية.

أخيرا تزدحم شوارع وطرق مدينة الإعلانات بكم هائل من راكبى الموتوسيكلات، والذين لا يعترفون قط بقوانين المرور وأمن المركبات المتحركة، وهم المكلفون بتوصيل الطلبات والمشتريات للمنازل طوال النهار والليل، حيث يتحركون بسرعات كبيرة عكس الاتجاه وبعرض الشوارع السريعة وعلى الجزر المحصورة بين الشوارع، وكلهم بدون الخوذ الحامية للرأس التى يفرضها قانون المرور... وهذه نبذة أسجلها عن المدينة التى كنت مستبشرا أن الحياة بها تطبق مضمون الدستور فى حق المواطن فى بيئة صحية سليمة وآمنة.

مستشار وزير السياحة ووزيرة البيئة السابق

محمود القيسونى مستشار وزير السياحة للشئون البيئية
التعليقات