أسوأ من جارية العصر العباسى - سمير عمر - بوابة الشروق
الإثنين 21 سبتمبر 2026 12:13 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

أسوأ من جارية العصر العباسى

نشر فى : الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:45 م | آخر تحديث : الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:45 م

يُحكى أن جارية بارعة الجمال، عذبة الصوت، كانت تُدعى «زادمهر»، رآها يوما فتى من بغداد فأصابه سهم الحب من أول نظرة ووقع فى غرامها، وأخذ فى استعطافها بالمراسلات والمكاتبات، وهى لا تعرف إلا الدنيا والدينار.

وجعل الفتى يصف لها فى رقاعه ــ جمع الرقعة التى كانت تُستخدم للكتابة عليها ــ عشقه وسهره فى الليالى، وتقلبه على حر المقالى ــ والمقالى جمع المقلى، وهو المكان الذى يُقلى فيه الطعام من الفول والحمص ونحوهما ــ وامتناعه عن الطعام والشراب.

فلما أعياه حبها، وحار فى أمرها، ويئس من تعطفها عليه كتب إليها رسالة قال فيها: «وإذ قد منعتنى زيارتك، فمُرى بالله خيالك أن يطرقنى ويبرد حرارة قلبى»، يعنى : «طالما أنك لا تريدين زيارتى، فعلى الأقل اجعلى خيالك يمر بى ليبرد نار الشوق فى قلبى».

فقالت زادمهر لرسولته التى حملت رسالته: «ويحك، قولى لهذا الرقيع أنا أعمل ما هو خير لك من أن يطرقك خيالى، أرسل إلىّ دينارين فى قرطاس حتى أجيئك أنا بنفسى».

يا ويح الفتى.. فالمرأة التى أحبها وهام بها عشقا ليست سوى عاهرة تعطى جسدها لمن يدفع.

والشاهد فى هذه الرواية التى ذكرها أبوالمطهر الأزدى فى كتاب «حكاية أبى القاسم البغدادى»، أن هناك من النساء من يتصور البعض أنهن من العفيفات الشريفات، فينسج من خياله وهما يقوده للوله بهن والوقوع فى غرامهن، غير أن حقيقتهن تكون عكس ذلك تماما، وللحق فإن هذا السلوك المعوج ليس من عادة النساء وحسب، فهناك من الرجال من يلعب الدور ذاته، فتجده فى المنتديات العامة متأنقا يبدو كفارس نبيل، يتحدث بلباقة وأدب ، وهو فى واقع الأمر مجرد «جيجولو» وضيع يبحث عن امرأة «يعيش على قفاها» مهما كانت جميلة أم دميمة، صغيرة السن أم عجوز تكبره بأعوام، فالمهم أنها تدفع له وتنفق عليه.

والواقع أن أشباه «زادمهر» الجارية من النساء والرجال كُثر يحملون ذات الصفات، ويخال للمرء أنهم شرفاء غير أن حقيقة سلوكهم وجوهر معادنهم يؤكد خستهم ودناءة أخلاقهم، وقد يكون لهذا النوع من النساء والرجال حضور طاغ وتأثير واسع، وهم ــ رجالا ونساء ــ لديهم فى أغلب الحالات قدرة فائقة على التلون وإخفاء حقيقة أخلاقهم بغلالة من الأدب والاحترام الذى لم يطرق لهم يوما بابا.

ستجدهم فى الوسط الصحفى يصدعون رأسك بمعسول الكلام عن شرف الكلمة ونبل الرسالة، وهم فى حقيقة أمرهم «أقلام للإيجار» يكتبون لمن يدفع، ويسخرون مواهبهم لخدمة رجال الأعمال وذوى النفوذ وأصحاب الثروات.

وتجدهم على شاشات الفضائيات يحدثونك عن الضمير والأخلاق وصيانة تقاليد المجتمع والدفاع عنها، حتى إذا ما أُطفئت الأنوار وتوقفت الكاميرات عن البث خلعوا الأقنعة وعادوا سيرتهم الحقيقية يمارسون كل سلوك غير قويم.

 ستقابلهم فى أوساط المال والأعمال يتحدثون فى العلن عن الشفافية وأهمية تطهير السوق من الفاسدين، المتاجرين بأقوات الناس وحاجات الفقراء، لكنهم فى السر، يظهر فساد أخلاقهم وخراب ذممهم فيُسخّرون كل شىء كى ترتفع أرصدتهم فى البنوك، ويبيعون أى شىء مهما كان ثمينا للفوز بأى مكسب ولو كان ضئيلا.

ستراهم فى أوساط النخب السياسية المعارضة يهاجمون الحكام ويلصقون بهم كل نقيصة، ويرفعون أصواتهم مطالبين بالثورة على كل ظالم وفاسد حتى تُبح أصواتهم، وحين يسدل الستار ويغادر الجمهور ساحات العرض يبرمون الصفقات ويخونون من صدّقهم وآمن بهم كزعامات وطنية.

ستراهم فى الوسط الفنى يتحدثون عن الإبداع ورسالته السامية، ودوره فى تشكيل الوعى وصياغة الوجدان، دفاعا عن هوية الأمة وتقاليد المجتمع، حتى إذا ما ظهرت «الشيكات» وعقود الإذعان الفنى يمموا وجوههم شطر من يدفع أكثر.

ستقابلهم فى الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية يشهرون سيوفا من خشب لمواجهة الفساد الذى يحول دون تحسين أحوال البلاد والعباد، حتى إذا ما جنّ الليل كانوا كمصاصى الدماء ينهشون فى لحم الوطن ويأكلون على كل الموائد.

ستراهم فى كل مجال وكل نشاط بألف وجه.

صحيح أن أعداد هؤلاء تبقى أقل بكثير من المخلصين الذين توافق أفعالهم أقوالهم، ويتفق ظاهرهم مع باطنهم، لكنهم للأسف يسيطرون فى أغلب الأحيان على المشهد ويطغى حضورهم على من عداهم

وإن كانت «زادمهر» الجارية واضحة حين أعلنت أنها لا تؤمن بالحب وأن جسدها للبيع، فهى أشرف منهم جميعا، رجالا ونساء، لأنها لم تخف حقيقتها، أما هم فبألف وجه وألف لسان.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات