بحر الصين الجنوبى.. لماذا تُصرّ بكين على السيطرة عليه؟ - قضايا آسيوية - بوابة الشروق
الأحد 14 يونيو 2026 11:52 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

بحر الصين الجنوبى.. لماذا تُصرّ بكين على السيطرة عليه؟

نشر فى : الأحد 14 يونيو 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الأحد 14 يونيو 2026 - 6:25 م

نشر موقع 180 مقالًا للكاتب سعيد عيسى، يؤكد فيه أن سعى الصين الاستراتيجى لبسط هيمنتها على بحر الصين الجنوبى وتحويله إلى مجال نفوذ خاص بها، ليس مجرد نزاع حدودى عابر، بل هو ركيزة أساسية فى مشروعها طويل المدى للتحول إلى قوة بحرية عالمية، وتأمين شريانها الاقتصادى (طريق الحرير البحرى)، وتطويق تايوان عسكريًا، تمهيدًا لمنافسة الولايات المتحدة وإعادة تشكيل النظام الدولى وموازين القوى فى آسيا والمحيطين الهندى والهادئ.. نعرض من المقال ما يلى:

لا يمكن فهم التحركات الصينية المتسارعة فى بحر الصين الجنوبى بوصفها مجرد نزاع حدودى على جزر صغيرة أو شعاب مرجانية متناثرة فى المياه الاستوائية. فالصراع الدائر هناك أعمق بكثير من خرائط السيادة وأبعد من الخلافات القانونية حول الحدود البحرية. 

فى الواقع، يمثل بحر الصين الجنوبى إحدى أهم الساحات التى تختبر فيها الصين مشروعها الاستراتيجى الكبير للانتقال من قوة قارية إلى قوة بحرية عالمية قادرة على التأثير فى النظام الدولى وإعادة تشكيل موازين القوى فى آسيا والمحيطين الهندى والهادئ.

الأحداث التى شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة، سواء عبر الاحتكاكات المتكررة بين السفن الصينية والتايوانية قرب جزر براتاس أو من خلال التوتر المتجدد حول شعاب سكاربورو المتنازع عليها مع الفيلبين، لا تبدو حوادث منفصلة أو ردود فعل ظرفية، بل تشكل جزءًا من سياسة صينية طويلة المدى تقوم على فرض الوقائع الميدانية تدريجيًا وتوسيع نطاق النفوذ البحرى خطوة بعد أخرى.

من الدفاع إلى الهيمنة 

طوال عقود من الزمن، ركزت الصين على بناء قوتها البرية وتأمين محيطها القارى، لكن التحول الاقتصادى الهائل الذى شهدته منذ ثمانينيات القرن الماضى جعل أمنها مرتبطًا بالبحر أكثر من أى وقت مضى. فمعظم صادرات الصين ووارداتها واحتياجاتها من الطاقة تمر عبر الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربى والمحيط الهندى وصولًا إلى بحر الصين الجنوبى. 

من هذا المنظور، لا تنظر بكين إلى البحر باعتباره مجرد مساحة مائية متنازع عليها، بل باعتباره شريانها الاقتصادى الرئيسى. وأى قوة قادرة على تهديد هذه الممرات البحرية تستطيع عمليًا التأثير فى الاقتصاد الصينى بأكمله. لذلك أصبح تأمين هذه المنطقة جزءًا من مفهوم الأمن القومى الصينى نفسه. 

لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الدفاع عن خطوط التجارة. فالصين تسعى إلى تحويل البحر من ممر تستخدمه إلى مجال استراتيجى تهيمن عليه. والفرق بين الحالتين جوهرى؛ فالدولة التى تعتمد على الممرات البحرية تظل عرضة لضغوط القوى البحرية الأخرى، أما الدولة التى تسيطر عليها فتتحول إلى قوة قادرة على فرض شروطها الإقليمية والدولية. 

عقدة تايوان

يصعب فصل ملف بحر الصين الجنوبى عن القضية الأكثر حساسية فى الاستراتيجية الصينية، وهى تايوان. فبكين تدرك أن أى مواجهة مستقبلية حول الجزيرة ستتحدد إلى حد كبير فى المجال البحرى. 

يشكل بحر الصين الجنوبى مع بحر الصين الشرقى ما يشبه الطوق البحرى المحيط بتايوان. ولذلك فإن توسيع الوجود الصينى فى هذه المياه يمنح الجيش الصينى قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية الأجنبية، ويعزز إمكانيات فرض حصار بحرى على الجزيرة إذا اقتضت الضرورة. ولهذا السبب ينظر العديد من الباحثين إلى التحركات الصينية الحالية باعتبارها جزءًا من عملية تهيئة استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز النزاعات المحلية مع الفيلبين أو فيتنام نحو هدف أكبر يتعلق بإعادة تشكيل البيئة العسكرية المحيطة بتايوان. 

ومن هنا يمكن فهم الحساسية الصينية الشديدة تجاه أى نشاط تايوانى أو أمريكى أو يابانى فى هذه المنطقة. فبالنسبة لبكين، لا يتعلق الأمر فقط بالسيادة البحرية بل أيضًا بمنع تشكل بيئة استراتيجية قد تعرقل مشروعها المستقبلى تجاه الجزيرة.

طريق الحرير البحرى

ومنذ إطلاق مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013، أصبح بحر الصين الجنوبى نقطة ارتكاز أساسية فى ما تسميه الصين «طريق الحرير البحرى». فالمبادرة لا تقتصر على إنشاء موانئ أو شبكات نقل، بل تهدف إلى بناء منظومة اقتصادية وجيوسياسية تربط الصين بالأسواق العالمية عبر شبكة واسعة من الممرات البحرية والبنى التحتية الممتدة من شرق آسيا إلى إفريقيا وأوروبا.

ضمن هذا التصور، يتحول بحر الصين الجنوبى إلى البوابة الأولى للمشروع بأكمله. فسيطرة الصين على هذه المنطقة تمنحها قدرة أكبر على حماية استثماراتها البحرية وخطوط إمدادها التجارية، كما توفر عمقًا استراتيجيًا لموانئها وشركاتها وسفنها التجارية. 

ولهذا السبب لا يمكن قراءة بناء الجزر الاصطناعية أو نشر خفر السواحل أو تكثيف الدوريات البحرية بمعزل عن الرؤية الصينية الأشمل التى تربط الاقتصاد بالأمن والجغرافيا السياسية ضمن مشروع واحد متكامل.

بناء القوة البحرية الكبرى 

إذا نظرنا إلى التجربة التاريخية للقوى العظمى سنجد أن معظمها امتلك فى مرحلة صعوده قوة بحرية قادرة على حماية مصالحه خارج حدوده المباشرة. بريطانيا بنت إمبراطوريتها عبر السيطرة على البحار، والولايات المتحدة كرست نفوذها العالمى من خلال تفوقها البحرى بعد الحرب العالمية الثانية. 

الصين تدرك هذه الحقيقة جيدًا. لذلك فإن مشروع «القوة البحرية العظمى» أصبح جزءًا مركزيًا من الخطاب الاستراتيجى الصينى خلال العقد الأخير. والهدف لا يقتصر على حماية التجارة أو الموارد الطبيعية، بل يتعلق أيضًا بإثبات أن الصين قادرة على منافسة الولايات المتحدة فى المجال الذى شكل لعقود مصدر التفوق الأمريكى الأساسى.

وفى هذا السياق تكتسب الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية أهمية تفوق حجمها الجغرافى بكثير. فهى تتحول إلى نقاط مراقبة وقواعد متقدمة ومحطات لوجستية تسمح للصين بتمديد حضورها العسكرى والسياسى فى عمق المحيط الهادئ.

ما الذى تعنيه أحداث اليوم؟

إذا وضعت التطورات الأخيرة ضمن هذا الإطار الأوسع، فإنها تبدو أقل ارتباطًا بحوادث بحرية عابرة وأكثر ارتباطًا باستراتيجية تراكمية تعتمدها بكين منذ سنوات؛ فالصين لا تسعى إلى تحقيق انتصار حاسم وسريع فى بحر الصين الجنوبى، بل تعتمد سياسة التقدم التدريجى التى تقوم على تكريس وجود دائم، وتوسيع نطاق السيطرة الفعلية، واختبار ردود فعل الخصوم، ثم الانتقال إلى خطوة جديدة عندما تصبح الخطوة السابقة أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه.

ومن هنا يمكن فهم أهمية كل دورية لخفر السواحل وكل احتكاك بحرى وكل منشأة تظهر فوق شعاب متنازع عليها. فهذه الأحداث الصغيرة ليست الهدف بحد ذاتها، بل أدوات ضمن عملية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية لشرق آسيا. 

فى النهاية، لا تدور المعركة الحقيقية فى بحر الصين الجنوبى حول مجموعة جزر أو حقول غاز أو مناطق صيد فحسب، بل حول سؤال أكبر بكثير: هل ستظل آسيا البحرية فضاءً مفتوحًا توازن فيه الولايات المتحدة نفوذ الصين، أم أن بكين ستنجح تدريجيًا فى تحويل هذه المنطقة إلى مجال نفوذ خاص بها يشكل نقطة الانطلاق نحو مكانة القوة البحرية الأولى فى القرن الحادى والعشرين؟

النص الأصلى: 

https://rebrand.ly/ntuf43o

قضايا آسيوية قضايا آسيوية
التعليقات