نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالًا للكاتب الحسين الزاوى، تناول فيه العلاقة بين الدين والذكاء الاصطناعى فى ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وما يرافقها من أسئلة حول تأثير التكنولوجيا على الخطاب الدينى والتجربة الروحية. كما يناقش الفرص والمخاطر المرتبطة بهذا التداخل، بين إمكانية دعم الممارسة الدينية وتعميقها، وبين مخاوف تحويلها إلى خطاب مبسّط أو مُوجَّه عبر المنصات الرقمية.. نعرض من المقال ما يلى:
يجرى نقاش متعدد المستويات بشأن العلاقة التى باتت تربط مجالات تداول الخطاب المقدس بعالم التكنولوجيا والمنظومات الرقمية التى تحوّلت إلى مكون أساسى من مكونات الحياة المعاصرة؛ وتُطرح فى السياق نفسه أسئلة ملحة بشأن إيجابيات وسلبيات تدخل الرقمنة والذكاء الاصطناعى فى مرافقة وتأطير التجربة الروحية للأفراد، فهل يمكن -من ثم- للتجربة الافتراضية أن تعوّض الحضور الواقعى فى أماكن صياغة الخطاب الدينى الوفى للمرجعيات التقليدية؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعى أن يُسهم فى تعميق الممارسة الروحية، أم أن هناك مخاطر حقيقية تهدّد هذه الممارسة وتعمل على تحويلها إلى سلعة لتوجيه وإثارة الانتباه عبر وسائط التواصل الاجتماعى؟ وهل ما زال بإمكان الدول والمجتمعات أن تحمى الأفراد من التطرف الناجم عن الاستعمال السيّئ للتقنيات العابرة لحدود الدول؟
من الواضح أن رسالة البابا ليون الرابع عشر التى أصدرها فى شهر مايو الماضى والتى حملت عنوان «الإنسانية الرائعة»، كانت بمثابة خطاب نقدى وعقلانى لأحد أبرز المرجعيات الدينية فى العالم حول ما يحدث من تطورات فى مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعى، وحول تأثير هذه التقنيات فى حياة البشر؛ فقد حذر البابا من خطر الذكاء الاصطناعى على كرامة الإنسان، ودعا إلى الأخذ فى الحسبان كل التحديات الأخلاقية التى يفرضها. وركز المنشور البابوى على نقاط عديدة أبرزها: الحروب التى يمكن أن يتسبب فيها الذكاء الاصطناعى، وعلى أهمية إعادة النظر فى التنظيم الاقتصادى العالمى بالشكل الذى يحمى حقوق العمال من التطور الهائل على مستوى الرقمنة، ووضع ضوابط لحماية المجتمعات من التضليل الذى يمكن أن يتسبب فيه الذكاء الاصطناعى.
ويرى جان باتيست نوى بناءً على ذلك، أن المنشور البابوى، وبمعزل عن بعده الروحى، يمكن النظر إليه كمساهمة فى النقاش الدائر حول الحوكمة العالمية للتكنولوجيا، وبالتالى فإن رسالة البابا، ليست فقط نصًا يتعلق بالطابع التقنى لآلات الذكاء، بقدر ما هو نص حول الدولة والسوق والحرب فى عصر الخوارزميات. وقد سعى البابا انطلاقًا من رسالته إلى بلورة موقف دنيوى بشأن طبيعة المخاطر التى يشكلها التحدى التكنولوجى بالنسبة للمجتمعات علـــــى اختلاف قناعاتها الدينية. وعليه فإن الأطروحــــــة الجيوسياسية الرئيسية لبابا الفاتيكان الحالى صاحب القناعات الفلسفية الأوغيسطينية، تتمثــل فى أن الحرب التى يعمل الذكاء الاصطناعى على نشرها وتضخيمها، هى فى طريقها إلى أن تصبح شيئًا عاديًا ومألوفًا على الرغم من خطورتها على مستقبل الإنسانية.
ومن ثم فإن «الحضارة القائمة على المحبة» والمعتمدة على قيم العدالة يمكنها أن تشكل أفضل المسارات للوقوف فى وجه حرب التقنية التى تتجاوز إرادة الدول وتجعل الخوارزميات التى يوجهها الأفراد تتحكم فى مصائر الأمم، ومثل هذه المهام تجعل الأديان تحمى الأفراد من مخاطر الذكاء الاصطناعى متجاوزة بذلك دورها الروحى التقليدى.
ويفرض الذكاء الاصطناعى علاوة على ما تقدم، إشكاليات أخلاقية لكونه يسهم فى نشر الأخبار الدينية الكاذبة ويوفر أدوات تقنية جبارة لدعاة الفكر المتطرِّف، كما أنه يجعل الفتوى والعِظات متاحة بشكل أسرع بفضل الخوارزميات ويصل الأمر إلى حد تسطيح الاجتهاد فى سياق إجابة ثنائية تبسيطية: إمّا حلال أو حرام، دون الأخذ فى الحسبان البنية المركّبة للقضايا الدينية التى عادة ما تفترض التدرج فى الأحكام، وتلغى الرقمنة من ثم مراتب الفتوى مثل الواجب والمندوب والمكروه أو المباح، الأمر الذى يجعلها تتجاوز كونها مجرد وسيط محايد لتصبح عنصرًا فاعلًا فى إنتاج الخطاب الدينى؛ بل وتعطى الانطباع لكل مستعملى التقنية أن لهم الكفاءة اللازمة لإصدار الحكم الدينى، ويضمحل بالتالى الفارق بين المتخصص والمنتج للخطابات الدينية وبين المستهلك لها.
يمكن للذكاء الاصطناعى أن يساعد من ناحية أخرى على مكافحة التطرف بعد أن يتم تحديد معانى مفهوم التطرف بناءً على نقاش مجتمعى واسع، من أجل الكشف المبكّر عن الخطاب المتطرف من خلال تحليل بنياته اللغوية والاصطلاحية وتفكيك محتوى المنشورات المتشددة، والمساعدة على دحض الحجج الاستبدادية والإقصائية وإبراز مغالطاتها.