تحل ذكرى ميلاد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، اليوم 23 سبتمبر، حيث ولد في 1923، وهو عام مهم من تاريخ مصر؛ إذ شهد إقرار أول دستور لها بعد الاستقلال، ومن تلك المصادفة يتضح فيما بعد أن القدر وضع هيكل دوما في موعد مع التاريخ ومحطاته الفاصلة.
ودرس هيكل في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وتمكن من اللغة الإنجليزية، ما سهل له طريقا ليكون محررا بجريدة "الإجيبشيان جازيت"، وخاض في تجربته بها أول مغامراته الصحفية بتغطية معركة "العلمين"، أحد أشهر معارك الحرب العالمية الثانية في أوائل الأربعينيات.
وبجانب تجربته الصحفية المتفردة على امتداد ما يزيد على 70 عاما، أثرى هيكل المكتبة العربية بمؤلفات حللت أحداث السياسة ورجالها بعمق شديد، وكان اقترابه من صُناع القرار وآلاف الوثائق التي اجتهد في الحصول عليها مصدرا مهما في رواية التاريخ لمن خلفه من أجيال، وعن ذلك يقول: "لا أعرف أهو تحيز رجل لما ألف وعرف، أو أنه حكم في الموضوع، بصرف النظر عن متغيرات العصور؛ لكني على شبه اقتناع بأن الكتاب المطبوع على ورق له العمر الطويل، وأنه الحاضر على الدوام، مهما اشتد من حوله الزحام.. وبالنسبة لكاتب - على الورق وبالحبر - فإن كتابته هي بناء عمره، وهكذا فإن هذه المجموعة في نهاية المطاف: عمر من الكتب"، ومن هذا التعبير اختارت دار الشروق "عمر من الكتب" ليكون عنوانا لسلسلة لعدد من مؤلفات هيكل.
ومع ذكرى ميلاده، نطل على جانب من حياة هيكل وعلاقته وارتباطه بالقراءة والكتب، حسبما نقل عنه الكاتب الصحفي محمد الباز في كتابه "هيكل.. المذكرات المخفية - السيرة الذاتية لساحر الصحافة العربية" الصادر عن دار "ريشة".
القراءة عند هيكل: مفتتح اليوم وختامه
ووفقا لما ينقله الكتاب، يقول هيكل: "كنت أشرع يومي وأختمه بالقراءة، في طريقي إلى منتجع القطامية في الساعة الخامسة وخمسة وأربعين دقيقة فجرا، أطالع الجرائد المصرية لأطل على المشهد العام والأداء اليومي للبلد، وفي طريق عودتي أكتفي بالاستماع لمحطة بي بي سي".
ويضيف هيكل: "عندما أصل إلى مكتبي أجد تقارير الصحافة الإسرائيلية، ومراكز الأبحاث الخارجية، والجرائد والمجلات العربية، وفي فترة ما بعد العصر، أطل على البرقيات مستكملا ما بدأته من الجرائد والمجلات".
وواصل عن طقوس قراءته التي لا يتوقف عنها طيلة يومه ولا يكتفي بساعات النهار، بقوله: "قبل النوم أقرأ في كتاب، وإن كنت أستنكر المطالعة في السرير وأظنه معيبا لي ولمن أقرأ له، في حجرة نومي هناك كرسي فوتيه وأباجورة، وعلى ضوئها أقرأ ليكون آخر ما أقوم به، محتفظا طول الوقت بقلم رصاص، ليس لتسجيل ملاحظات على الهامش، بل ربما لتداعي أفكار ليس بينها وبين الكتاب أي رابط، ولكنها بدأت بطرق باب تفكيري كهاجس، فأبدأ فورا بتفريغها".
ويكمل: "أنا قرأت كل ما كان متاحا لي من الكلاسيكيات، قرأت في الأدب الإسلامي والأدب الأجنبي، قرأت في الفلسفة الإسرائيلية".
الكاتب قارئ بالدرجة الأولى
ويؤكد هيكل ضرورة القراءة حينما يقول: "أي صحفي في الدنيا هو حيوان قارئ، وكل كاتب هو قارئ بالدرجة الأولى، وأنا مدين لكثيرين، هناك معلمون كبار في تاريخ مصر أعتقد أننا أهملناهم بطريقة غريبة".
ويقيم: "في تقديري أن السياسة والحزبية في مصر أسقطت عناصر النخبة المصرية، كان المفكر يتكلم بأسلوب المنطق والعقل، لكن الحركة الوطنية استدعت أشياء أخرى بالانقسامات الخطيرة التي حدثت، إنها مأساة لدينا، إن كل من تكلم بالعقل جره تيار وطني، وليس معنى هذا أن كل من تكلموا بالعقل كانوا على خطأ، أو أن تيار الوطنية كان على خطأ، ولكن الكلام عن صراعات في مجتمع ما زال ناشئا وتحت ضغوط معينة، أعتقد أن الشعب المصري كان مظلوما بموقفه الذي أدى إلى تكرار التدخل الأجنبي دائما".
أرواحهم تنصت لمناجاتي.. حالة شعورية لهيكل القارئ وكتبه
ويصف شعورا عاطفيا نحو القراءة والكتب، بذكره أن كل كتاب له علاقة خاصة بكاتبه، فهو قطعة من حياته، فكره وعمله وتجربته، استؤمنت عليها صفحات وسطور وحروف.
ويواصل: "أنا في مكتبتي بين الكتب، يدور حوار بيني وبين من صاغوا تلك الأسفار من النفائس، أشعر بأن أرواحهم تنصت، بل لعلي لا أكون مبالغا إذا قلت بأن ما بيني وبينهم مناجاة، ظانا أنهم يتابعون وقع ما أخط من ملاحظات وتعليقات على أبحاثهم، وما توصلوا إليه من نتائج وأحكام، وبذلك لا تكون أرواحهم حبيسة داخل أغلفة كتبهم، فيبقى بيني وبينهم حوار دائم وخيط لا ينقطع".
ويضيف: "وما يبوح به أي كاتب في مجمل ما يكتبه، هو في الحقيقة مراحل عمره، ومراحل عمر أي كاتب ليست مجرد تواتر واتصال وتكرار، وإنما هي عالم إنساني بأكمله، عالم متنوع متضاغم مختلف مؤتلف، فكل يوم وكل ساعة وكل لحظة لها طعم ولها لون ولها عبق متميز تدركه الحواس وتستشعره، وتذوب فيه أحيانا أو يذوب فيها".