- المشروع يستخدم نبات البردي في معالجة مياه الري والصرف وإعادة استخدامها في الأنشطة الزراعية والإنتاج الحيواني والداجني
نجح فريق بحثي مصري، بالتعاون مع تحالف علمي أوروبي ودولي يضم 13 هيئة علمية من 8 دول، في تطوير حلول مبتكرة لمعالجة المياه باستخدام تقنية "الأراضي الرطبة المنشأة - Constructed Wetlands"، ما أسهم في إزالة أكثر من 95% من بكتيريا الإشريشيا كولاي والسالمونيلا، خاصة في الأحواض المزروعة بنبات البردي، وذلك ضمن مشروع بحثي ممول من الاتحاد الأوروبي في إطار برنامج "هورايزون 2020" لعام 2019.
وقال الدكتور محمد الحجري، رئيس الفريق البحثي المصري، رئيس وحدة الري والصرف بمركز بحوث الصحراء، إن المشروع حمل عنوان "تعزيز وتحسين الحلول المبتكرة القائمة على الطبيعة لتحسين دورة المياه الحضرية"، واستهدف دراسة 12 نوعا من المياه، كان نصيب الجانب المصري منها مياه نهر النيل ومياه الصرف الصحي والحمأة الناتجة عنها.
وأضاف الحجري لـ"الشروق" أن التحالف البحثي ضم 13 هيئة علمية، من بينها شركات بحثية وجامعات ومراكز بحثية، تمثل 8 دول، منها 6 دول أوروبية ومصر وكولومبيا، موضحا أن الجانب المصري شارك في المعمل الحضري رقم 10 ضمن المعامل الحضرية للمشروع.
جمعية أحمد عرابي موقعا لتنفيذ التجربة
وأوضح رئيس الفريق البحثي أن اختيار موقع تنفيذ المشروع استند إلى ضرورة قربه من العاصمة القاهرة، إلى جانب ممارسة النشاط الزراعي، لافتا إلى اختيار جمعية أحمد عرابي باعتبارها منطقة زراعية قريبة من القاهرة، وتتغذى بمياه نهر النيل المنقولة عبر ترعة الإسماعيلية، من خلال منشآت ومواسير لنقل المياه.
وأشار الحجري إلى أن جمعية أحمد عرابي تأسست وخُططت خلال سبعينيات القرن الماضي، بهدف مواجهة زحف الكثبان الرملية التي كانت تغطي المنطقة، وأصبحت لاحقا من المناطق المعروفة بالنشاط الزراعي والإنتاج الحيواني، خاصة زراعة المانجو.
وأوضح الحجري أن الدراسة تناولت نوعين من المياه المستخدمة داخل الجمعية، أولهما مياه الشرب التي ترتفع تكلفتها مقارنة بمياه الري، وثانيهما مياه الري الواردة مباشرة من ترعة الإسماعيلية دون معالجة، مشيرا إلى أن تكلفة مياه الشرب تصل إلى نحو 20 ضعف تكلفة مياه الترعة، وفقا للتقديرات التي تناولها المشروع.
وأضاف أن وجود مخاوف من التلوث الميكروبي في مياه الري، ومنها بكتيريا السالمونيلا وفيروس كوكساكي، دفع بعض المزارعين والمستثمرين إلى الاعتماد على مياه الشرب في بعض أنشطة الإنتاج الحيواني والداجني، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على موارد مياه الشرب ويرفع تكلفة الإنتاج.
الأراضي الرطبة المنشأة لمعالجة المياه
وقال الحجري إن الفريق البحثي استخدم تقنية الأراضي الرطبة المنشأة، التي تحاكي آليات عمل المستنقعات الطبيعية في تنقية المياه ومعالجتها، من خلال إنشاء حوضين تجريبيين، تبلغ أبعاد كل منهما 10 أمتار طولا وعرضا، وعمق متر واحد.
وأوضح أن الأحواض جرى تبطينها بطبقة من البولي إيثيلين بسمك ملليمتر واحد، وإنشاء شبكة صرف وفق المواصفات الهندسية الأوروبية، مع وضع طبقات من المواد الزلطية والرملية المستخدمة في الترشيح، إلى جانب شبكة إمداد سطحية لتوزيع المياه المراد معالجتها.
وأضاف الحجري أن الحوضين صمما للمقارنة بين نظامين للمعالجة؛ الأول مزروع بنبات البردي بهدف الاستفادة من دوره في المعالجة الحيوية، والثاني خال من النباتات لاستخدامه كنظام مقارنة، مشيرا إلى أن المياه المعالجة جرى تجميعها وسحبها من خلال بئر مرتبط بالأحواض.
وأشار إلى اختيار نبات البردي باعتباره نباتا محليا موجودا في مصر، إلى جانب امتلاكه قيمة اقتصادية يمكن الاستفادة منها في مواجهة أحد تحديات الأراضي الرطبة المنشأة، والمتمثل في ارتفاع تكلفة الإنشاء والحاجة إلى مساحات من الأراضي، وذلك من خلال تحقيق عائد اقتصادي من النباتات المزروعة.
متابعة التجربة لمدة عامين وقياس جودة المياه
وأكد رئيس الفريق البحثي أن التجربة استمرت لمدة عامين، جرى خلالها أخذ عينات شهرية من المياه قبل دخولها إلى الأحواض وبعد خروجها منها، بهدف تقييم كفاءة المعالجة وقياس مجموعة من مؤشرات جودة المياه.
وأوضح الحجري أن القياسات شملت الملوحة، ودرجة الحموضة، والطلب الكيميائي على الأكسجين (COD)، والطلب العضوي على الكربون، والكاتيونات والأنيونات، والعناصر المختلفة، إلى جانب العناصر الثقيلة والمؤشرات الميكروبيولوجية.
ولفت إلى أن النتائج أظهرت انخفاضا في تركيز العناصر الثقيلة، وإن كان بدرجة متوسطة، نظرا إلى أن مستوياتها في المياه لم تكن مرتفعة من الأساس، بينما ارتفعت الملوحة خلال عملية المعالجة، وهو ما أرجعه إلى طبيعة المنطقة الجافة وارتفاع درجات الحرارة، بما يزيد معدلات التبخر ويرفع تركيز الأملاح في المياه.
وأضاف أن مؤشرات النيتروجين والطلب على الكربون أظهرت اتجاهات إيجابية وانخفاضا خلال المعالجة في النظامين المستخدمين، مؤكدا أن النتائج الإجمالية أظهرت تحسنا في عدد من مؤشرات جودة المياه.
إزالة أكثر من 95% من الإشريشيا كولاي والسالمونيلا
وأوضح الحجري أن أبرز النتائج التي حققها المشروع تمثلت في إزالة أكثر من 95% من بكتيريا الإشريشيا كولاي والسالمونيلا، خاصة في الحوض المزروع بنبات البردي، مقارنة بنحو 90% في الحوض غير المزروع بالنباتات، وفقا لنتائج التجربة.
وأشار الحجري إلى أن جذور النباتات تؤدي دورا في تهيئة بيئة مناسبة للكائنات الحية الدقيقة المرتبطة بها، بما يعزز عمليات المعالجة الحيوية ويسهم في رفع كفاءة إزالة الملوثات البيولوجية من المياه.
وأكد الحجري أن النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي تشير إلى إمكانية الاستفادة من المياه المعالجة في بعض الاستخدامات الزراعية والإنتاج الحيواني والداجني، مع ضرورة مراعاة متطلبات السلامة والمعايير المعتمدة لكل استخدام، وإجراء الفحوص اللازمة قبل إعادة الاستخدام.
الأحواض تنتج 15 مترا مكعبا من المياه يوميا
وقال رئيس الفريق البحثي إن الطاقة الإنتاجية للحوض الواحد بلغت نحو 15 مترا مكعبا من المياه يوميا، موضحا أن هذه الكمية يمكن أن تكفي لري أكثر من فدان باستخدام طرق الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط، وفقا للاحتياجات المائية ونوع المحصول وكفاءة نظام الري.
وأضاف أن الفريق عمل بالتوازي مع معالجة المياه، على تطوير نظام لاستخدام المياه المعالجة بكفاءة أكبر، من خلال تصميم أواني فخارية للتحكم في معدلات نفاذ المياه وتوفيرها، بما يسهم في تقليل الفاقد الناتج عن التبخر والرشح العميق.
وأوضح الحجري أن الأواني الفخارية التي جرى تصميمها وتطوير بعض أجزائها ضمن العمل البحثي يمكن استخدامها في أنظمة الري بالتنقيط أو الري المدفون، مشيرا إلى أن التجارب التي أجريت باستخدامها أظهرت توفيرا في استهلاك المياه يصل إلى 50%، وفقا لنتائج المشروع.
تمويل أوروبي للمشروع
وأشار الحجري إلى أن المشروع حصل على تمويل من الاتحاد الأوروبي، بمبلغ 137 ألف يورو في إطار برنامج "هورايزون 2020"، بينما تولت شركة "أكواليا" متابعة المشروع مع الجانب المصري، باعتبارها رئيسة مجموعة العمل المعنية.
وأضاف الحجري أن الشركة حصلت على جائزة مرتبطة بالمشروع، كما سجلت براءة اختراع ناتجة عن الأعمال البحثية، مؤكدا أن المشروع يمثل نموذجا لتوظيف الحلول القائمة على الطبيعة في معالجة المياه وتحسين كفاءة استخدامها، مع إمكانية الاستفادة من المخرجات البحثية في دعم الأنشطة الزراعية والحد من الضغوط على موارد المياه.