محلل اقتصادي: الدولار سينخفض لكنه لن ينهار - بوابة الشروق
الخميس 11 يونيو 2026 8:05 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

محلل اقتصادي: الدولار سينخفض لكنه لن ينهار

لندن- (د ب أ)
نشر في: الخميس 11 يونيو 2026 - 10:07 ص | آخر تحديث: الخميس 11 يونيو 2026 - 10:07 ص

على مدار الأشهر الـ18 الماضية، كان هناك نقاش واسع النطاق حول قدرة الدولار على الحفاظ على دوره البارز في الاقتصاد العالمي، ويرى المحلل الاقتصادي ديفيد رونيكل أن الدولار سينخفض لكنه لن ينهار وأن تاريخ الجنيه الإسترليني، العملة المهيمنة عالميا سابقا، لا يبشر بالخير بالنسبة للدولار.

وقال رونيكل، الزميل المشارك في برنامج الاقتصاد العالمي والتمويل في معهد تشاتام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني) في تحليل نشره المعهد، إن البعض يرى أن هناك نقطة تحول أصبحت وشيكة تتمثل في تخلي العالم عن الدولار. بينما يرى آخرون أن نقاط القوة الكامنة في العملة الأمريكية ستجعلها قوية حتى في مواجهة أحدث تقلبات السياسة الحزبية.

ويرى رونيكل أن هذه الآراء تفتقر إلى عنصر حيوي وهو التاريخ، حيث يشير انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني، أول عملة عالمية حقيقية، إلى أن نهاية الدولار قد تكون حتمية - لكنها أيضا من غير المرجح أن تكون سريعة أو مباشرة.

ويمكن تفسير الطريقة التي تصبح بها العملة مهيمنة تفسيرا مفيدا من خلال المصطلحات الاقتصادية التقليدية ومنظور الاقتصاد الجيوسياسي. وتربط النظرية الاقتصادية صعود العملات المهيمنة بتفاعلات متبادلة بين التجارة والتمويل. فزيادة استخدام عملة معينة في فواتير التجارة تؤدي إلى زيادة الطلب عليها، مما يخفض تكاليف الاقتراض بها، وبالتالي تعزيز الطلب عليها.

في غضون ذلك، يربط منظور الاقتصاد الجيوسياسي هيمنة العملة بالقوة العسكرية. وفي هذا السياق، تستخدم الدولة المهيمنة قوة اقتصادها المحلي لدعم وضمان أصول آمنة، كالسندات الحكومية عادة. ومع انجذاب المستثمرين الأجانب إلى هذه الأصول الآمنة والسائلة، تعزز الدولة المهيمنة سيطرتها على الاقتصادات الأجنبية وتحقق عوائد إضافية. لكن الدولة المهيمنة قد تميل أيضا إلى المبالغة في التوسع، لتعظيم نفوذها، وإصدار أصول أكثر مما تستطيع ضمانه بشكل آمن.

وأشار رونيكل إلى أنه يمكن استخلاص فكرتين من هذه النماذج: أولا، أن انخفاض قيمة العملة قد يكون حتميا بمجرد أن يتجاوز الاقتصاد ذروته. ثانيا، أن التشابكات الناجمة عن الهيمنة قد تبطئ هذا الانخفاض بشكل ملحوظ.

واعتبر أن انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني توضح هاتين النقطتين. فقد كانت بريطانيا القوة التجارية العظمى في الحقبة الأولى للعولمة، حيث كانت تستحوذ على 30% من التجارة العالمية في أواخر القرن الـ19، وخلال تلك الفترة، كانت 60% من التجارة العالمية تسعر وتسدد بالجنيه الإسترليني.

ويمكن القول إن قوة بريطانيا بلغت ذروتها في نفس الفترة تقريبا، بين حروب نابليون وحرب البوير. ومع ذلك، فمنذ ذروة هيمنة بريطانيا العالمية في أواخر القرن الـ19، لم يتفوق الدولار على الجنيه الإسترليني بشكل واضح إلا في السنوات التي أعقبت الحرب مباشرة، ولعب دورا عالميا مهما حتى سبعينيات القرن العشرين. وهذا يمثل نحو قرن كامل من التراجع.

ويقول رونيكل إنه من الشائع الادعاء بأن هذه الفترة مختلفة، لأنه لا يوجد بديل للدولار. لكن هذا الرأي يعتمد على افتراض مبسط بأن عملة واحدة فقط يمكنها أن تحتل دورا مهيمنا في وقت واحد. ويقدم تاريخ الجنيه الإسترليني رفضا واضحا لهذا الرأي.

وتظهر التقديرات التاريخية الأكثر شمولا ليس فقط أن الدولار والجنيه الإسترليني كانا منافسين متقاربين في سنوات ما بين الحربين، ولكن أيضا أن الجنيه الإسترليني كان يواجه منافسة من الفرنك الفرنسي والمارك الألماني طوال فترة ازدهاره في القرن الـ19 - فالهيمنة لا تعني عدم وجود منافسين أقوياء.

وتقول النسخة الأكثر تعقيدا من رأي "عدم وجود بدائل" إن المنافسين المحتملين للدولار يعانون من مشكلات خطيرة، على سبيل المثال، تفتقر الأصول المقومة باليورو إلى السيولة وعمق الأسواق الذي تتمتع به الأصول المقومة بالدولار، كما أن العملة الصينية (الرنمينبي) مغلقة إلى حد كبير أمام المستثمرين الأجانب.

ومع ذلك، من السهل إغفال حقيقتين بارزتين. الأولى، هي أن اليورو يمثل حصة أكبر من فواتير التجارة مقارنة بالدولار، حتى وإن كان ذلك يعكس إلى حد كبير حجم التجارة بين دول منطقة اليورو.

والحقيقة الثانية هي أن اليورو يحتل المرتبة الثانية بفارق كبير ولكن بثبات بعد الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي، محتفظا بحصته البالغة 20% حتى مع تراجع حصة الدولار من حوالي 75% إلى أقل من 60% خلال ربع القرن الماضي.

في الوقت نفسه، تعد الصين ومنطقة اليورو شريكين تجاريين أكبر بكثير من الولايات المتحدة بالنسبة لمعظم الدول. ويمكن لمجموعة من الإصلاحات العملية والقابلة للتطبيق، والتي تعزز القدرة التنافسية وعمق أسواق رأس المال وسيولتها، أن تدعم دورا أقوى لليورو والرنمينبي. وبالعودة إلى تجربة الجنيه الإسترليني مع منافسيه، فإن البدائل لا يشترط أن تكون مثالية لكي تلعب دورا بارزا.

واعتبر رونيكل أن هناك اتجاها جديدا في الدفاع عن هيمنة الدولار يرتبط بالتكنولوجيا. ويرى هذا أن صعود العملات المستقرة المرتبطة بالدولار سيحافظ على الطلب. لكن هذا يغفل النقطة الأساسية المتعلقة بمدى أهمية التكنولوجيا في هيمنة العملة.

ويقدم الجنيه الإسترليني مثالا توضيحيا، حيث أنه غالبا ما ينسى البعض أن الأصول الآمنة المقومة بالجنيه الإسترليني لم تكن صادرة عن الدولة، بل كانت عبارة عن سندات تجارية عالية السيولة، مدعومة في البداية من القطاع الخاص، ولكنها مدعومة في نهاية المطاف بالتزامات خفض التضخم وسلامة المالية العامة وحجم الاقتصاد البريطاني.

واعتبر أنه ببساطة، تهيمن العملة عندما تكون هي وحدة حساب الأصول الآمنة. وينشأ الأمان من خلال الحجم والمصداقية، وليس من خلال أنواع أصول محددة أو هياكل سوقية.

وأشار إلى أن تراجع الجنيه الإسترليني كان بطيئا للغاية، لأنه كان لدى الكثيرين مصلحة في الحفاظ على قيمته. وحافظ على دوره العالمي بعد الحرب العالمية الثانية جزئيا بسبب ندرة الدولار، ولكن في الغالب بسبب تراكم أرصدة ضخمة من الجنيه الإسترليني خلال الحرب.

ولم يكن من مصلحة أحد تصفية هذه الأرصدة بسرعة، وزعزعة استقرار النظام النقدي العالمي وتدمير قيمة الأصول. ولذلك، تم بناء نظام معقد لإدارة التراجع بين المملكة المتحدة وحاملي الجنيه الإسترليني والمشاركين الأوسع في الاقتصاد العالمي. وبالمثل، يتم اليوم الاحتفاظ بأصول الدولار على نطاق واسع، مما يجعل أي انهيار مفاجئ له غير مرغوب فيه.

وتساءل رونيكل عما إذا كان انتهاء الهيمنة يعني بالضرورة انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني؟ وقال إن تاريخ الجنيه الإسترليني يوحي ظاهريا بذلك. ففي بداية الحرب العالمية الأولى، كان الجنيه الإسترليني الواحد يساوي 86ر4 دولار أمريكي، لكنه لم يعد يساوي 2 دولار منذ عام 2001 .

لكن الواقع أكثر تعقيدا. فبعد الحرب، انتهجت بريطانيا سياسة نقدية متساهلة وفرضت قيودا مالية أدت إلى ارتفاع معدل التضخم، وهو ما جعل الأصول المقومة بالجنيه الإسترليني ليست أقل جاذبية فحسب، وإنما منعها من التكيف لتصبح أكثر جاذبية.

ويرى رونيكل أنه كان من الممكن أن يؤدي اتباع نهج مختلف تجاه الجنيه الإسترليني إلى انخفاض أقل حدة في سعر الصرف، مع تعويض ضعف الطلب عليه بارتفاع أسعار الفائدة على الأصول المقومة به. وبدلا من انخفاض القيمة، كان ذلك سيظهر بشكل أساسي في ارتفاع تكاليف الاقتراض مقارنة بالعملات الأخرى المماثلة للجنيه الإسترليني.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لوضع الدولار في المستقبل؟ قد يبدو ارتفاع الدولار عقب الهجوم على إيران مطمئنا، لكن هذا يعكس إلى حد كبير مكانة الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للطاقة. أما الإشارة الأهم فتظهر في مناطق مختلفة، في الأحداث التي أحاطت بالتوترات العالمية المرتبطة بـ"يوم التحرير" والتوترات بشأن جرينلاند. في الحالتين، انخفضت الأسهم الأمريكية، وارتفعت عوائد السندات، وتراجع الدولار.

وقد فاجأ هذا المزيج من التحركات العديد من المراقبين، وعكس بوضوح دلالات عملة تعاني من ضغوط.

واختتم رونيكل تحليله بالقول إنه لا شك أن مطلع القرن الحادي والعشرين يختلف اختلافا كبيرا عن مطلع القرن العشرين. لكن القوى التي أثرت على الجنيه الإسترليني - تراجع القوة الاقتصادية والعسكرية نسبيا- تؤثر أيضا على الدولار. وقد يكون التراجع بطيئا، لكن هذه الضغوط أصبحت واضحة بالفعل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك