الحرب تُربك توقعات المعدن الأصفر.. فهل يسترد بريقه بنهاية 2026؟

آخر تحديث: الإثنين 29 يونيو 2026 - 6:32 م بتوقيت القاهرة

منى حامد

شهد الذهب خلال النصف الأول من 2026 تحولًا حادًا في مساره، بعدما انتقل من موجة صعود تاريخية إلى موجة تراجع قوية، وسط ضغوط متزايدة من الحرب الإيرانية الأمريكية، وارتفاع أسعار الطاقة، وقوة الدولار، وتغير توقعات المستثمرين بشأن مسار الفائدة الأمريكية.

وبعدما سجلت الأوقية مستوى قياسيًا قرب 5,600 دولار في يناير الماضي، بدأت الأسعار في التراجع خلال الشهور التالية، حتى هبط الذهب للمعاملات الفورية في 24 يونيو الجاري دون مستوى 4,000 دولار للأوقية، لأول مرة منذ نوفمبر 2025، قبل أن يتحرك في تعاملات 29 يونيو قرب مستوى 4,050 دولارًا للأوقية.

- لماذا تراجع الذهب رغم الحرب؟

عادة ما يستفيد الذهب من الحروب والتوترات الكبرى، لأن المستثمرين يلجأون إليه باعتباره ملاذًا آمنًا وقت الأزمات. لكن ما حدث هذه المرة كان أكثر تعقيدًا، لأن الحرب الإيرانية الأمريكية لم ترفع الطلب على الذهب فقط، بل رفعت أيضًا مخاوف اضطراب إمدادات الطاقة وصعود أسعار النفط.

ومع ارتفاع أسعار النفط، عاد القلق من موجة تضخم جديدة في الاقتصاد الأمريكي والعالمي. وهذا التضخم دفع الأسواق إلى توقع بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، وربما اتجاه الفيدرالي الأمريكي لمزيد من التشدد إذا استمرت الضغوط السعرية.

وهنا بدأ الضغط على الذهب؛ فالفائدة المرتفعة تدعم الدولار وتجعل أدوات الاستثمار التي تمنح عائدًا، مثل السندات، أكثر جاذبية للمستثمرين. أما الذهب، فرغم قيمته كملاذ آمن، فإنه لا يمنح عائدًا ثابتًا، لذلك يتراجع الإقبال عليه عندما ترتفع الفائدة ويقوى الدولار.

وفي هذا السياق، أفادت وكالة رويترز في 24 يونيو الجاري بأن الذهب هبط دون مستوى 4,000 دولار للأوقية، لأول مرة منذ نوفمبر 2025، تحت ضغط قوة الدولار وتزايد توقعات التشدد النقدي من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

واليوم -29 يونيو- أوضحت رويترز أن تجدد التوترات الأمريكية الإيرانية وارتفاع أسعار النفط أعادا مخاوف التضخم إلى الواجهة، وهو ما زاد توقعات بقاء الفائدة مرتفعة. ووفق التقرير نفسه، تراجع الذهب الفوري بنحو 1% إلى حوالي 4,045.95 دولار للأوقية في تعاملات منتصف اليوم.

- توقعات البنوك.. تفاؤل حذر بدل الصعود الكبير

ومع موجة التراجع، بدأت بنوك استثمارية كبرى في تعديل توقعاتها للذهب خلال 2026. فوفق ما نشره موقع Investing في 18 مايو الماضي، خفض JPMorgan توقعاته لمتوسط سعر الذهب خلال 2026 إلى 5,243 دولارًا للأوقية، مقارنة بـ5,708 دولارات في توقعاته السابقة، لكنه أبقى على سيناريو صعود الذهب إلى نحو 6,000 دولار بنهاية العام إذا عاد الطلب الاستثماري وهدأت ضغوط الفائدة.

وتكشف هذه التوقعات أن المؤسسات المالية الكبرى انتقلت من الرهان على موجة صعود شبه مستقيمة إلى رؤية أكثر حذرًا، تقوم على احتمالات التعافي في النصف الثاني من العام، لكن بشرط تغير البيئة الحالية التي تضغط على الذهب: قوة الدولار، تشدد الفيدرالي، ارتفاع أسعار الطاقة، وضعف التدفقات الاستثمارية.

وفي المقابل، خفّض Goldman Sachs توقعاته لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 4,900 دولار للأوقية، مقارنة بتوقعات سابقة عند 5,400 دولار، في إشارة إلى أن المؤسسات الكبرى ما زالت ترى فرصة للتعافي، لكن بوتيرة أقل من التوقعات المتفائلة التي سادت بداية العام.

- محليًا.. عيار 21 يتراجع من القمة

وعلى الصعيد المحلي، انعكس الهبوط العالمي على السوق المصري، إذ تراجع عيار 21، الأكثر تداولًا في مصر، من مستويات قياسية تجاوزت 7 آلاف جنيه للجرام في مارس الماضي، إلى نطاق قريب من 5,700 جنيه للجرام في تعاملات نهاية يونيو، مع اختلافات محدودة بين منصات التسعير ومحلات الصاغة.

ويرى خبراء ومتعاملون في سوق الذهب أن الانخفاضات الحالية تمثل تصحيحًا حادًا بعد موجة صعود استثنائية، أكثر من كونها تغيرًا كاملًا في اتجاه المعدن الأصفر. فالسوق، بحسب تقديراتهم، يتحرك وفق عدة عوامل متداخلة، أبرزها سعر الأوقية عالميًا، وسعر صرف الدولار، وتوقعات الفائدة الأمريكية، وحركة أسعار الطاقة، وحجم الطلب المحلي على الشراء أو البيع.

وفي تصريحات تلفزيونية، وصف المهندس هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، عام 2026 بأنه عام “غريب” على سوق الذهب، بعدما شهد ارتفاعات قياسية في بداية العام، لحقتها انخفاضات كبيرة خلال فترة قصيرة، وهو ما خلق حالة من الترقب لدى المتعاملين، خصوصًا من اشتروا الذهب عند مستويات مرتفعة.

أما الدكتور ناجي فرج، خبير صناعة الذهب والمجوهرات، فرأى أن موجة الهبوط الحالية من بين أقوى موجات التراجع التي شهدها السوق في السنوات الأخيرة، مرجعًا ذلك إلى اضطراب المشهد العالمي، وتغير اتجاهات المستثمرين مع ارتفاع الفائدة وقوة الدولار. واعتبر فرج أن أي تهدئة في الحرب الإيرانية الأمريكية قد تعيد جزءًا من السيولة الاستثمارية إلى الذهب، لكنها قد لا تعني عودة فورية إلى القمم السابقة.

من جانبه، ربط إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات، تراجع أسعار الذهب بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتأثيرها على أسواق الطاقة، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط يزيد الضغوط التضخمية عالميًا، وهو ما يدفع المستثمرين لمراقبة قرارات الفيدرالي الأمريكي قبل بناء مراكز جديدة في الذهب.

وأوضح سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، أن تراجع الأسعار خلال الشهور الماضية يعكس تصحيحًا بعد قفزات سريعة ومتتالية، معتبرًا أن الذهب يظل أداة تحوط مهمة، لكنه يحتاج إلى أفق زمني متوسط أو طويل، لأن التعامل معه بمنطق المكسب السريع يعرّض المستثمر لمخاطر تقلبات السوق.

وتتقاطع آراء الخبراء المحليين عند نقطة أساسية، وهي أن الذهب في المرحلة الحالية يحتاج إلى إدارة هادئة للقرار الاستثماري. فالشراء عند الانخفاض قد يكون مناسبًا لمن يستهدف الادخار طويل الأجل، أما المضاربة قصيرة الأجل فتظل عالية المخاطر في سوق يتأثر يوميًا بأخبار الحرب، وحركة الدولار، وتوقعات الفائدة الأمريكية.

وبينما تظل أسعار الذهب رهينة لتطورات الحرب الإيرانية الأمريكية، ومعدلات الفائدة، والتحركات في أسعار الطاقة، يرى خبراء السوق أن التراجعات الحالية تضغط على الذهب مؤقتًا، لكنها تحافظ على مكانته كأصل للتحوط في الأجلين المتوسط والطويل.

- النصف الثاني يحسم اتجاه الذهب في 2026

ويمكن اختصار المشهد الحالي في أن الذهب يمر بمرحلة اختبار صعبة؛ فاستمرار الحرب وارتفاع الطاقة قد يضغطان عليه عبر بوابة التضخم والفائدة، بينما قد يساعد تراجع التوترات أو ظهور إشارات على تهدئة السياسة النقدية الأمريكية في استعادة جزء من بريقه خلال النصف الثاني من العام.

وبين توقعات أكثر تحفظًا قرب 4,900 دولار للأوقية، وسيناريوهات أكثر تفاؤلًا تقترب من 6,000 دولار بنهاية 2026، يبقى الذهب في منطقة انتظار، يتحرك بين خوف المستثمرين من الحرب، وخوفهم الأكبر من الفائدة المرتفعة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved