محمد معوض يكتب: الموت يضحك فى واشنطن.. هل تنبأ المخزنجى بأمريكا التى نراها اليوم؟

آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 6:48 م بتوقيت القاهرة

فى كتاب الموت يضحك لمحمد المخزنجى شىء أشد إيلامًا من الموت نفسه: أن يظل الإنسان حيًا بعد أن تبدأ الأشياء من حوله فى معاملته كأنه مات. أن يمشى فى المدينة، ويأكل ويحب ويخاف وينتظر، بينما العالم الكبير يواصل دورانه كأن قلبه تفصيل صغير لا يدخل فى حساب الحركة. وهو نفس المعنى المذهل فى كتاب عصر اللا جدوى الذى يقول إن المأساة الحديثة لم تعد دائمًا أن يقتل الإنسان، بل أن يقنع بأنه لا حاجة إليه أصلًا.

وأمريكا اليوم تبدو، لمن ينظر إليها من هذه النافذة، بلدًا عظيمًا أصابه نوع غريب من التعب: لم تنقصه القوة، ولكن نقصه اليقين فى الغاية التى تستحق أن تستعمل فيها القوة. هذه أمة تستطيع أن ترى وجوه الناس من الفضاء، ولا تكاد ترى الإنسان الذى يقف أمامها.

تملك من الحواسيب ما يستطيع أن يتنبأ بما سنشتريه غدًا، ولا تملك من السياسة ما يطمئن رجلًا يسأل إن كان راتبه سيكفى طعام أطفاله آخر الشهر. تبنى الآلة التى تفكر، ثم يبيت ملايين البشر، وهم يتساءلون فى سرهم: إذا صارت الآلة تفكر وتكتب وتقود وتحسب وتصنع، فماذا بقى لى كى أكون ضروريًا؟ وهنا تبدأ السياسة. لا من الكونجرس ولا من البيت الأبيض، بل من ذلك الخوف الصغير الذى يدخل إلى صدر الإنسان حين يشعر بأن العالم يستطيع الاستغناء عنه.

إن السياسة الأمريكية فى هذه اللحظة ليست، فى جوهرها العميق، معركة بين جمهوريين وديمقراطيين بقدر ما هى صرخة مجتمع يسأل سؤالًا وجوديا ولا يجد من يجيبه: هل ما زال لى مكان فى الغد؟ العامل الذى رأى مصنع مدينته يغلق. الخريج الذى خرج من الجامعة وفى عنقه دين يكاد يكون عمرًا ثانيًا. الأب الذى يزداد راتبه رقمًا وتزداد حاجاته أرقامًا أسرع. الشاب الذى يشاهد الذكاء الاصطناعى يتعلم فى أشهر ما قضى هو عشرين سنة ليتعلمه. الجندى الذى قيل له إن الحرب ستكون قصيرة، ثم وجد نفسه داخل حرب لا يعرف أين تنتهى. والناخب الذى يصحو كل أربع سنوات ليقال له إن هذه الانتخابات هى الأهم فى تاريخ أمريكا ثم يكتشف بعد كل انتخابات أن حياته اليومية ازدادت غموضًا.

هؤلاء جميعًا لا يجمعهم حزب. يجمعهم القلق من أن يصبحوا زائدين عن حاجة العالم. ولهذا فإن دونالد ترمب، مهما قيل فيه، لا يمكن فهمه إذا اختصر فى رجل واحد. إنه عرض لمرض أكبر منه. إنه الصرخة التى أطلقها جزء من أمريكا حين شعر أن قطار المستقبل يغادر المحطة، وأن أحدا لم يسأله إن كان يريد الركوب. قال لهم، فى جوهر خطابه: أنتم لستم فائضين. أنتم أمريكا الحقيقية. الذين جعلوكم تشعرون بالدونية هم الخونة، والنخب، والمهاجرون، والمؤسسات، والعولمة، والصحافة، والبيروقراطية. وهذه من أخطر الهدايا التى يستطيع السياسى أن يقدمها للإنسان المجروح: ألا يداوى جرحه، بل يعطيه اسما يكرهه. فالخائف حين يجد عدوا يرتاح قليلا؛ لأن الغموض أشد رعبا من العداوة. ومن هنا يمكن فهم ذلك الغضب الهائل الذى صار وقود السياسة الأمريكية. إنها لم تعد منافسة على البرامج فقط؛ لقد أصبحت منافسة على تعريف الألم.

من الذى سرق منك حياتك؟
من الذى أضاع بلدك؟
من الذى جعلك أقل أمنا؟
من الذى أخذ مكانك؟
من الذى سيأخذ وظيفة ابنك؟
ومن الذى ينبغى أن تخافه قبل أن تنام؟

وهكذا تحولت الديمقراطية، شيئًا فشيئًا، من فن صناعة المستقبل إلى سوق لتوزيع الخوف، كل فريق يبيع جمهوره عدوًا، وكل شاشة تحتاج إلى كارثة جديدة قبل نشرة المساء. وكل خوارزمية تعرف أن الإنسان الغاضب يبقى أمامها أطول من الإنسان المطمئن. حتى صارت الحقيقة نفسها سلعة رديئة التسويق؛ لأنها بطيئة، معقدة، كثيرة الشروط، بينما الكذبة خفيفة جميلة، تدخل القلب من غير أن تطرق الباب.

بعد نحو ستة أشهر من الحرب مع إيران، تجاوز عدد الجرحى من العسكريين الأمريكيين سبعمائة وخمسين، بينما تجاوز الدين العام أربعين تريليون دولار. وفى استطلاع رويترز هبط تأييد ترامب إلى 33%، وقال 80% من الأمريكيين إنهم يتوقعون أن تطول الحرب. وفى استطلاع آخر قال أكثر من نصف الناخبين إن أوضاعهم المالية أصبحت أسوأ.. تأمل المفارقة.

دولة تسأل شبابها أن يؤمنوا بالمستقبل، ثم ترسل بعضهم إلى حرب لا يعرفون نهايتها. تطالب المواطن أن يثق بالاقتصاد، بينما يفتح فاتورة البقالة فيجد رقما لا يحتاج إلى محلل اقتصادى ليشرحه. تقول له إن بلاده أقوى دولة فى التاريخ، فيجلس فى مطبخه، ليحسب إن كان يستطيع دفع بطاقة الائتمان هذا الشهر. وهنا الفجوة بين عظمة الدولة وهشاشة الفرد.

قد تكون بلادك قادرة على تحريك حاملات الطائرات، ولا تكون أنت قادرا على تحريك موعد علاجك أسبوعا إلى الأمام. قد تكون حكومتك قادرة على معرفة مكان صاروخ فى الجانب الآخر من الأرض، ولا تستطيع أن تعرف لماذا أصبح بيت فى الحى الذى ولدت فيه خارج قدرتك إلى الأبد. وقد يصبح وطنك أغنى، بينما تصبح أنت أفقر. وهذه هى اللحظة التى يبدأ فيها الموت بالضحك. ليس موت الجسد. بل موت المعنى.

كان الإنسان فى العصور القديمة يعرف لماذا هو موجود، ولو كان وجوده شاقًا. كانت الحياة قاسية، ولكن الإنسان كان يجد مكانه فيها. أما الحضارة الحديثة فقد صنعت مفارقة تكاد تكون وحشية: جعلت الحياة أيسر، ثم جعلت تفسيرها أصعب. كل آلة جديدة تقول للإنسان: سأريحك. ثم يأتى السؤال الذى لا تجيب عنه الآلة: وماذا ستفعل أنت بعد أن أريحك منك؟

وهذا السؤال يدخل اليوم إلى قلب السياسة الأمريكية من باب الذكاء الاصطناعى، ومن باب الاقتصاد، ومن باب الهجرة، ومن باب التعليم، ومن باب الطبقة، ومن باب الهوية. إنه السؤال نفسه مرتديًا ألف قناع: هل سأظل ضروريًا؟

وربما لهذا أصبح الأمريكى المعاصر مستعدا لأن يتعلق بسياسى يعده بالماضى أكثر مما يتعلق بسياسى يحدثه عن المستقبل. فالماضى، حتى حين يكون متخيلا، مكان يعرف الإنسان فيه وظيفته. أما المستقبل فلا أحد يعرف من سيحتاج إلى من فيه. والمؤلم أن المؤسسات التى كان يفترض أن تمنح المجتمع بعض الطمأنينة أصابها هى الأخرى هذا الذبول. ففى صيف 2026 وصلت الثقة أو الرضا عن مؤسسات مركزية فى النظام الأمريكى إلى مستويات متدنية على نحو لافت؛ الرئيس، والكونجرس، وحتى المحكمة العليا أصبحت جميعها واقفة أمام مجتمع يشك أكثر مما يصدق.

وهنا يصبح الخطر أعمق من خسارة حزب للانتخابات. لأن الديمقراطية لا تموت حين يخسر مرشح. تموت قليلًا حين يفقد الناس الإيمان بأن الخسارة والربح يحدثان داخل بيت واحد. حين لا يعود الخصم مخطئًا بل خائنًا. ولا تعود الصحيفة منحازة بل متآمرة. ولا يعود القاضى مختلفًا بل فاسدًا. ولا يعود الناخب الآخر مواطنًا اختار غير ما اخترت بل دليلًا حيًا على خراب الوطن. عندئذ لا يبقى وطن يتجادل أهله. تبقى قبيلتان تتنازعان ملكية وطن واحد.

ولعل أغرب ما فى الصورة أن السياسيين أنفسهم يعرفون هذا الخوف. يعرفون أن الرجل الغاضب أسهل قيادة من الرجل الآمن. وأن الإنسان الذى يخشى ضياع مكانه يمكن أن يغفر للزعيم أشياء كثيرة إذا أقنعه بأنه يقاتل لاستعادة ذلك المكان. لهذا يكثر الكلام عن العظمة حين يقل الإحساس بها. وتكثر الأعلام حين تضيق فكرة الوطن. وتعلو أصوات القوة حين يتسع الخوف. فالإنسان لا يصرخ دائمًا لأنه قوى؛ أحيانًا يصرخ لأنه يريد أن يسمع صوته كى يتأكد أنه ما زال موجودًا، وهكذا تبدو واشنطن اليوم.

رئيس يريد أن يترك أثره فى الحجر، والاسم، والمبنى، والمدينة؛ وفى الوقت نفسه حرب بعيدة تتعثر، ودين يتجاوز الأربعين تريليون دولار، وأسعار تضغط على الناس، وانتخابات نصفية تقترب كأنها محكمة سياسية كبرى. وحتى فى يوم واحد من أغسطس تستطيع أن ترى غرابة المشهد: مشاريع ضخمة لإعادة تشكيل معالم العاصمة تتقدم، فيما يتعثر ملف الحرب والتفاوض مع إيران.

كأن السلطة، حين تعجز عن السيطرة على الزمن، تحاول السيطرة على الحجر. فالإنسان يخاف الموت. أما الحاكم فيخاف شيئًا آخر: أن يموت ولا يبقى اسمه.

لكن ثمة مأساة أكبر من ترامب، وأقدم من الديمقراطيين والجمهوريين، وأخطر من انتخابات نوفمبر. إنها أن الحضارة الأمريكية، التى قامت فى جانب عظيم من أسطورتها على وعد بسيط - اعمل تكن لك قيمة - تدخل عصرًا قد ينفصل فيه العمل عن القيمة.

ماذا يحدث لمجتمع بنى أخلاقه على الإنتاج حين يصبح الإنتاج ممكنًا بأقل عدد من البشر؟ ماذا يحدث للكرامة إذا لم تعد الوظيفة تحتاج صاحبها؟ ماذا يحدث للسياسة عندما يصبح ملايين الناس محتاجين لا إلى راتب فقط، بل إلى جواب عن السؤال القديم: لماذا أنا هنا؟

لن تجيب الخوارزمية. ولا السوق. ولا الناتج المحلى الإجمالى. ولا مؤشر داو جونز. ولا صاروخ أسرع من الصوت. لأن الإنسان لا يعيش بالمنفعة وحدها. إنه يحتاج إلى أن يشعر بأن وجوده يحدث فرقًا فى وجود شخص آخر. أن طفلًا ينتظره. أن امرأة تحبه. أن شارعا يعرف خطواته. أن مهنة تحتاج يديه. أن وطنًا لا يتذكره فقط عندما يريد صوته أو ضريبته أو جسده فى الحرب.

وهنا يعود المخزنجى فى قصته البديعة الموت يضحك؛ ذلك الحس الذى يرى الموت لا حادثة تقع فى نهاية الطريق، بل ظل يسير إلى جوار الحياة. فقد لا يكون الموت أن يتوقف القلب. قد يكون أن يستمر القلب فى الخفقان، ولا يجد شيئًا يخفق من أجله.

وقد تكون أفدح هزيمة للحضارة التى صنعت الذكاء الاصطناعى وغزت الفضاء وأخضعت الذرة، أنها وقفت أخيرًا أمام إنسان صغير فى مدينة أمريكية صغيرة، فلم تعرف كيف تجيب عن سؤاله البسيط:

هل أنا مهم؟

وفى هذه اللحظة بالذات يضحك الموت.

لا لأنه انتصر.

بل لأننا، فى فرط سعينا إلى صناعة عالم لا يحتاج إلى ضعف الإنسان، كدنا نصنع عالما لا يحتاج إلى الإنسان نفسه. وعندئذ لن تكون المأساة أن الآلات أصبحت تشبهنا. بل أن نبدأ نحن فى التشبه بها: نحسب قيمة الإنسان بما ينتج، ونحسب قيمة الوطن بما يملك، ونحسب قيمة السياسة بما تنتصر عليه وننسى ذلك الشىء الهش الصغير الذى لا يدخل فى الجداول ولا يظهر فى استطلاعات الرأى ولا تستطيع الخوارزمية قياسه: أن يكون المرء ضروريًا لإنسان آخر.

ربما كانت هذه هى المسألة الأمريكية كلها فى هذه اللحظة. أمة بلغت من القوة ما يكفى لتخيف العالم، ثم جلست، فى آخر الليل، خائفة من نفسها. وأمة صنعت من المستقبل صناعة هائلة، ثم راحت تبحث فى الماضى عن مأوى. وأمة تريد أن تكون عظيمة مرة أخرى، بينما السؤال الذى يطرق بابها ليس: كيف نستعيد العظمة؟

إنه أهدأ من ذلك وأفجع: كيف نستعيد الإنسان؟

محمد معوض Mohamed A. Moawad

كاتب وإعلامى أمريكى عربى حائز على جائزة الوكالة الأمريكية للإعلام العالمى (USAGM) أبرز أوسمة التقدير المهنى داخل الإعلام الدولى الأمريكى إضافة إلى جائزة مهرجانات نيويورك للتغطية الإعلامية الإبداعية.

المقالة منشورة بإذن منه.

تعقيب محمد المخزنجى

 محمد المخزنجي

لأن الدنيا عندى صارت تتكون من حكايات،

فإننى أحكى،

بعد ليلة ليلاء:

ليلة السبت 22 أغسطس المنصرم، عصف بى ألم لا يطاق بدأ فى التاسعة مساء، أخذ يسحق نصف وجهى الأيسر، ويصعد قاصفا نصف دماغى الأيسر بصداع لا يُحتمل، وهنا تدخَّل طيف الطبيب الذى كنته، ومعروف أن أسوأ المرضى هم الأطباء حين يمرضون، أخذت أتقافز موجوعا بين التشخيصات: ألم العصب الخامس؟ أم السابع؟ أم ضرس عقل فقد عقله؟ أم التهاب أذن تتجاهل طرقات الألم؟ أم التهاب شريان صدغى لا يجب استبعاده عند كبار السن؟ هل صرت من كبار السن؟! هززت رأسى متعجبا، وبدأت «بلبعة» المسكنات مع امتداد ليل الألم: بنادول اكسترا قرص، بل قرصان، كاتافلام 50 مجم ـ قرص، وقرص ثان، ولم يهدأ الألم إلا فى الساعة السابعة صباحا، غفوت مهدودا نصف ساعة، وصحوت مترنحا. كان هناك «موعد محبة» فى الحادية عشرة نهارا مع الصديق الأقرب ــ مكانا ومكانة ــ «عمرو خفاجى»، والصحفى الشاب «بِشرى عبد المؤمن» الذى يحمل لى هدية مشكورة من رئيس تحرير المصرى اليوم «علاء الغطريفى»: فلاشة عليها صور المقالات العلمية الأدبية التى نشرتها فى الجريدة على امتداد نحو خمس سنوات وتشكل موسوعة فى «الثقافة الثالثة» تزيد عن ألف صفحة، وأعتز بها كثيرا كثيرا..

كان الأرق المعجون بالألم الساحق قد حولنى إلى طيف، فكرت أن أعتذر لعمرو خفاجى وبِشرى، ولم أجد ذلك لطيفا، أخذت دوش ماء باردا عنيفا، وارتديت ثياب الخروج، شربت «مَج موكَّا ساخنة» فى مكانى الأثير بمقهاى الأنيس، لمست بعض العافية قبل الموعد بساعة، ولمحت إشارة رسالة على    «واتساب؟» كانت من عمرو خفاجى أرسلها فى السابعة والنصف صباحا، وبها هذا المقال المنشور على «فيس بوك» الذى ليس لى به صفحة. اجتاحنى العنوان: «الموت يضحك فى واشنطن. هل تنبأ المخزنجى بأمريكا التى نراها اليوم» قرأت فلم يعد هناك ألم! واختفى وهن الليلة الساحقة! صرت حصانا يرمح ويصهل، نشوة وغبطة، فالمقال المكتوب بأسلوب بديع، وطواف مشبع، وغوص فى مياه الحياة الأمريكية العميقة لعموم الناس، لا النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من أهل الحكم والتحكم الطافين على السطح المخادع، كان هدية. ومنتشيا بالهدية بحثت عن مهديها، إنه «محمد معوض»، الكاتب والإعلامى الشاب العربى الأمريكى القدير. لقد جلَّى فى مقالته هذه، ما غيبَته وتغيبه ــ عادة ــ تغطيات التقارير الإعلامية والصحفية والتحاليل السياسية والاقتصادية، فنظرَ مليا فيما تنطوى عليه قلوب ونفوس عموم الناس من قلق وخوف تجاه ما يجد على أرض «الحلم الأمريكى» من ارتجاج ينذر بالكثير الخطير. أما ذروة فرحى بهديته هذه لقصتى وكتابى، فهى تآخيه مع أهم ما اكتسبتُه من المعرفة والتأمل فى حياتى ككاتب وقارئ، وهو: «حِس التناظر!»..

إنه الحِس الذى شكَّل داخلى يقينا بأن هناك قوانين حاكمة فى أمور وظواهر تبدو مختلفة متباعدة، لكننا إذا اجتهدنا فى تأملها، ندرك عميق تشابهها، ونلامس اليقين بأن ما يجمع تشابهها هو هذا «القانون الحاكم» للفعل، وردات الفعل. وأعتقد أن هذه هى جوهرة التناظر التى أمسك بها محمد معوض فى مقاله، إذ ربط ما بين معالجته للحلم الأمريكى الذى ينتفض لقلقه مما يستجد عليه ــ الآن ــ ويهدده، وبين الموت إذ يضحك فى قصتى ــ التى كتبتها منذ اثنين وأربعين عاما ــ عن أفراد أسرة مصرية بسيطة يهوى سقف بيتهم فى عمق ليلة شتوية قارسة، وينذر بانهيار البيت كله على هذه الأسرة، إذ يرتج مع مرور الشاحنات الثقيلة فى الطريق القريب. يحل شبح الموت وما من ملاذ أو معين، فيستقبله أفراد هذه الأسرة بأغرب وأعجب «آليات الدفاع النفسى» إذ يحوِّلون مسرح الموت المنذر بانهيار البيت عليهم ودفنهم تحت أنقاضه، إلى عرض ساخر، يضحك فيه الموت، «ضحكا كالبكا»، لكنه فى عمقه يرتجى الحياة! وهنا نعثر على «النظير» فى مقال «محمد معوض»، فارتجاج الولايات المتحدة المنذر بالمخيف لمن أملوا فى «الحلم الأمريكى»، وبما رصده الكاتب ثاقب التبصر فى «قلق» عيون وصدور وصحو ومنام السواد الأعظم من الأمريكيين، الصناع الحقيقيين لذلك الحلم الأمريكى، هو نظير «قلق» أفراد الأسرة المصرية من نذير انهيار بيتهم المرتج عليهم.

فشكرا لـ «محمد معوض»، وشكرا للشروق إذ تنشر مقالته كما ودَدْتُ، فى صفحة الثقافة، لأن التماس حساسية الأدب فى الصحافة والإعلام والتحليلات السياسية والاقتصادية وغيرها، يضيف روحا نابضا لكل ذلك، وقد بتنا فى حاجة ماسة لإنسانية النبض والروح، فى عالم يجفف بحيرات روحه!

لوحة الصفحة: للفنان العظيم الأليم «فنسنت فان جوخ» استدعتها عندى سطور الكاتب محمد معوض عن: «أمريكا اليوم، التى تبدو لمن ينظر إليها عبر النافذة، بلدا عظيما أصابه نوع غريب من التعب: لم تنقصه القوة، ولكن ينقصه اليقين فى الغاية التى تستحق أن تُستعمل فيها القوة»، ففى أول رسم لهذه اللوحة عام 1882 أسماها فان جوخ التعب، وفى مايو عام 1890 أنجز نسختها (المنشورة صورتها هنا) وأسماها «رجل عجوز واضعًا رأسه بين يديه (عند بوابة الأبدية)»! وكان ذلك قبل شهرين فقط من وفاته ــ أو انتحاره ــ فى يوليو من العام نفسه. فيا لها من استعارة مؤلمة، تنوِّر وتحذِّر، حيث يُرتجَى التنوير، ويتوجب التحذير، لكن.. من يسمع ويرى؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved