إبراهيم المعلم.. الرجل الذى أعطى الكتاب العربى صوتا فى العالم

آخر تحديث: الجمعة 24 يوليه 2026 - 7:26 م بتوقيت القاهرة

- الدراسة تتتبع رحلة ناشر جعل من الكتاب رسالة حضارية، ومن النشر صناعة دولية

- يصعب الحديث عن تاريخ اتحاد الناشرين المصري والعربي والدولي دون أن يحتل المعلم موقعًا بارزًا. فمن القاهرة إلى المنصات الدولية.. كيف صنع إبراهيم المعلم تحولًا تاريخيًا في النشر العربي، ونقل صناعة النشر العربية من المحلية إلى أروقة الاتحاد الدولي؟


قدمت مجموعة الناشرين العرب للاستشارات والدراسات الثقافية والاستراتيجية (APG) دراسة توثيقية تناولت من خلالها مسيرة المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، والرئيس الأسبق لاتحاد الناشرين العرب، وأول عربى يتولى منصب نائب رئيس الاتحاد الدولى للناشرين (IPA)، وأحد أبرز رموز النشر العربى صاحب الإسهام الاستثنائى فى تطوير صناعة الكتاب، وترسيخ العمل النقابى، وتعزيز حضور الناشرين العرب فى المؤسسات والمحافل الدولية.

تأتى هذه الدراسة التى أعدها الناشر خالد قبيعة إيمانا من مجموعة الناشرين العرب، بأن توثيق مسيرة الشخصيات التى صنعت فارقا فى تاريخ النشر ليس مجرد احتفاء بإنجازاتها، بل هو حفظ لذاكرة المهنة، وتوثيق لمرحلة كان لها أثر بالغ فى تطوير صناعة الكتاب العربية وتعزيز حضورها على الساحة الدولية.

وتحت عنوان «إبراهيم المعلم… الرجل الذى أعطى الكتاب العربى صوتا فى العالم.. رحلة ناشر قاد نهضة النشر العربى إلى آفاق العالمية»، تستعرض الدراسة التوثيقية مسيرة إبراهيم المعلم، مستهلةً بالقول: «هناك رجال يكتبون الكتب… وهناك رجال يكتبون تاريخ صناعة الكتاب». ونقدم هنا الدراسة كاملة فى السطور الآتية...

 

إبراهيم المعلم واحد من أبرز رواد صناعة النشر العربية

عندما يُذكر تاريخ النشر العربى الحديث، تتردد أسماء كثيرة، لكن قلةً منها تحولت إلى مدارس مهنية ومؤسسات فكرية يتجاوز أثرها حدود أوطانها. ومن بين هذه القامات يبرز اسم المهندس إبراهيم المعلم، بوصفه واحدا من أبرز رواد صناعة النشر العربية، وصاحب مشروع ثقافى ومهنى امتد لأكثر من نصف قرن، جمع فيه بين الناشر والمفكر والإدارى والدبلوماسى الثقافى والقائد النقابى.

تستند هذه الدراسة إلى الوقائع الموثقة فى سجلات الاتحاد الدولى للناشرين والصحافة المهنية الدولية، وإلى شهادة كاتبها الذى عمل إلى جانب إبراهيم المعلم فى مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب لثلاث دورات متتالية.

البداية.. من دار الشروق إلى منظومة ثقافية متكاملة

قاد المهندس إبراهيم المعلم دار الشروق، إحدى أعرق دور النشر العربية، لتصبح نموذجا يُحتذى فى صناعة الكتاب: جودةً فى المحتوى، واحتراما لحقوق المؤلفين، والتزاما بالمعايير المهنية، وانفتاحا على مختلف المدارس الفكرية والأدبية.

ولم يقف المشروع عند حدود دار نشر، بل توسع إلى منظومة متكاملة شملت سلسلة مكتبات الشروق، والطباعة، والنشر التعليمى، وكتب الأطفال التى كانت الدار من روادها عربيا، وصولا إلى الحضور الصحفى والرقمى. واحتضنت الدار كبار الأدباء والمفكرين العرب، ونشرت آلاف العناوين التى غدت جزءا من الذاكرة الثقافية العربية.

لم يكن نجاحه قائما على التوسع التجارى وحده، بل على إيمانه بأن النشر رسالة حضارية قبل أن يكون نشاطا اقتصاديا، وأن العلاقة مع المؤلف شراكة حقيقية تقوم على حرية الفكر وجودة الإنتاج واحترام الحقوق. وبهذا أسس ما يمكن تسميته «مدرسة الشروق» فى احترام الكاتب.

القيادة النقابية.. اتحادا الناشرين المصريين والعرب

فى عام 1996 انتُخب إبراهيم المعلم رئيسا لاتحاد الناشرين المصريين، وفى العام نفسه رئيسا لاتحاد الناشرين العرب، فى مرحلة كانت فيها صناعة النشر العربية بحاجة إلى قيادة توحّد الجهود وتبنى حضورا عربيا مؤثرا على الساحة الدولية.

وخلال أكثر من عقد من رئاسته للاتحاد العربى، قاد مشروعا إصلاحيا شاملا كان من أبرز ثماره:

● إعادة بناء العمل المؤسسى للاتحاد بصيغته الحديثة، وتوسيع التعاون بين اتحادات الناشرين فى مختلف الدول العربية على قاعدة أن مستقبل النشر العربى يُبنى بالتعاون لا بالتنافس.

● ترسيخ ثقافة الملكية الفكرية والدفاع عن حقوق المؤلف والناشر، ودعم الجهود التشريعية والمهنية لمكافحة القرصنة التى كانت — ولا تزال — من أخطر ما يهدد صناعة الكتاب العربى.

● تطوير معارض الكتاب العربية ودعم مشاركة الناشرين العرب فى المعارض والمؤتمرات الدولية، وتُوّج ذلك بمشاركة العالم العربى ضيف شرف فى معرض فرانكفورت 2004، أكبر منصة دولية لصناعة النشر.

● بناء علاقات استراتيجية مع المؤسسات الثقافية والمهنية العالمية، جعلت الناشر العربى شريكا فى الحوار الدولى حول مستقبل الصناعة لا مجرد متابع له.

المعلم وبجواره عمرو موسى ومجموعة كبيرة من الناشرين خلال الإعداد للمشاركة العربية فى معرض فرانكفورت الدولى للكتاب

 

من القاهرة إلى المنصات العالمية

لم تتوقف المسيرة عند حدود العمل العربى. ففى عام 1996 أصبح إبراهيم المعلم أول عربى يُنتخب عضوا فى اللجنة التنفيذية ولجنة حرية النشر بالاتحاد الدولى للناشرين. وبجهوده ورؤيته انضم اتحاد الناشرين المصريين إلى IPA عام 1998، لأول مرة منذ تأسيس المنظمة الدولية قبل قرن كامل، فاتحا الباب لتمثيل عربى فاعل داخلها.

ثم جاء التتويج فى أكتوبر 2008 بانتخابه أول عربى فى منصب نائب رئيس الاتحاد الدولى للناشرين، وهو المنصب الذى شغله لثلاث دورات متتالية حتى 2014، لعب خلالها دورا بارزا فى الدفاع عن حرية النشر والتعبير، وحماية حقوق المؤلف، ودعم الناشرين فى الدول النامية، وتعزيز الحوار بين أسواق النشر فى الشرق والغرب.

إبراهيم المعلم يفوز بجائزة بطل الاتحاد الدولى للناشرين

 

 

في مواجهة التحديات

لا تكتمل صورة هذه المسيرة دون الإشارة إلى أنها لم تكن طريقا ممهدة. فقد خاض إبراهيم المعلم، من مواقعه المختلفة، معارك حقيقية: ضد قرصنة الكتب وتزويرها، ودفاعا عن حرية النشر فى مواجهة المصادرة والرقابة، وسعيا لتماسك سوق كتاب عربية مجزأة تثقلها أزمات التوزيع والقراءة. وكان فى كل ذلك يجمع بين الصلابة فى المبدأ والهدوء فى الإدارة، وهى المعادلة التى جعلت خصومه قبل زملائه يحترمونه.

إن ذكر هذه التحديات ليس انتقاصا من الإنجاز، بل هو ما يمنحه حجمه الحقيقى.

 



تكريم عالمى مستحق

فى ديسمبر 2024، وخلال المؤتمر الدولى الرابع والثلاثين للناشرين فى غوادالاخارا بالمكسيك، منح الاتحاد الدولى للناشرين المهندس إبراهيم المعلم جائزة IPA Champion Award، وهى من أرفع الجوائز العالمية فى مجال النشر، وتُمنح لمن قدّم عبر مسيرته عطاءً استثنائيا لخدمة الصناعة الدولية للكتاب.

وفى كلمة التسلّم، عبّر المعلم عن امتنانه لتكريم يأتى من زملاء المهنة التى أحبها وكرّس لها أكثر من خمسين عاما، عمل خلال ثلاثين منها مع الاتحاد الدولى وداخله، واصفا رحلته بأنها كانت حافلة بالتحديات، محفوفة أحيانا بالمخاطر، لكنها مجزية فى مجملها.

لم يكن هذا التكريم احتفاءً بشخصه فحسب، بل اعترافا عالميا بالدور الذى بات الناشر العربى قادرا على أدائه فى تطوير صناعة النشر الدولية.

إبراهيم المعلم وجائزة بطل الاتحاد الدولى للناشرين

الإرث

تكمن عظمة الشخصيات المؤثرة فى أنها لا تبنى مؤسسات فحسب، بل تبنى أجيالا. ويتلخص إرث إبراهيم المعلم فى ثلاثة أبعاد:

● مهنيا: ترسيخ مفهوم النشر بوصفه رسالة حضارية، وتحويل احترام المؤلف وحقوقه من شعار إلى ممارسة مؤسسية.

● نقابيا: نقل العمل المهنى العربى من نطاقه التقليدى إلى فضاء مؤسسى منفتح، وتكوين جيل من القيادات المهنية واصل خدمة الكتاب والثقافة فى الوطن العربى.

● دوليا: إيصال الصوت العربى إلى مواقع صناعة القرار فى المنظمات الدولية، وجعل الثقافة العربية جزءا من الحوار الثقافى العالمى.

شهادة وخاتمة

حظيتُ بشرف العمل إلى جانب المهندس إبراهيم المعلم خلال رئاسته لاتحاد الناشرين العرب، عضوا فى مجلس إدارة الاتحاد لثلاث دورات متتالية، ورئيسا للجنة المعارض العربية والدولية فيه. ورأيته عن قرب قائدا يمتلك رؤية استراتيجية وإدارة هادئة وإيمانا عميقا برسالة الكتاب. تعلمتُ منه — كما تعلم كثيرون — أن المؤسسات تُبنى بالصبر، وأن الرأى الآخر يُحترم، وأن تمثيل النشر العربى أمام العالم مسئولية تستحق أعلى درجات الاحتراف. وأشهد أن مستقبل النشر العربى كان فى قناعته يُبنى بالتعاون بين الناشرين لا بالمنافسة بينهم، وبالانفتاح على العالم، وبالالتزام بأخلاقيات المهنة. إن توثيق هذه المسيرة ليس تكريما لشخص، بل توثيق لمرحلة مفصلية فى تاريخ الثقافة العربية، ورسالة إلى الأجيال الجديدة بأن صناعة الكتاب تحتاج إلى قادة يجمعون بين الفكر والالتزام والرؤية والعمل المؤسسى. وستبقى سيرة إبراهيم المعلم صفحة مضيئة فى هذا التاريخ، وشاهدا على أن الكتاب العربى يصل إلى العالم حين يجد من يؤمن برسالته ويعمل لها بإخلاص.


هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved