جدد شبابها وتركها في أزمة مع السادات.. حكاية هيكل مع الأهرام

آخر تحديث: الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 12:33 م بتوقيت القاهرة

محمد حسين

تمر ذكرى ميلاد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر؛ فكان مولده في مثل اليوم من عام 1923، وذلك في حي الحسين العريق بالقاهرة، ودرس هيكل في الجامعة الأمريكية، والتحق بالعمل في بداية مشواره الصحفي الذي زاد على 75 عاما بجريدة "الإجيبشيان جازيت" التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية وكانت ذات رواج وانتشار كبير في وقت تواجد الجاليات الأجنبية بمصر والمتابعة الكبيرة لمجريات الحرب العالمية الثانية في بداية الأربعينيات من القرن الماضي.

وبعد الإجيبشيان جازيت كانت مجلة "آخر ساعة" هي محطة هيكل الثانية في الصحافة المصرية؛ حيث تلقى نصيحة من صاحبها الكاتب الصحفي محمد التابعي، الذي قال لهيكل: "أنا كاتب عربي ولا بد أن يكتب للقارئ العربي باللغة العربية، وأن الجازيت سيأفل نجمها ويتراجع توزيعها وشهرتها بعد نهاية الحرب"، لذا كان قرار هيكل أن يغادر ساحات الحرب ومعاركها لمسارح القاهرة وبرلمانها في تجربة اقترب خلالها من رموز الفن، وأصبح صديقا لنجيب الريحاني ورجال السياسة وزعماء الأحزاب.

وبعد شهرة كبيرة ونجاح منقطع النظير، كان هيكل في قلب أخبار مؤسسة "أخبار اليوم" بعد أن اشترى مالكاها علي ومصطفى أمين مجلة "آخر ساعة" لتندرج تحت المؤسسة، وطلب هيكل في البداية أن يغادر "آخر ساعة" إلى "أخبار اليوم"، لكن التابعي أقنعه مجددا بألا يتركه وحده ويكون مرافقه في أخبار اليوم.

وقضى هيكل في أخبار اليوم سنوات بدايات ثورة يوليو إلى تأميم القناة وحرب السويس عام 1956، والتي يقول عنها: "كانت السنوات العشر التي قضيتها في أخبار اليوم (1946 - 1956) سنوات خصبة، وفيها وضعت الأساس لأي شيء يمكن أن أصل إليه مهنيا، وفيها عرفني الناس وقرأوا لي، وفيها وصلت بالفعل إلى مكان الرجل الثالث بعد صاحبيها".

ليدخل هيكل بعدها في تجربته الأكثر شهرة لدى محبيه، وهي رئاسة تحرير "الأهرام"، أعاد لها مجدها، وكان مقاله الأسبوعي "بصراحة" بابا لقارئه للاطلاع على تحليلات والكواليس في ظروف دقيقة من سنوات النكسة مرورا بالإعداد لمعركة النصر في حرب أكتوبر 1973، لكن خلافا مع الرئيس الراحل أنور السادات أبعد هيكل عن الأهرام ليكون بعدها كاتبا حرا لكبرى صحف العالم ومؤلفا لكتب كان ينتظرها القارئ العربي بشغف، وتتلقفها دور النشر الأجنبية لترجمتها إلى لغات عديدة، ما رسخ مكانة هيكل كواحد من أشهر الصحفيين في العالم بالقرن العشرين.

وفي ذكرى ميلاد هيكل، نقترب من تجربته مع الأهرام منذ أن بدأت وحتى انتهت، حسب ما وثقها في فصول كتابه "بين الصحافة والسياسة" الصادر عن "دار الشروق".

الجمهورية.. مشروع صحافة يوليو الذي اعتذر هيكل عن أن يشترك فيه

يقول هيكل في كتابه: "حين فكرت الثورة في إصدار جريدة تعبر عنها وهي جريدة الجمهورية طلب إلى جمال عبدالناصر أن أتولى الإشراف على إصدارها، واعتذرت وكانت وجهة نظري: إني متمسك بأخبار اليوم وأعمل فيها وصداقتي مع أصحابها، ثم إن الفارق بين الثورة والحكومة ضاع في النهاية فليست هناك صحيفة ستصدر عن الثورة وإنما عن الحكومة - وأنا لا أتصور نفسي في جريدة حكومية، وثالثا فإن الثورة لا تحتاج جرائد تعبر عنها، لأن كل صحافة مصر تفعل هذا الشيء، وأسباب أخرى في نفس الاتجاه".

التحليل العميق قبل الإثارة.. هيكل ورؤية لإصلاح أخبار اليوم

يضيف هيكل: "ولقد كان اعتذاري عن مشروع الجمهورية سببا أضيف إلى دواعي الربط بيني وبين أصحاب أخبار اليوم، هذا في الوقت الذي كنت أحاول فيه جاهدا أن أعيد الإلحاح على بعض المسائل القديمة التي كنت أراها وأعيش داخلها، وأولها ضرورة التحول في نظام أخبار اليوم إلى إدارة مؤسسية وضرورة الاتجاه إلى تغطية بالعمق للأحداث والموضوعات مع كل تقديري لعوامل الإثارة والخفة".

الأهرام.. عرض لإنقاذ جريدة عريقة من الموت بالشيخوخة

وعن عرض الأهرام يروي هيكل: "وفي سنة 1955 وفي لقاء في نادي الجزيرة مع علي الشمسي باشا، رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي ورئيس مجلس إدارة الأهرام وقتها، تلقيت عرضا لرئاسة تحرير الأهرام، كان علي الشمسي باشا قد ألح علي للعمل في الأهرام سنة 1951، وكان المنصب الذي عرضه علي وقتها هو منصب مساعد رئيس التحرير، واعتذرت، والآن سنة 1955 كان علي الشمسي باشا يعرض علي منصب رئيس التحرير واعتذرت مرة ثانية، وفي ربيع سنة 1957 عاد الشمسي (باشا) يلح علي ويبدي لي في إلحاحه أسبابا كثيرة، بينها أن الأهرام سوف يكون امتحانا حقيقيا لي أستطيع عمله كصحفي، هذه جريدة شاخت مع الأيام ولو استطعت تجديد شبابها وإعادة الحيوية إليها لأثبت نفسي مستقلا، ومن ناحية أخرى فقد كان الشمسي (باشا) يرى أن الأهرام مؤسسة قومية ولا ينبغي تركها تموت بالشيخوخة، أمام منافسة الصحف الشابة الجديدة، وهي تخسر أموالا طائلة وقد يفكر أصحابها في إغلاقها أو في بيعها، وهذه كارثة حتى على مستوى تاريخ الصحافة نفسه".

عقد بالأحرف الأولى.. خطوات هيكل نحو الأهرام

وواصل هيكل: "ولأسباب متعددة وقتها وجدتني أسمع باهتمام إلى علي الشمسي باشا، ثم وجدتني أذهب إلى صديق أثق به وهو شيخ المحامين الأستاذ مصطفى مرعي، وتحمس الأستاذ مصطفى مرعي وقال لي إنه سيكون محاميا في التعاقد مع أصحاب الأهرام، وبالفعل ذهبت معه لعدة لقاءات مع عضو مجلس الإدارة المنتدب للأهرام وقتها وهو الأستاذ ريمون شميل، وتقدمت محادثاتنا إلى درجة كتابة عقد وقعنا عليه بالأحرف الأولى تسجيلا للنوايا وتمهيدا لاتفاق نهائي، ثم رجوت ترك الموضوع حيث هو حتى أتحدث فيه مع أصحاب أخبار اليوم".

صراع بين العقل والمشاعر

يستكمل هيكل: "كانت مشاعري بها نوازع شتى في تلك الأيام من شهر مايو 1957؛ بعقلي لم أكن بعيدا عن الاقتناع بكل الحجج التي ساقها لي علي الشمسي باشا حين عرض علي رئاسة تحرير الأهرام: التحدي المهني مثلا في مشكلة جريدة ذات ماض عريق ومستقبل محفوف بالشكوك إلا إذا حدث شيء يوقف تآكل الصدأ، ثم تحقيق الذات في مجال مستقل يمتحن فيه كل شيء من جديد".

قارئ واحد وكاتب واحد.. كيف نشأ الخلاف بين هيكل والسادات

ووفقا لكتاب "الأستاذ ينصرف" للكاتب حازم عوض، عبر السادات عن عمق خلافاته مع هيكل في أول حديث له بعد توليه حكم مصر، وكان يحضره هيكل ضمن مجموعة من الصحفيين المصريين، وقال السادات موجها حديثه لهيكل: "تفتكر إن الناس في مصر هيفضلوا لفترة طويلة يقرأون لصحفي واحد فقط.. هو هيكل؟.. المفروض إن ده وضع لازم يتغير وفورا"، ولم يمهله هيكل كي يكمل جملته، فرد عليه غاضبا: "على أية حال إن كان كلامك ده حقيقي وإن الناس كانت بتقرأ في الصحف لكاتب واحد فهذا وضع أحسن مما هو حادث الآن، فإن كل الصحفيين في مصر يكتبون لقارئ واحد.. هو السادات".

أسلوب تفاوض إسرائيل.. مقال البلبلة

ويصف هيكل شعوره عندما غادر "الأهرام" لآخر مرة في الحوار الذي أجراه معه عماد الدين أديب على القناة الثانية بشبكة "أوربت"، قائلا: "صدر قرار إقالتي من الأهرام يوم 2 فبراير 1974، ولم يكن مفاجأة بالنسبة لي، بل إنني بالفعل كنت قد أخذت جميع أوراقي من هناك قبل صدور القرار؛ لأنه كان واضحا أن القرار سيتم اتخاذه في أية لحظة بعد حدوث تباين في المواقف عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 1973".

لا هذا ولا تلك

وواصل هيكل: "وقبل ذلك كانت هناك مشاكل بيني وبين الرئيس السادات، لكن كلها من النوعية التي تحتمل الاختلاف والاتفاق، وعقب وقف إطلاق النار ووصول هنري كسينجر، وزير الخارجية الأمريكي، إلى مصر 9 نوفمبر 1973، أصبح واضحا لي أنني إذا كنت سأستمر في نفس نهج الكتابة الذي التزمت به، فيجب أن أترك رئاسة الأهرام، وللإنصاف فإن الرئيس السادات حذرني قبل أن يتخذ القرار، فقد كتبت مقالة بعنوان: "أسلوب التفاوض الإسرائيلي" انتقدت فيها بشدة أسلوب التفاوض المصري، فطلب السادات مقابلتي، وأبلغني أن ما أكتبه يسبب بلبلة في الرأي العام، وأن صفتي السياسية غلبت على صفتي الصحفية، في هذا اليوم أشار السادات إلى حقيبته وقال إن استقالة حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي، موجودة في هذه الحقيبة وأمامك خياران: إما أن تدخل مجلس الوزراء كوزير أو تدخل الرئاسة كمستشار للأمن القومي".

وأكمل: "فرفضت على الفور، ولكنه طلب مني التمهل والتفكير، بعدها تقابلت مع السادات عندما كنت أقدم له لأول مرة فرانسوا ميتران، الذي كان وقتها رئيسا للحزب الاشتراكي، ولم يتول بعد رئاسة فرنسا، بعد انتهاء المقابلة التي استمرت 3 ساعات، كنت أستعد للانصراف مع ميتران، لكن السادات ناداني وسألني: هل اخترت الوزارة أم الرئاسة؟! فقلت له: لا هذه ولا تلك".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved