التصالح فى مواجهة تعقيدات التطبيق.. تعديلات حكومية لإنقاذ الملفات المتعثرة
آخر تحديث: الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة
شريف حربى
- الحكومة تبحث إجراء تعديلات تشريعية لمعالجة جوانب الأزمة.. ومواطنون: الملف دخل فى مراحل ومراجعات ولا نعلم متى سينتهى
- مصدر حكومى: مليون طلب لم يستوف أصحابها الإجراءات.. ومقترحات للسماح باستكمال بعض الأعمال بعد نموذج «8»
- محافظ الإسكندرية الأسبق: «نموذج 8» يحتاج إلى نص تشريعى واضح.. والنائب إيهاب منصور: «الشباك الواحد» ضرورة
بعد نحو 3 سنوات من صدور قانون التصالح فى بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها رقم 187 لسنة 2023، لا يزال ملف التصالح يواجه تحديات فى التطبيق العملى، سواء بالنسبة إلى ملفات لم يستكمل أصحابها المستندات والإجراءات المطلوبة، أو طلبات دخلت مراحل الفحص واللجان الفنية وتأخرت فى إنهائها، فضلًا عن إشكاليات أخرى ظهرت بعد صدور نموذج التصالح رقم (8).
ومع استمرار هذه التحديات، تتحرك الحكومة نحو إدخال تعديلات تشريعية جديدة على القانون، بعدما استعرض مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، فى 14 سبتمبر الجارى، عدد من المقترحات التى تستهدف معالجة المشكلات التى ظهرت خلال التطبيق الفعلى، وتوفير مزيد من التيسيرات للمواطنين لاستكمال ملفات التصالح.
وفى الوقت الذى تبحث فيه الحكومة عن تعديلات تشريعية لمعالجة جوانب من الأزمة، تكشف جولة «الشروق» فى القاهرة والجيزة عن جانب آخر من الملف، يتمثل فى شكاوى مواطنين من طول الإجراءات، وعدم وضوح موقف بعض الملفات، وتعدد مراحل الفحص، فضلًا عن تساؤلات حول الحقوق التى يحصل عليها المواطن بعد إتمام التصالح والحصول على نموذج (8).
وفى منطقة المرج بالقاهرة، يقول محمد أبوحسين، أحد المواطنين المتقدمين للتصالح: «قدمت الورق وسددت الرسوم المطلوبة، لكن فوجئت أن الملف دخل فى مراحل ومراجعات مختلفة، وفى كل مرة أسأل عن موقفى أجد إجراء جديد أو مستند مطلوب».
ويضيف أبوحسين لـ«الشروق»: «لست معترضًا على أن الدولة تراجع المخالفة أو تتأكد من سلامة المستندات، لكن المطلوب إن الإجراءات تكون واضحة، والمواطن يعرف أين يقف ملفه ملفه وعند من؟ وما المطلوب منه تحديدا؟ بدلًا من الذهاب والعودة بين أكثر من جهة».
وفى حلوان، يرى عفت السوهاجى، أن الحصول على نموذج «8» لم يكن بالنسبة إليه نهاية المطاف، موضحًا: «كنت أعتقد أن الحصول على نموذج رقم 8 يعنى أن كل شىء انتهى، لكن ظهرت لى مشكلة مرتبطة بوضع المبنى واستكمال الأعمال».
ويضيف السوهاجى لـ«الشروق»: «أنا متصالح على المخالفة القائمة، لكن عندما احتجت للتعامل مع موضوع استكمال البناء اكتشفت أن نموذج 8 فى وضعه الحالى لا يعنى أن المواطن يستطيع البناء أو يستكمل أعمال جديدة».
وتبرز هذه النقطة تحديدا ضمن الملفات التى تبحث الحكومة معالجتها تشريعيا، فى ظل الحاجة إلى تحديد أوضح لما يمكن للمواطن القيام به بعد إتمام التصالح، خاصة فى الحالات التى توقفت فيها أعمال البناء قبل إنهاء إجراءات تقنين الوضع.
أما مواطن ثالث بأحد أحياء القاهرة، فضل عدم ذكر اسمه، يلخص مشكلته فى طول الإجراءات وتعدد مراحل التعامل مع الطلب، قائلًا: «المشكلة بالنسبة لى ليست فى فكرة التصالح نفسها، لكن فى طول الرحلة؛ بتقدم الأوراق، ثم انتظار الفحص، ثم اللجنة، ثم اعتماد النموذج، وإذا كان هناك اختلاف فى البيانات أو فى احتياج لتعديل شئ، تشعر أن الملف يرجع خطوة للورا".
ويضيف لـ«الشروق»: «المواطن يحتاج مكان واحد يعرف منه موقف ملفه بالكامل، وما الذى انتهى وما الشئ الذى لم ينتهى، ومن المسؤول عن المرحلة التالية».
ولا تأتى هذه الشكاوى بمعزل عن الواقع الإدارى، إذ أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة، فى 19 سبتمبر الجارى، إنهاء 833 معاملة متأخرة خلال حملات تفتيش مفاجئة على عدد من الأحياء والمدن فى القاهرة والقليوبية والجيزة، ضمن إجراءات تستهدف رصد أوجه القصور والتعامل معها.
وفى محافظة الجيزة، يقول حسين أبوعلم، من مركز ومدينة الوراق، إنه استكمل الإجراءات المطلوبة منه، إلا أن ملفه ظل فى مرحلة اللجنة الفنية، موضحًا: «قدمت طلب التصالح واستكملت المطلوب منى، لكن الملف دخل مرحلة اللجنة الفنية وظل فترة دون معرفتى بموعد الانتهاء منه"، وتابع: "كل ما احتاجه هو معرفة موقف الملف بشكل واضح؛ وهل هناك ورق آخر مطلوب؟، وهل هناك معاينة؟، وهل القرار تم تأجيله؟".

أما على ندا، من منطقة إمبابة بالجيزة، يرى أن الإشكالية بالنسبة إليه لا تتوقف عند إنهاء إجراءات التصالح، وإنما تمتد إلى معرفة الوضع القانونى للعقار وما يمكن استكماله من أعمال، قائلًا: «عندى مبنى قائم وعايز أوفق أوضاعه، لكن فى نفس الوقت محتاج أعرف هل أقدر أكمل الأعمال اللى توقفت ولا لأ».
ويضيف ندا لـ«الشروق»: «الحصول على نموذج التصالح مهم، لكن المواطن يحتاج معرفة حقوقه بعد النموذج، الموضوع بالنسبة لنا ليس مجرد ورقة؛ لكن شقة وفلوس تم دفعها، ونريد معرفة موقف العقار قانونيًا، وما هو المسموح عمله بعد ذلك».
ويشير ندا كذلك إلى أن توقف الملف أو ظهور مستندات جديدة يمثل مصدر قلق للمواطن، قائلًا: «أكتر حاجة بتخوف المواطن إن الملف يتوقف أو تظهر مشكلة فى المستندات ويضطر يبدأ الإجراءات من جديد»، ويضيف: «أنا دفعت رسومًا وقدمت مستندات واستغرقت وقت فى الإجراءات، وبالتالى لو فيه ورقة ناقصة أو تعديل مطلوب، المفروض يتم إبلاغى به بشكل محدد وأستكمله، مش أرجع إلى نقطة الصفر».
على الجانب الآخر، قال مصدر حكومى، إن الحكومة تعتزم طرح مجموعة من التعديلات التشريعية على مجلس النواب خلال دور الانعقاد المقبل، المقرر أن يبدأ فى أكتوبر، موضحًا أن المقترحات ستخضع للمناقشة البرلمانية، مع إمكانية إضافة مقترحات أخرى من أعضاء المجلس وفقًا لما جرى رصده من مشكلات خلال التطبيق.
وأوضح المصدر، فى تصريحات لـ«الشروق»، أن التعديلات المقترحة من جانب مجلس الوزراء تستهدف تسريع إجراءات التصالح ومعالجة عدد من الثغرات التى ظهرت أثناء التنفيذ، ومن بينها الإشكالية المرتبطة بنموذج «8»، بما يحقق مزيدًا من الوضوح أمام المواطنين والجهات الإدارية.
وتابع: تتضمن المقترحات، بحث السماح باستكمال بعض أعمال البناء للحاصلين على نموذج «8» أو «10»، فى حالات وضوابط محددة، إلى جانب بحث أوضاع بعض الجراجات وتغيير استخدامها وفقا لضوابط، وإعادة النظر فى اشتراط تشطيب الواجهات الخارجية فى بعض الحالات، فضلًا عن مد فترة العمل بالقانون ومراعاة الفئات الأولى بالرعاية من خلال تخفيض أو إعفاءات من بعض الرسوم وفق الضوابط التى ستحددها التعديلات.
وأكد أن هناك جانبًا آخر من الأزمة يتعلق بالملفات التى لم يستكمل أصحابها الإجراءات المطلوبة، مشيرًا إلى وجود نحو مليون طلب تتضمن مستندات أولية، من بينها صور بطاقات الرقم القومى، دون استكمال باقى المستندات والإجراءات.
وأضاف أن الجهات المعنية وجهت مراسلات وخطابات إلى أصحاب هذه الملفات لحثهم على استكمال الإجراءات، موضحًا أن عدم استكمال المستندات يمثل أحد أسباب استمرار بعض الملفات دون حسم.
وبذلك، يرى المصدر أن أزمة التصالح لا ترتبط فى جميع الحالات بأداء الإدارة المحلية وحدها، فهناك ملفات لم يستكمل أصحابها الإجراءات، بالتوازى مع شكاوى أخرى من المواطنين بشأن طول الإجراءات وتعدد الجهات المطلوبة لإنهاء الطلب.
من جانبه، قال رضا فرحات، محافظ الإسكندرية الأسبق، إن الإشكالية المرتبطة بنموذج «8» تحتاج إلى تدخل تشريعى واضح، موضحًا أن النموذج يمثل المرحلة النهائية لإتمام إجراءات التصالح، إلا أن بعض المواطنين الذين بدأت أعمال البناء الخاصة بهم قبل استكمال إجراءات التصالح وجدوا أنفسهم أمام تساؤلات بشأن إمكانية استكمال أعمالهم بعد الحصول عليه.
وأشار فرحات، فى تصريحات لـ«الشروق»، إلى أن القانون السابق رقم 17 لسنة 2019 كان يتضمن تنظيم أكثر وضوح فى بعض الحالات المتعلقة باستكمال الأعمال بعد التصالح، بينما لم يحسم القانون الحالى بصورة صريحة جميع صور استكمال البناء، مثل صب الأسقف أو استكمال الحوائط أو بعض الأعمال المرتبطة بالدور محل التصالح.
وتابع: «المواطن قد ينتهى من إجراءات تقنين المخالفة، لكنه لا يجد بالضرورة إجابة تشريعية واضحة عن الخطوة التالية»، مشددًا على أن الحل يحتاج إلى نص تشريعى صريح يحدد حقوق المواطن والتزاماته بعد إتمام التصالح، بما يمنع اختلاف التفسيرات بين الجهات المحلية ويضع قواعد موحدة للتعامل مع الحالات المماثلة.
وفى السياق ذاته، تقدم إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، بمشروع قانون يتضمن 11 بندًا لمعالجة مشكلات التصالح، مشيرًا إلى وجود مشروعات قوانين أخرى مقدمة من أعضاء المجلس، وأن المناقشات المقبلة ستحدد الصيغة النهائية التى يمكن أن تخرج بها التعديلات.
وأكد منصور، فى تصريحات لـ«الشروق»، ضرورة تطبيق منظومة «الشباك الواحد»، معتبرًا أن المواطن لا يزال يضطر فى بعض الحالات إلى التنقل بين أكثر من جهة لإنهاء الإجراءات، وهو ما يزيد من صعوبة الرحلة ويطيل المدة اللازمة لحسم الملف.
من جهته، قال الحسين حسان، خبير التنمية الحضارية، إن إنهاء مئات المعاملات المتأخرة وتسليم نماذج التصالح للمواطنين خلال حملات التفتيش الأخيرة يكشف فى الوقت نفسه أن جزءًا من الملفات ظل لفترات داخل مراحل الإجراءات قبل الانتهاء منه.
وأضاف حسان لـ«الشروق»، أن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى مسارين متوازيين، الأول تعديل النصوص التى أثبت التطبيق حاجتها إلى إعادة النظر، والثانى تشديد المتابعة على الوحدات المحلية لإنهاء الملفات فى المواعيد المقررة، بالتزامن مع إلزام أصحاب الطلبات باستكمال المستندات المطلوبة.
من جانبه، قال صبرى الجندى، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، إن ملف التصالح على مخالفات البناء لا يزال يسير بوتيرة أبطأ من المتوقع، رغم التسهيلات التى تضمنها القانون الجديد، مشيرًا إلى أن هناك حاجة إلى إجراءات أكثر حسمًا لتسريع إنهاء هذا الملف الذى تم تعديله أكثر من مرة دون تحقيسق أهدافه.
وأشار الجندى لـ«الشروق» إلى ضرورة فرض عقوبات رادعة على العاملين بالإدارات المحلية والقائمين على تطبيق القانون، قبل توقيع العقوبات على المواطنين المخالفين، خاصة فى ظل وجود عدد كبير من الطلبات، مطالبا بإعلان إجمالى أعداد طلبات التصالح التى تم البت فيها، وإخطار المواطنين بنتائج طلباتهم، فى ظل وجود شكاوى من تأخر بعض الإدارات المحلية فى إنهاء الملفات.
وطالب الحكومة بتنظيم دورات تدريبية مكثفة للعاملين بالإدارات المحلية لتعريفهم بالقانون وآليات تنفيذه، إلى جانب المتابعة الدورية لأعمال لجان البت فى طلبات التصالح وحثها على سرعة إنجاز الملف.