سويسرا وسياسة الحياد.. كيف أصبحت وجهة للمفاوضات الأمريكية الإيرانية؟

آخر تحديث: الإثنين 22 يونيو 2026 - 11:50 ص بتوقيت القاهرة

أدهم السيد

تصدرت سويسرا المشهد مجددًا مع استضافتها المباحثات الأمريكية الإيرانية بشأن التوصل إلى اتفاق سلام، لتضيف هذا الحدث إلى سجل طويل من المحطات الدبلوماسية البارزة، خاصة في قضايا الشرق الأوسط، حيث ظل اسم الدولة المحايدة حاضرًا بقوة بفضل شبكة علاقاتها الدولية الواسعة التي جعلتها وجهة مفضلة للمفاوضات الحساسة بين الدول.

وتستعرض جريدة الشروق أبرز المحطات التاريخية التي نقلت سويسرا من كونها أرضًا للمحاربين إلى مركز عالمي للمصالحة بين الخصوم، وذلك استنادًا إلى ما ورد في تقارير "سويس إنفو" و"هيستوري"، إلى جانب مجلتي التاريخ العسكري والقانون الدولي، وصحيفة "لو تمبس" الفرنسية.


قبائل الرعاة وبداية الحياد

ظهرت سويسرا متأخرة نسبيًا على خريطة التاريخ الأوروبي، إذ جعل موقعها وسط جبال الألب منها منطقة غير جذابة سوى لرعاة الماشية، لتبقى قبائلها على الهامش حتى بدايات القرن الرابع عشر، حين أثار ثراء الرعاة انتباه جباة الضرائب في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي قررت غزو المنطقة. وفي مواجهة هذا التهديد، تأسس أول كيان سويسري من اتحاد قبائل متعددة للدفاع عن أراضيها، ليستمر هذا الاتحاد دون سلطة مركزية موحدة.


ورغم غياب الدولة المركزية، لم يغب السويسريون عن الساحة العسكرية، إذ اشتهروا كجنود مرتزقة يتمتعون بالانضباط وقوة المشاة، بل وخاضوا محاولات توسعية على حساب إيطاليا. غير أن هزيمتهم أمام المدفعية الفرنسية في معركة ميلادونين عام 1515 شكلت نقطة تحول، دفعتهم نحو تبني سياسة الحياد لعدم قدرتهم على مجاراة القوى الكبرى المحيطة بهم.

وساهمت الصراعات الطائفية بين البروتستانت والكاثوليك داخل الاتحاد في تعزيز هذا التوجه، حيث سعت سويسرا بعد حرب أهلية قصيرة إلى تجنب الانخراط في حرب الثلاثين عامًا الأوروبية، ليظل حيادها قائمًا بشكل غير رسمي حتى إقراره دوليًا في معاهدة باريس عام 1815، التي نصت على عدم تدخلها في النزاعات ومنع مرور الجيوش عبر أراضيها.

حروب عالمية وتمسك بالحياد

خلال الحرب العالمية الأولى، وجدت سويسرا نفسها محاطة بدول متحاربة، وسط توترات داخلية بسبب تنوع أصول سكانها، فاختارت الحياد حفاظًا على استقرارها، وهو ما أدى لاحقًا إلى اختيار جنيف مقرًا لعصبة الأمم.

واستمر هذا النهج في الحرب العالمية الثانية، فعلى الرغم من ميلها للحلفاء، رفضت السماح للطائرات الأمريكية بعبور أجوائها لقصف ألمانيا، بل واحتجزت الطيارين الذين خالفوا ذلك، تأكيدًا على التزامها الصارم بالحياد.

سويسرا ودبلوماسية الوساطة

اكتسبت وزارة الخارجية السويسرية شهرة واسعة بما يُعرف بـ«المكاتب الخيرية»، لدورها في الوساطة بين الدول المتنازعة. ومن أبرز هذه الجهود مبادرة أواخر الحرب العالمية الأولى للتوسط بين ألمانيا وروسيا. وخلال الحرب العالمية الثانية، كُلفت سويسرا من نحو 200 دولة بإدارة مصالحها داخل دول معادية، واستمر هذا الدور خلال الحرب الباردة لصالح نحو 60 دولة، من بينها مصر والهند وباكستان، قبل أن يتراجع العدد حاليًا إلى نحو 7 دول أبرزها إيران وكوبا.

بعيدة عن التحالفات الدولية

تُعرف سويسرا بتحفظها تجاه الانضمام إلى التكتلات الدولية، إذ امتنعت عن دخول الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، وظلت خارج الأمم المتحدة حتى عام 2002، حين وافق الشعب عبر استفتاء على الانضمام إلى المنظمة الدولية.

متى تخلت عن الحياد؟

ورغم سجلها الطويل في الحياد، شهدت سويسرا بعض المواقف التي أثارت الجدل، مثل مشاركتها في مهام بأفغانستان، وفرضها عقوبات على روسيا عام 2022 بعد غزو أوكرانيا، ما أدى إلى رفض موسكو أي وساطة سويسرية. كما اتخذت قرارًا في 2025 بتصنيف حركة حماس كمنظمة إرهابية وحظر نشاطها داخل أراضيها لمدة 5 سنوات، رغم دورها السابق في وساطات بين الفصائل الفلسطينية، ومنها مبادرة "الورقة السويسرية" عام 2016 بين فتح وحماس.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved