كيف تبني الولايات المتحدة وأوكرانيا قوة كبرى في مجال الطائرات المسيّرة؟
آخر تحديث: الأحد 20 سبتمبر 2026 - 9:40 ص بتوقيت القاهرة
واشنطن - (د ب أ)
تتنافس الولايات المتحدة وأوكرانيا على توسيع نطاق التعاون في مجال الطائرات المسيرة، في وقت أصبحت فيه هذه الأنظمة عنصرا أساسيا في الحروب الحديثة، لما توفره من قدرات في الاستطلاع والهجوم والدفاع الجوي.
وتتمتع أوكرانيا بخبرة واسعة في تطوير واختبار الطائرات المسيّرة نتيجة الاستخدام المكثف لها في الحرب مع روسيا، بينما تمتلك الولايات المتحدة قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة يمكن أن تساعد في توسيع إنتاج هذه الأنظمة وتطويرها. ويطرح هذا الواقع إمكانية إقامة شراكة تجمع بين الخبرة الميدانية الأوكرانية والقدرات الصناعية الأمريكية.
هذا ما أكده جون درينان وماكسيم سكريبشينك، وهما باحثان في الشئون الدولية والأمنية ولهما خبرة في مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية وأوكرانية، وذلك في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية.
ويقول الباحثان، إنه من السهل شراء الطائرات المسيّرة، لكن شراء ما يجعلها فعالة ليس بالأمر السهل. فقد وقعت الولايات المتحدة وأوكرانيا بيان نوايا محدودا بشأن اختبار الطائرات المسيّرة، لكنهما لم توقعا اتفاق الطائرات المسيّرة الأوسع الذي كان قيد المناقشة، والذي قدر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قيمته بما يتراوح بين 35 و50 مليار دولار.
ويرى الباحثان أنه حتى في حال إتمام اتفاق الطائرات المسيّرة، فإنه سيكون نقطة انطلاق وليس نهاية المطاف. فكل طائرة مسيّرة لا تكون مفيدة إلا بقدر الخبرة والمنظومة التي تقف وراءها. وينبغي لواشنطن وكييف بناء شراكة في تكنولوجيا الدفاع حول هذا الاتفاق، تجمع بين القدرة الصناعية الأمريكية والوصول المستمر إلى حلقة التعلم التي توفرها أوكرانيا من ميدان المعركة. وإذا بُنيت هذه الشراكة على هذا النحو، فإنها ستضع المصانع والعمال الأمريكيين في قلب صناعة الدفاع الأسرع تطورا في العالم.
وتتمثل إحدى أكثر العملات قيمة في ساحة المعركة الأوكرانية في سرعة دورة الابتكار. فالوحدات الأوكرانية الموجودة على الخطوط الأمامية تحدد المشكلات، ويجري المهندسون التعديلات، ويدخل المصنعون تغييرات على الإنتاج، ثم يختبر الجنود النتيجة تحت نيران القتال.
وتنتشر الأنظمة لأنها تتسبب في سقوط قتلى وجرحى روس أو تنقذ أرواح الأوكرانيين، لكن حتى أكثر الأنظمة فتكا يمكن أن يصبح متقادما خلال أسابيع مع تكيف القوات الروسية. ولا يستطيع أي مختبر في وقت السلم محاكاة هذه الدرجة من الاستعجال، إذ يعمل المهندسون الأوكرانيون بنظام ورديتين متتاليتين لأن كل تأخير يكلف أرواحا، وذلك في ورش تستهدفها روسيا نفسها. وقد دخلت عدة شركات غربية لصناعة الطائرات المسيّرة إلى أوكرانيا، لكنها واجهت صعوبة في مواكبة هذه الوتيرة.
ويقول الباحثان، إنه بعد أن كانت أوكرانيا تعتمد في السابق على المساعدات الأمنية الخارجية، فإنها تتحول الآن إلى جهة توفر الأمن، فيما تتسابق الدول الشريكة للحصول على إمكانية الوصول إلى خبراتها. فقد انتقلت المملكة المتحدة إلى الإنتاج المشترك للطائرات المسيّرة وترتيبات لتبادل البيانات، وألغت خططا مقررة لبناء فئات من السفن الحربية لتمويل قدرات مستوحاة من النموذج الأوكراني. وأطلق الاتحاد الأوروبي تحالفا للطائرات المسيرة بين الاتحاد وأوكرانيا، فيما تعمل اليابان على إنشاء تجمع مشترك للطائرات المسيّرة بعد تخفيف قواعد تصدير الأسلحة.
ويُظهر المدربون العسكريون الأوكرانيون للشركاء مواضع تعارض أساليب التدريب القديمة مع واقع ساحة المعركة. ففي منطقة الخليج في أوائل عام 2026، ومع تصاعد حرب إيران، حصلت دول على طائرات اعتراضية مسيّرة مصممة في أوكرانيا لمواجهة طائرات "شاهد" الإيرانية القادمة، ثم عادت إلى كييف للحصول على المساعدة في استخدامها. وكما أشار دافيد ألويان من مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني: "الطائرة المسيّرة الاعتراضية ليست سوى طائرة مسيّرة. وهذا لا يعني أنك ستتمكن من إسقاط طائرات شاهد بها".
ولا تنتظر روسيا. ففي أغسطس 2024، أنشأت موسكو "روبيكون"، وهو مركز متخصص للطائرات المسيّرة يضم نحو 5 آلاف موظف اعتبارا من ربيع 2026، للمساعدة في استنساخ الابتكارات الأوكرانية وتطوير أنظمة جديدة. وبينما تشتري واشنطن إمكانية الوصول إلى هذه الخبرات بموجب عقد واحد في كل مرة، تحاول روسيا نقل دروس ساحة المعركة مباشرة إلى قواتها.
وأعلنت واشنطن طموحها للهيمنة في مجال الطائرات المسيّرة، لكن لا يمكن لأي إعلان أن يوفر الاختبارات والتحقق التي تميز بين الطائرات المسيّرة التي تعمل وتلك التي لا تعمل. وهذا هو ما تقدمه أوكرانيا. وقد أثبت اتفاق المعادن الحيوية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا أن إقامة هيكل ثنائي قائم على المعاملات أمر ممكن حتى في ظل واشنطن المتشككة في دعم أوكرانيا. ولا يعني أي من ذلك تجميل صورة قطاع الدفاع الأوكراني، الذي يعاني بدوره من الغموض وبعض الجدل حول المشتريات. بل يعني الاعتراف بأن أوكرانيا تمتلك شيئا لا تستطيع واشنطن أن تنشئه بمفردها.
ويقول الباحثان، إن هذه الشراكة تتطلب نواة مؤسسية، وينبغي للكونجرس تمويلها، من خلال خلية تنسيق مشتركة دائمة، وتوسيع الصلاحيات القانونية، وآليات للمشتريات متعددة السنوات، ومسار مُعجل لإصدار التراخيص وإبرام العقود ونقل التكنولوجيا والتعامل مع المعلومات المصنفة سرية.
وينبغي أن يكون شعار "صنّع في أمريكا، واختبر واثبت كفاءته في أوكرانيا" هو الموجّه لهذه الشراكة، بحيث يربط اختبار الأنظمة وجمع البيانات في ساحة المعركة، عبر جميع المجالات وبما يشمل البرمجيات التي تشغّلها، بخطوط الإنتاج الأمريكية.
وبدأ هذا النموذج في الظهور بالفعل. فقد نجحت بعض الشركات الأجنبية في ترسيخ مكانتها في صناعة الطائرات المسيّرة الأوكرانية من خلال الاختبار على الخطوط الأمامية، بالتوازي مع الإنتاج في بلدانها. وتتحرك العملية في الاتجاه المعاكس أيضا، ففي أغسطس 2026، سلّمت أول شركة أوكرانية تحصل على إذن من كييف لتصدير طائرات مسيّرة إلى الجيش الأمريكي، ألفي طائرة مسيّرة مجرّبة قتاليا إلى وزارة الدفاع الأمريكية، على أن يتبع ذلك إنشاء مصنع في ولاية أوهايو وتوفير ما لا يقل عن 300 وظيفة.
ويؤكد الباحثان أن القطاع الخاص وحده لا يستطيع أن يذهب إلى أبعد من ذلك. فواشنطن وحدها تستطيع تخفيف قواعد التصدير التي تُبقي معظم الشركات خارج هذا المجال، وتوفير الطلب بالحجم الذي يحوّل حفنة من الشركات الرائدة إلى قاعدة صناعية مستدامة.
والأهم من ذلك هو أنه ينبغي لواشنطن أن توفد أفرادا أمريكيين للعمل داخل المراكز الأوكرانية للعمليات والاختبارات، لاستيعاب ما تكشفه الحرب الحديثة يوميا. فالوصول إلى المعدات من دون نقل المعرفة يؤدي إلى مشكلة الخليج وهي : امتلاك طائرات اعتراضية من دون القدرة على تنفيذ عمليات اعتراض. ولا يمكن للزيارات القصيرة سوى التقاط لقطات عابرة لساحة معركة تعيد ابتكار نفسها خلال أسابيع.
وتعمل هذه الشراكة في الاتجاهين. إذ تحصل أوكرانيا على قدرات البحث والتطوير الأمريكية ورأس المال الذي تحتاج إليه بشدة لتوسيع الإنتاج. وفي المقابل، تمنح كييف إمكانية الوصول، وليس الملكية، وهو نهج تتبعه بالفعل في اتفاقاتها الأخرى المتعلقة بالطائرات المسيّرة. ويتعلم الشركاء داخل المنظومة الأوكرانية، بينما تظل الخبرة التي تمنحها هذه المنظومة قيمتها ملكا لأوكرانيا.
لكن قدرة أوكرانيا على توليد الدرس التالي لا تفقد قيمتها. وستضمن هذه الشراكة الوصول إلى هذا المصدر، وليس فقط إلى المعدات التي ينتجها. أما البديل فهو أبسط وأسوأ: تواصل واشنطن شراء الطائرات المسيّرة، وتدفع بالعملة الخطأ، بينما يتعلم طرف آخر الدروس الحقيقية للحرب.