واقعة بائعة الشاي.. استشاري نفسي: القيادة ليست دليلا على النضج.. والفص الجبهي يكتمل في منتصف العشرينيات

آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2026 - 6:57 م بتوقيت القاهرة

رنا عادل

أثارت واقعة دهس بائعة الشاي هدير محمد شعبان في منطقة حدائق الأهرام، حالة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، وأشعلت النقاش حول مخاطر السماح للمراهقين بقيادة السيارات قبل اكتمال نضجهم النفسي والعصبي، ودور الأسرة في غرس قيم المسئولية واحترام القوانين.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور ماجد أرنست استشاري الأمراض النفسية والعصبية، لـ"الشروق"، الأبعاد النفسية المرتبطة بالقضية والرسائل التربوية الخاطئة التي قد تسهم في تنمية السلوك المتهور أو ضعف التعاطف مع الآخرين، والسن الأنسب للقيادة من الناحيتين النفسية والعصبية والعوامل التي تحدد مدى استعداد المراهق لتحمل هذه المسئولية.

- الامتيازات وإضعاف التعاطف والمسئولية

قال الدكتور ماجد أرنست، إنه من منظور علم النفس التنموي وعلم النفس الاجتماعي فإن بعض الامتيازات التي يمنحها الآباء لأبنائهم ربما تضعف من إحساسهم بالآخرين، فالطفل لا يتعلم التعاطف من تلقاء نفسه، وبعض أساليب التربية تخلط بين تقدير الذات الصحي وبين الاستحقاقية.

وأضاف: "يظهر ذلك في غياب الشعور بالمسئولية، وإلقاء اللوم الدائم على الآخرين، والاعتماد على أن الأهل سيقومون بحل كل المشكلات التي يتسبب بها الطفل، إضافة إلى اعتقاده بأنه أهم من أي شخص آخر.. كما يصبح اهتمام الطفل وأسرته منصبًا على مظهره وكلام الناس عنه أكثر من اهتمامهم بتصرفاته تجاه الآخرين.. ولا يعد هذا مجرد "سوء تربية" يصفه البعض، بل يرتبط في علم النفس بما يعرف بضعف تنمية التعاطف والمسئولية الأخلاقية".

- وهم الكفاءة وتحميل المراهق ما لا يستطيع عقله التعامل معه

وبالنسبة للسماح بقيادة السيارة في سن مبكرة أو غير ذلك من الممارسات المشابهة، أشار أرنست، إلى أن المراهق يسعى إلى الاستقلال، لكن بعض الآباء يخلطون بين دعمه وبين تحميله ما لا يطيق أو ما لا يستطيع عقله التعامل معه.

وتابع: "من منظور علمي، فإن منح الطفل سيارة أو السماح له بقيادتها دون رخصة وقبل اكتمال نضجه يبعث برسالة مفادها بأنه أصبح رجلًا كاملًا وأن القوانين لا تنطبق عليه، وربما يؤدي ذلك إلى ما يعرف بـ"وهم الكفاءة"، إذ يعتقد المراهق أن لديه القدرة على التعامل مع مواقف تتجاوز قدراته الفعلية، بينما يشعر الآباء بالفخر دون إدراك أن النضج النفسي يختلف عن النضج البيولوجي".

- لماذا تتزايد اللامبالاة لدى بعض الأطفال والمراهقين؟

وفيما يتعلق بانتشار اللامبالاة تجاه الآخرين بين الأطفال والمراهقين، أوضح الدكتور ماجد، أن الأمر لا يقتصر على طبقة اجتماعية معينة، والانتماء الطبقي لا يفسر جميع الحالات، فهناك أبعاد أخرى عديدة، من بينها احتياج نفسي لدى بعض الآباء يدفعهم إلى الاعتقاد بأن أبناءهم يجب أن يكونوا أفضل منهم، فيحاولون تحقيق ذلك من خلال إتاحة ما لم يكن متاحًا لهم في السابق.

وبين أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تعزيز أهمية المظاهر والصورة الاجتماعية، إلى جانب وجود عوامل مرتبطة بالتغيرات المجتمعية الحالية التي تولد لدى بعض الآباء شعورًا بالذنب بسبب الانشغال عن أبنائهم، فيسعون إلى تعويضهم ماديًا أو بمنحهم امتيازات إضافية، اعتقادًا منهم أن هذه هي الطريقة المثلى لتعويض أي نقص، وأن عدم القيام بذلك قد يؤثر سلبًا على صحتهم النفسية.

- المراهق يفتقر إلى مهارات التخطيط وضبط الاندفاع

ولفت ماجد، إلى أنه من المهم الإشارة إلى أن المراهق ليس طفلًا بالمعنى الكامل، لكنه في الوقت نفسه لم يصل بعد إلى مرحلة النضج الكامل.

وقال إن من المعروف علميًا أن المناطق الدماغية المسئولة عن التخطيط وضبط الاندفاع وتقدير العواقب تستمر في النمو حتى منتصف العشرينيات تقريبًا، وفي المقابل، تنشط مراكز المكافأة والإثارة في وقت مبكر؛ مما يجعل المراهق أكثر ميلًا إلى التجربة والمغامرة، وأكثر تأثرًا بالأصدقاء والبيئة المحيطة به.

وتابع: "لذلك، فإن امتلاك المراهق لإمكانات كبيرة، مثل المال الوفير أو السلطة أو حرية الحركة الكاملة دون رقابة أو توجيه، قد يشكل عبئًا يفوق قدرته على الإدارة الرشيدة ويظلمه، على عكس ما يعتقده الآباء. فالحرية تحتاج إلى نضج ومسئولية، وليس إلى التقدم في العمر فقط".

- الأبناء يحتاجون إلى تحمل المسئولية عن الأخطاء

وأكمل: "خلاصة الأمر أن ما يحتاجه الأبناء ليس كثرة الامتيازات، بقدر ما يحتاجون إلى تنمية التعاطف مع الآخرين وتحمل المسئولية عن الأخطاء وتعلم الاعتذار واحترام القانون حتى في غياب الرقيب، مع منحهم قدرا من الحرية يتناسب مع ما يثبتونه من نضج وقدرة على تحمل المسئولية.

و أكد أرنست، أن أي حادثة فردية لا ينبغي أن تُستخدم للحكم على جيل كامل أو طبقة كاملة، لكن من حق المجتمع أن يناقش الظروف التربوية والاجتماعية التي قد تسهم في تقليل تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلًا.

- ماذا يقول علم النفس عن السن المناسبة للقيادة؟

وشدد الدكتور ماجد أرنست، على أنه من منظور علم النفس وعلوم الأعصاب، فإن مسألة القيادة تتجاوز مجرد تعلم المهارات اللازمة لذلك، وترتبط بمستوى النضج النفسي والعصبي للفرد.
وتابع: "من الناحية العلمية، تتطلب القيادة القدرة على ضبط الانفعالات ومقاومة الاندفاع وتقدير المخاطر واتخاذ قرارات سريعة ومتزنة، إلى جانب تحمل المسئولية تجاه سلامة الآخرين".

وأوضح أن هذه القدرات تعتمد بدرجة كبيرة على نضج الفص الجبهي في الدماغ، وهو الجزء المسئول عن الوظائف التنفيذية العليا، والذي يستمر في التطور حتى أوائل أو منتصف العشرينيات تقريبًا.

وبين أن هذا لا يعني أن الشخص لا يستطيع القيادة قبل سن الخامسة والعشرين، لكنه يعني أن احتمالات الاندفاع وسوء تقدير المخاطر تكون أعلى خلال سنوات المراهقة وبدايات الشباب، ولهذا تضع معظم الدول حدًا أدنى للقيادة، غالبًا بين السابعة عشرة والثامنة عشرة، مع اشتراط التدريب واجتياز الاختبارات والخضوع لإشراف تدريجي.

- لا يوجد سن سحري يصلح للجميع

وأكد أنه من منظور علم النفس، لا يوجد سن سحري يصلح للجميع، فهناك عوامل لا تقل أهمية عن العمر نفسه، وربما يكون شاب في التاسعة عشرة أكثر أهلية للقيادة من شخص يبلغ الخامسة والعشرين إذا كان الأخير متهورًا أو مندفعًا.

وتابع: "لكن يمكن القول بأنه لا يُنصح بالقيادة تحت سن الثامنة عشرة؛ لأن القدرات التنفيذية المرتبطة بتقدير العواقب وضبط السلوك لا تكون قد اكتملت بعد، وبين الثامنة عشرة والحادية والعشرين يمكن ممارسة القيادة بصورة آمنة نسبيًا مع الالتزام بالتدريب واكتساب الخبرة تدريجيًا والاختبارات المستمرة ووجود قدر مناسب من الرقابة والتوجيه".

وأضاف: "بعد الحادية والعشرين يزداد متوسط النضج وضبط النفس مع استمرار تراكم الخبرة العملية؛ لذلك يجب أن يضع المشرعون تلك النقاط في عين الاعتبار عند سن القوانين".

- القيادة ليست دليلًا على أن الابن أصبح كبيرًا

وبالنسبة للأهل، نصح الدكتور ماجد أرنست، بضرورة الوعي بأن القيادة ليست دليلًا على أن الابن أصبح كبيرًا، بل مسئولية تُمنح عندما يجتمع الحد الأدنى القانوني مع النضج النفسي والالتزام بالسلوك المسئول، لا استجابة لرغبة الابن في إثبات نفسه أو لشعور الوالدين بالفخر أو بلوغه مرحلة عمرية معينة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved