د. أحمد سعيد عزت عامر يكتب: المأمول في الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية

آخر تحديث: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 7:29 م بتوقيت القاهرة

مع اقتراب انتهاء الإطار الزمني للاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية 2022–2027، تبرز أهمية التفكير مبكرًا في ملامح المرحلة التالية، ليس باعتبارها مجرد امتداد زمني للاستراتيجية الحالية، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة تقييم التجربة الوطنية، واستخلاص دروسها، والبناء على ما تحقق فيها، وصولًا إلى مرحلة أكثر تقدمًا في إدارة الملكية الفكرية وتعظيم مردودها الاقتصادي والمجتمعي.

ولعل من المهم، قبل الحديث عن المأمول في المرحلة المقبلة، أن نستحضر السياق الذي أطلقت فيه الاستراتيجية الوطنية الأولى للملكية الفكرية، إذ بدأت جهود إعدادها في ضوء توجيهات القيادة السياسية، وتولى مجلس الوزراء تشكيل لجنة ضمت ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية لصياغتها، واستغرقت عملية الإعداد والمراجعة نحو 18 شهرًا، خلال الفترة من يونيو 2020 إلى يونيو 2022، بمشاركة 35 وزارة وجهة وهيئة حكومية، وبمعاونة عدد من الخبراء المتخصصين في مجالات الملكية الفكرية؛ وتُوِّجت هذه الجهود بإعلان رئيس مجلس الوزراء الإطلاق الرسمي للاستراتيجية في 21 سبتمبر 2022، في احتفالية برعاية السيد رئيس الجمهورية، وبمشاركة المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية وعدد من الوزراء وممثلي الجهات المعنية.

وقد حددت الاستراتيجية إطارًا زمنيًا يمتد لخمس سنوات (2022–2027)، وتبنت أربعة أهداف رئيسة تتمثل في حوكمة البنية المؤسسية للملكية الفكرية، وتهيئة البيئة التشريعية، وتفعيل المردود الاقتصادي للملكية الفكرية، وتوعية فئات المجتمع المصري بأهميتها. وهو ما يعكس أن الاستراتيجية لم تكن مجرد وثيقة تخطيطية، وإنما ثمرة جهد وطني تشاركي استهدف وضع إطار متكامل لتطوير منظومة الملكية الفكرية وربطها بأهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.

وفي تقديري، فإن أهمية هذه اللحظة الآن لا ترتبط فقط باقتراب نهاية الإطار الزمني للاستراتيجية، وإنما ترتبط أساسًا بأن مصر أصبحت أمام فرصة للانتقال من مرحلة وضع الأسس وبناء المؤسسات إلى مرحلة اختبار كفاءة المنظومة وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.

فإذا تأملنا مسار الملكية الفكرية في مصر، سنجد أنه شهد تطورًا تراكميًا مهمًا؛ بدأ بتوحيد الإطار التشريعي من خلال قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، ثم انتقل إلى بناء رؤية وطنية متكاملة من خلال الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية، وصولًا إلى إنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية بموجب القانون رقم 163 لسنة 2023.

وهذا التطور يفرض علينا ألا ننظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها بداية من نقطة الصفر، أو أن نتعامل مع انتهاء الاستراتيجية الحالية باعتباره مبررًا لإعادة طرح المبادرات والأهداف ذاتها، وإنما أن ننطلق من حصيلة ما تحقق، ونحدد ما لم يتحقق وأسبابه، ونستكشف الاحتياجات والمتغيرات التي قد تستدعي تطوير أولوياتنا وأدواتنا.

ومن هنا، فإن المأمول في الإصدار الثاني من الاستراتيجية هو أن يمثل انتقالًا نوعيًا من بناء منظومة الملكية الفكرية إلى رفع كفاءتها وتعظيم أثرها، وهو انتقال أرى أنه ينبغي أن يقوم على عدد من المرتكزات الأساسية.

أولًا: اختبار كفاءة المؤسسات وتحقيق التكامل المؤسسي

يمثل إنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية تطورًا مهمًا في فلسفة إدارة هذا الملف، ولا سيما في ظل تعدد الجهات التي كانت تتولى إدارة جوانب مختلفة من حقوق الملكية الفكرية، وما كان قد نشأ عن ذلك من تنازع في الاختصاصات أغلبه سلبي، أو صعوبة في تحديد المسؤوليات.

لكن من المهم التمييز بين توحيد الاختصاصات قانونًا وتحقيق التكامل المؤسسي فعليًا؛ فانتقال الاختصاصات إلى الجهاز يمثل خطوة تأسيسية مهمة، لكنه لا يضمن وحده تحقيق الكفاءة المنشودة.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد تقييمًا موضوعيًا لتجربة الجهاز، من خلال ثلاثة اعتبارات رئيسة، هي: وضوح الاختصاصات والمسؤوليات، وجودة الخدمات المقدمة لأصحاب الحقوق، والقيمة المضافة التي يقدمها الجهاز للمنظومة الوطنية.

فنجاح الجهاز لا ينبغي أن يقاس فقط بما حل محله من جهات، وإنما بما أضافه إلى المنظومة من كفاءة وتكامل وسرعة في تقديم الخدمات، فضلًا عن قدرته على تطوير السياسات، وتوفير البيانات والخبرات، وربط أصحاب الحقوق بالجهات القادرة على استثمارها.

كما أن اتساع الاختصاصات الممنوحة للجهاز يستلزم تحديد الأولويات وتوفير الكوادر والموارد اللازمة، وتطوير آليات التنسيق مع الجهات الأخرى، بما يمنع ظهور فراغات إدارية أو تداخلات جديدة في الاختصاص.

ثانيًا: من قياس الأنشطة إلى قياس النتائج والأثر

لا يمكن الحكم على نجاح أي استراتيجية وطنية بمجرد حصر الأنشطة والبرامج والمبادرات التي تم تنفيذها؛ فالأهم هو قياس ما أحدثته هذه الأنشطة من تغيير فعلي في الواقع.

ومن ثم، فإن الإصدار الثاني ينبغي أن يتضمن منظومة أكثر انتظامًا وشفافية لمؤشرات الأداء وقياس الأثر، تقوم على التمييز بين ثلاثة مستويات:


• مؤشرات التنفيذ: لقياس ما تم إنجازه من أنشطة وبرامج ومشروعات.

• مؤشرات النتائج: لقياس مدى تحسن الخدمات، وتطوير البيئة التشريعية والإجرائية، وزيادة معدلات التسجيل والترخيص والاستغلال.

• مؤشرات الأثر: لقياس انعكاس هذه النتائج على الباحثين والمبدعين والمستثمرين، وعلى الابتكار والإنتاج والصناعات الثقافية والاقتصاد الوطني.

ولتحقيق ذلك، لا يكفي أن تتضمن الاستراتيجية مجموعة من المؤشرات العامة، بل يتعين أن تنشئ منظومة مؤسسية متكاملة لقياس الأداء ومتابعة التنفيذ، تقوم على تحديد خط أساس لكل مؤشر، ومستهدفات كمية وزمنية قابلة للتحقق، ومصدر واضح للبيانات، ودورية محددة للقياس، فضلًا عن إسناد المسؤولية المباشرة عن كل مؤشر إلى الجهة المختصة داخل الجهاز المصري للملكية الفكرية.

وفي هذا الإطار، أقترح توزيع مسؤوليات القياس والمتابعة داخل الجهاز وفقًا لطبيعة الاختصاصات؛ بحيث تتولى المكاتب المختصة بكل نوع من أنواع الملكية الفكرية مسؤولية توفير البيانات المتعلقة بأداء خدمات التسجيل والفحص والإيداع ومنح وثائق الحماية، وقياس متوسط مدد إنجاز الطلبات، وحجم الطلبات المتراكمة، ومعدلات الإنجاز، ونسب التظلمات والقرارات التي يتم تعديلها أو إلغاؤها؛ وتتولى الجهة المختصة بقواعد البيانات والمعلومات توحيد معايير البيانات، والتحقق من دقتها، وإعداد المؤشرات الإحصائية المقارنة، وتطوير لوحة متابعة إلكترونية تتيح رصد التقدم بصورة منتظمة.

أما المؤشرات المرتبطة بتقييم الأصول الفكرية واستغلالها اقتصاديًا، فتُسند متابعتها إلى الجهة المختصة بهذا المجال، من خلال قياس عدد الأصول التي جرى تقييمها، وعدد اتفاقيات الترخيص والاستغلال، وحجم العوائد المتحققة، ومعدلات تحويل مخرجات البحث والابتكار إلى منتجات أو خدمات قابلة للتسويق، وبالمثل، تتولى الجهات المعنية بالتوعية والتدريب قياس مدى الوصول إلى الفئات المستهدفة، ومستوى التحسن في المعرفة والوعي، ومدى انعكاس البرامج التدريبية على الممارسات الفعلية للمستفيدين.

ولا ينبغي أن يقتصر القياس على مؤشرات الأداء الداخلي للجهاز، بل يجب أن يمتد إلى النتائج التي تتطلب تعاونًا مع الوزارات والجهات المعنية، مثل زيادة الاستفادة الاقتصادية من الابتكارات، ونمو أنشطة الترخيص ونقل التكنولوجيا، وتعزيز حماية حقوق المبدعين والمشروعات الصغيرة والناشئة، وفي هذه الحالة، يكون الجهاز مسؤولًا عن تنسيق جمع البيانات ومتابعة المؤشرات المشتركة، مع تحديد الجهة الشريكة المسؤولة عن توفير كل بيان أو تحقيق كل مستهدف؛ حتى لا تُحمّل جهة واحدة مسؤولية نتائج تتوقف على أداء جهات أخرى، ولنا في "مبادرة دولة الابتكار" فرصة لتحقيق ذلك بشكل واضح.

ولضمان فاعلية هذا النظام، أقترح إسناد مهمة التنسيق الفني والمتابعة المركزية إلى وحدة مختصة بمتابعة تنفيذ الاستراتيجية وقياس الأداء داخل الجهاز، تتولى تجميع التقارير الدورية الواردة من المكاتب والجهات المعنية، ومراجعة مدى الالتزام بالمستهدفات، وتحليل التعثرات، وتحديد أسباب التأخر أو التعثر، وإعداد تقرير موحد يُعرض على رئيس الجهاز تمهيدًا لرفعه إلى مجلس الإدارة؛ ويكون المجلس، بوصفه السلطة المهيمنة على شؤون الجهاز، جهة الإشراف العليا على متابعة تنفيذ الاستراتيجية، يتلقى كل التفصيلات السابقة في تقارير ربع سنوية، ويتخذ ما يلزم من قرارات أو توجيهات لإزالة العقبات وإعادة ترتيب الأولويات أو الموارد عند الاقتضاء.

ويقتضي ذلك أن يتضمن التقرير المقدم إلى مجلس الإدارة، على الأقل، بيانًا بالمستهدفات التي تحققت وتلك التي لم تتحقق، ومقدار الخلل عن المستهدف، والأسباب المؤسسية أو التشريعية أو المالية أو الفنية التي أدت إليه، والجهة المسؤولة عن معالجته، والإجراء التصحيحي المقترح، والمدة الزمنية اللازمة لتنفيذه، كما ينبغي أن يصدر عن المجلس تقييم سنوي معلن لمستوى التقدم، في الحدود التي لا تتعارض مع سرية البيانات والمعلومات المحمية قانونًا، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويتيح للجهات المعنية وأصحاب الحقوق والمجتمع متابعة نتائج الاستراتيجية.

والأهم أن يتحول هذا النظام من مجرد آلية لإعداد التقارير أو رصد نسب الإنجاز، أو تتبع مدى التطور في ترتيب تصنيف المستوى على أي معيار تصنيف صادر عن أي جهة دولية؛ باعتباره الهدف المنشود، إلى أداة فعلية لإدارة الأداء وتصحيح السياسات؛ فلا تكون قيمة المؤشر في إثبات تنفيذ نشاط أو استكمال إجراء، وإنما في الكشف عن مدى تحقق النتيجة المستهدفة، وتحديد ما إذا كانت السياسات والتدابير المتخذة قد أحدثت أثرًا حقيقيًا، وما إذا كان الأمر يتطلب الاستمرار فيها أو تعديلها أو استبدالها.

ثالثًا: من حماية الحقوق إلى تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول الفكرية

يمثل تفعيل المردود الاقتصادي للملكية الفكرية أحد أهم التحديات التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر في المرحلة المقبلة، فقد اعتدنا أن ننظر إلى الملكية الفكرية باعتبارها حقوقًا يجب حمايتها قانونًا، لكن التطور المطلوب يقتضي أن ننظر إليها أيضًا باعتبارها أصولًا غير مادية يمكن إدارتها وتقييمها وترخيصها واستثمارها.

فالحق المحمي قانونًا لا يتحول تلقائيًا إلى قيمة اقتصادية؛ إذ يتطلب ذلك سلسلة من الإجراءات والممارسات تبدأ بتحديد الحق ومالكه، والتحقق من سلامة مركزه القانوني، وتقييم قيمته، ثم اختيار نموذج الاستغلال المناسب، سواء من خلال الترخيص أو نقل التكنولوجيا أو الاستثمار المباشر أو غير ذلك من صور الاستغلال.

وهو ما يستلزم تطوير معايير مهنية لتقييم الأصول الفكرية تتناسب مع طبيعة كل أصل، وتطوير آليات إدارة وتسويق هذه الأصول، وربط أصحاب الحقوق بالمستثمرين والمنتجين والجهات القادرة على تحويلها إلى منتجات وخدمات.

ولا ينبغي أن يقتصر هذا التوجه على الأصول التي يمتلكها الأفراد أو المؤسسات الخاصة، بل يمتد أيضًا إلى الأصول الفكرية والثقافية التي تمتلكها الدولة ومؤسساتها، من خلال سياسات واضحة لتحديدها وتقييمها وإتاحتها واستغلالها، مع مراعاة الحقوق القائمة.

فأحد التحديات التي ينبغي الانتباه إليها هو احتمال وجود عدد كبير من الحقوق المحمية أو المسجلة، دون وجود سوق فعالة أو مؤسسات وسيطة قادرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية، ومن ثم، فإن بناء سوق للأصول الفكرية لا يقل أهمية عن بناء الإطار القانوني لحمايتها.

رابعًا: صاحب الحق محور قياس نجاح الاستراتيجية

لا ينبغي أن يقتصر تقييم نجاح الاستراتيجية على ما تحققه المؤسسات والجهات المعنية من إنجازات، وإنما يجب أن يمتد إلى قياس المنفعة الفعلية التي تعود على أصحاب الحقوق والمستفيدين من المنظومة.

فالباحث لا يحتاج فقط إلى تسجيل براءة اختراع أو نشر بحث علمي، وإنما يحتاج إلى منظومة تساعده على تحديد النتائج القابلة للحماية، وتقييمها، والوصول إلى شركاء صناعيين، وإبرام اتفاقات الترخيص أو نقل التكنولوجيا، مع ضمان حقوقه وحقوق جامعته أو جهة عمله.

والفنان لا يحتاج فقط إلى معرفة حقوقه المالية، وإنما يحتاج إلى آليات فعالة لتنظيم التعاقدات المتعلقة بأعماله، ومتابعة استغلالها في النشر والإنتاج والأداء العلني والمنصات الرقمية، والحصول على العائد المستحق.

أما صاحب المشروع، فينبغي أن يدرك أن العلامة التجارية ليست مجرد اسم أو شعار يتم تسجيله، وإنما أصل تجاري يبني السمعة والثقة والقدرة التنافسية، ويمكن أن يشكل أساسًا للتوسع والترخيص والامتياز التجاري.

ومن هنا، فإن الترجمة الحقيقية للاستراتيجية إلى منفعة ملموسة تتطلب الانتقال من مجرد تقديم المعلومات القانونية إلى تقديم خدمات متكاملة تشمل التوعية والاستشارة والتسجيل والتقييم والتعاقد والتسويق وتسوية المنازعات.

كما ينبغي أن يكون من أدوات تقييم الأداء قياس مدى سهولة حصول المستفيدين على الخدمات، وانخفاض تكلفة حماية الحقوق واستغلالها، وزيادة قدرتهم على تحقيق عائد من إبداعاتهم وابتكاراتهم.

خامسًا: ربط الملكية الفكرية بأولويات الدولة وتحقيق التكامل بين السياسات العامة

الملكية الفكرية ليست قطاعًا مستقلًا، وإنما منظومة أفقية تتقاطع مع معظم قطاعات الدولة؛ فبراءات الاختراع ترتبط بالبحث العلمي والصناعة والاستثمار، والعلامات التجارية ترتبط بالتجارة والتصدير، وحقوق المؤلف ترتبط بالصناعات الثقافية والإعلامية، والحقوق المرتبطة بالتراث تتصل بالهوية الثقافية والتنمية المحلية.

وبالتالي، فإن التعامل مع الملكية الفكرية باعتبارها ملفًا قانونيًا مستقلًا سيؤدي إلى عزلها عن القطاعات التي يفترض أن تحقق فيها أثرها.

والمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم التنسيق الإداري بين الجهات إلى مفهوم التكامل في السياسات العامة؛ بحيث تصبح اعتبارات الملكية الفكرية حاضرة عند إعداد سياسات البحث العلمي والابتكار والاستثمار والصناعة والثقافة، وليس مجرد اعتبار قانوني يُستدعى بعد ظهور المشكلة.

وهو ما يستلزم ربط الخطط والبيانات، وتحديد مسؤولية كل جهة عن المساهمة في تحقيق أهداف الاستراتيجية، وتطوير آليات مؤسسية لتبادل الخبرات ومتابعة المشروعات والنتائج بصورة دورية، كما تبرز أهمية البناء على المؤسسات والاستراتيجيات القائمة، وربطها في إطار وطني متكامل، بدلًا من إنشاء هياكل جديدة قد تعيد إنتاج الأدوار ذاتها.

سادسًا: تقييم الأولويات قبل التوسع في الإصلاحات التشريعية والمؤسسية

إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على المفاضلة بين استكمال الإصلاحات التشريعية وتحسين التنفيذ؛ لأن تحديد الأولوية يتوقف على طبيعة المشكلة وأسبابها، فقد تكون بعض المشكلات ناتجة عن قصور تشريعي يستدعي التدخل، بينما يرجع بعضها الآخر إلى تعقيد الإجراءات أو ضعف التنسيق أو نقص الموارد والخبرات المتخصصة، وهي مشكلات لا يتطلب علاجها بالضرورة إصدار تشريعات جديدة.

ولذلك، فإن تحديد أولويات الإصلاح ينبغي أن يستند إلى منهج موضوعي يبدأ برصد المشكلات من خلال بيانات الجهات المختصة وشكاوى المستفيدين وملاحظات أصحاب الحقوق والممارسين، ثم تحديد أسبابها، وتقدير أثر التدخل المطلوب وتكلفة عدم المعالجة، وصولًا إلى ترتيب الأولويات بحسب تأثيرها على كفاءة المنظومة وحقوق المستفيدين وقدرتها على تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي.

وفي هذا السياق، ينبغي أن يحظى استكمال البناء التشريعي بالاهتمام في المجالات التي يكشف التقييم عن وجود فجوات فيها، ومن بينها تنظيم الإدارة الجماعية للحقوق، وتقييم الأصول الفكرية، واستغلال مصنفات الملك العام، واستغلال عناصر التراث الحي وتنميته -بمفهوم الصون- مع مراعاة حقوق المجتمعات المحلية.

كما تظل كفاءة منظومة إنفاذ الحقوق وتسوية المنازعات، وتطوير القدرات البشرية، وتحسين الخدمات، من المتطلبات الأساسية لتحقيق الحماية الفعالة؛ فالتشريع الجيد هو الذي يعالج مشكلة واقعية، والمؤسسة الفعالة هي التي تقدم خدمة ملموسة، والإصلاح الحقيقي هو الذي ينعكس على أداء المنظومة والمستفيدين منها.

سابعًا: منهج إعداد الإصدار الثاني

لعل البداية الصحيحة لإعداد الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية يجب أن تكون بتقييم مستقل وموضوعي للاستراتيجية الحالية، قبل الشروع في صياغة الأهداف والمبادرات الجديدة؛ فالاستراتيجية الوطنية ليست وثيقة زمنية تنتهي بانتهاء مدتها، وإنما مسار مؤسسي يفترض أن تتراكم فيه الخبرات والنتائج، وإعداد استراتيجية جديدة دون تقييم ما سبق قد يؤدي إلى إعادة طرح الأهداف ذاتها، أو تكرار المبادرات نفسها، أو إغفال أسباب عدم تحقق بعض المستهدفات.

لذا ينبغي أن يتناول هذا التقييم ثلاثة أسئلة رئيسة: ما الذي تحقق بالفعل من الأهداف الأربعة للاستراتيجية؟ وما الأثر الذي أحدثته النتائج على أصحاب الحقوق والباحثين والمبدعين والمستثمرين؟ وما العوامل التي حالت دون تحقيق بعض المستهدفات، وهل تغيرت الظروف أو ظهرت احتياجات جديدة؟

وبناءً على نتائج هذا التقييم، يمكن تحديد ما إذا كنا بحاجة إلى استراتيجية جديدة بالكامل، أم إلى تحديث الاستراتيجية الحالية، أم إلى خطة تنفيذية أكثر تركيزًا للمرحلة التالية، وأعتقد أن نجاح الإصدار الثاني يتطلب أن يقوم على رؤية أكثر وضوحًا للأولويات، وأن يربط كل هدف بمشروعات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس، وجهات مسؤولة، وموارد محددة، وآليات للمتابعة والتقييم.

خاتمة: ثلاثة مؤشرات للحكم على نجاح المرحلة المقبلة

إن معايير نجاح السياسة الوطنية للملكية الفكرية بعد 2027 تتلخص في ثلاثة مؤشرات رئيسة، لقياس ثلاثة أبعاد متكاملة:
أولًا: معدل الاستغلال الاقتصادي للحقوق الفكرية: من خلال عدد وقيمة اتفاقات الترخيص ونقل التكنولوجيا واستغلال الأصول الفكرية، والعوائد والاستثمارات المرتبطة بها.

ثانيًا: كفاءة المنظومة المؤسسية والخدمات المقدمة للمستفيدين: من خلال سهولة الحصول على الخدمات، ومدة الإجراءات، ووضوح الاختصاصات، ومستوى رضا أصحاب الحقوق، وكفاءة التنسيق بين الجهات.

ثالثًا: الأثر التنموي للملكية الفكرية: من خلال مساهمتها في دعم الابتكار والبحث العلمي والصناعات الثقافية، وتحويل مخرجات البحث والإبداع إلى منتجات وخدمات وفرص عمل وقيمة مضافة.

ومع ذلك، ينبغي ألا نختزل قيمة الملكية الفكرية في العائد المالي المباشر وحده؛ فهناك حقوق تحقق قيمة علمية أو ثقافية أو تعليمية أو مجتمعية، وقد لا يكون استغلالها التجاري هو الغاية المناسبة لها؛ ومن ثم، يجب أن تتناسب أدوات قياس الأثر مع طبيعة الحق والغرض من حمايته واستغلاله.

إن المأمول في الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية ليس مجرد إضافة أهداف أو مبادرات جديدة، وإنما إحداث نقلة في فلسفة إدارة هذا الملف؛ من التركيز على بناء الإطار التشريعي والمؤسسي إلى اختبار كفاءته، ومن قياس الأنشطة إلى قياس النتائج، ومن حماية الحقوق إلى تنمية قيمتها الاقتصادية والمجتمعية.

فالتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لم يعد مجرد بناء منظومة لحماية حقوق الملكية الفكرية، وإنما تطوير قدرتها على إدارة هذه الحقوق باعتبارها أصولًا وطنية قابلة للتنمية والاستثمار، ضمن منظومة مؤسسية متكاملة تربط الابتكار والإبداع بالاقتصاد والمجتمع.

د. أحمد سعيد عزت عامر
دكتور القانون المدني
خبير الملكية الفكرية والتراث الثقافي
عضو لجنة حماية حقوق الملكية الفكرية - المجلس الأعلى للثقافة
حائز جائزة الدولة التشجيعية في العلوم القانونية والاقتصادية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved