مذكرة إفريقية - جميل مطر - بوابة الشروق
الأربعاء 10 يونيو 2026 11:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

مذكرة إفريقية

نشر فى : الأربعاء 10 يونيو 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 10 يونيو 2026 - 7:20 م

انتظم فى القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا، قيل لى إنه كان فاترًا مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم فى أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحدًا من «الشكائين» أو «البكائين» على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف أننى حزنت نوعًا ما لأننا لم ننظم احتفالًا يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية، احتفال ينسجم مع قادم الأيام والأحلام. أتمنى على كل حال أن لا يتمدد سبب حزنى أو يطول.

• • •

لى مع إفريقيا حكايات ولى مع الصين حكايات أخرى. ففى مثل عمرى يحب المرء أن يقضى بعض فراغ وقته، وهو بعض كبير، يقضيه مع الذكريات ينعشها وتنعشه ثم يستأذن ليروى منها ما لا يزعج ولا يؤذى. 

أذكرنى جالسًا فى غرفة من غرف مخصصة لموظفى إدارة الصحافة فى موقعها الجديد بالعمارة التى احتلتها وزارة الخارجية فى ضاحية الجيزة، وفى الطابق ذاته سكنت الإدارة الإفريقية وإدارات غيرها غرفا أخرى. تصادف وقتها، أى قبل حوالى 60 سنة، أننى كنت عائدًا للديوان العام من دورة السنوات الأربع التى قضيتها فى الهند والصين وإيطاليا على التوالى. تصادف أيضا أن زملاء آخرين من دفعتى كانوا عائدين من دورات أخذت البعض منهم إلى سفارات فى باكستان والسودان والدانمارك وقنصلية نابولى، هؤلاء التحقوا بإدارات متنوعة منها الإدارة الإفريقية ومكاتبها، كما ذكرت، تقع بالطابق نفسه الذى احتلته إدارتنا.

• • •

لاحظت، وهنا تبدأ الحكاية، لاحظت أن زملائى فى الإدارة الإفريقية كانوا يقضون معظم أوقات عملهم فى مكاتبنا بإدارة الصحافة وكأنهم بلا عمل يؤدونه. صرنا مع الوقت على علم بشكواهم، وخلاصتها أن جهازا يتبع رئيس الدولة مباشرة صار يحتكر كل العمل المتعلق بالنشاط المصرى فى إفريقيا وبسياسات وأنشطة الدول الإفريقية. تردد كثيرا اسم الضابط الشاب محمد فايق كرئيس لهذا الجهاز. ساد بيننا كشباب حديثى العهد بالدبلوماسية ما يشبه الحزن على زملائنا فى الإدارة الإفريقية الذين قضوا عامين على الأقل بدون عمل مهم يؤدونه.
• • •

مرت سنوات كثيرة بعضها قضيته فى العمل الدبلوماسى فى أمريكا اللاتينية وبعضها فى جامعة للدراسات العليا وبعضها فى العمل البحثى فى مراكز للدراسات السياسية وبعضها فى جامعة الدول العربية مسئولا فى جانب منه عن قطاع المعونة الفنية للدول الإفريقية. هنا فى هذا القطاع اقتربت من إفريقيا كما لم أقترب من مجال اهتمام آخر باستثناء الصين.

• • •

أنا مدين لكثيرين قدمونى لإفريقيا، ولكنى أختص باعترافى بالجميل، وهو كبير وصادق وثمين، لعدد محدود، على رأسهم محمد فايق. كان، ولا يزال يعيش فى قلوب زعماء أفارقة قادوا معه بلادهم نحو الحرية ووضع الأساس لتصبح مصر دولة إفريقية رائدة، ولو إلى حين.

كان سمير أمين واحدا من بين كثيرين رشحوا لى فايق ليحتل هذه المكانة الفريدة فى قائمة من أعتز بقيمتهم ومنهم من قدم لإفريقيا خدمات جليلة وسعى بكل الإخلاص ليحقق أهدافها ويعزز سعيها نحو التقدم والتكامل. من هؤلاء الدكتور بطرس غالى الوزير المغرم بإفريقيا، والسفير العظيم وزميل دفعتى بالخارجية أحمد حجاج، والناشط الإفريقى الرائع حلمى شعراوى، وصاحب المبادئ الخلاقة محسن عوض، والباحث الدءوب والرائع حمدى عبدالرحمن، والسفيرة منى عمر الصديقة والصادقة فى حبها لإفريقيا بخاصة ولعملها وزملائها عموما، والزميلة أمانى الطويل الباحثة القديرة والإنسانة المتآلفة عشقا وتناغما مع الطبيعة البشرية الإفريقية.
• • •

زرت داكار. هناك رأيت سمير أمين يعمل على الطبيعة متحديا واقعا صعبا. حضرته يحاضر فى التنمية عشرات الباحثين من كافة الجنسيات الإفريقية فى مركز تابع للأمم المتحدة. وصفه سياسيون أجانب بالراهب الذى وهب نفسه لخدمة إفريقيا فقد ساهم  فى تكوين خبراء وعلماء اجتماع قادوا فى بلادهم الناشئة الخطوات الأولى نحو السيادة والرقى والإرادة الحرة. اجتمعنا مرات وفى كل مرة ازداد ثقة بأننى أمام رجل سوف تذكره إفريقيا بكل الخير لسنوات قادمة.

• • •

زرت بعدها زامبيا وجنوب إفريقيا وفى رحلة ثالثة زرت جزر «الأقمر» وموزمبيق ومدغشقر وتانزانيا وكينيا وجنوب السودان وإثيوبيا والصومال، وفى جميعها اجتمع الناس فى نفس واحد على مديح نيلسون مانديلا ومحمد فايق، وفى حفل أقيم لتكريمى قلد أحد هؤلاء الزعماء فايق صفة «بطل إفريقيا»، زعيم آخر اختصه بعبارة القائد المشارك لأسطورة الاستقلال الوطنى فى إفريقيا. لن أنسى قدر انفعالى يوم أطلعنى أحد الحكام الأفارقة، وكان ما يزال يسعى للحصول على اعتراف الدول بدولته الناشئة، أطلعنى على صورته مع فايق فى القاهرة وسط استعدادات العودة لبلاده لإعلان استقلالها، معترفا بأن هذه الصورة حققت له أوسع تأييد وتضامن خلال المراحل النهائية لنضاله.

• • •

كان للتجوال فى أنحاء إفريقيا فى ذلك الوقت طعم محبب. طعم شعوب أفاقت من كابوس رهيب، أذكر قادتهم وقد جاءوا إلى القاهرة بنية التصديق فى مؤتمر شامل لكل إفريقيا على وثيقة إقامة منظمة إفريقية كبرى تلم شتات الإفريقيين دولا ومنظمات وشعوبًا وحركات وطموحات وأحلامًا. كنت شاهدًا على فرحة أممية لا تعادلها فرحة أخرى.

أذكرنى، قبل التخرج من الجامعة، وأنا أعيش يوما مع قبيلة تسكن جبالا فى أعالى كردفان. تصادف أنه كان يوم احتفال شيوخها بعيد بلوغ شباب القبيلة. كنت أعرف أن للبلوغ عند القبائل الإفريقية مكانة مقدسة. يثقون، كما شرح لنا أحد شيوخ القبيلة صباح يوم الاحتفال، أن عيد «البلوغ» يعنى أشياء كثيرة، فى صدارتها يأتى الإيمان بأن القبيلة فى هذا اليوم تتجدد وترتقى فى آن. حضرنى هذا الشرح وأنا أشارك ضمن فريق من شباب الخارجية المصرية مكلف بتنظيم عقد المؤتمر الإفريقى الأول فأتساءل عما إذا كان ما أشهد أمامى فى القاعة من حماسة وصدق وثقة فى المستقبل هو أول خطوة على الطريق نحو «البلوغ»، بلوغ الأمة، أمتنا العربية وأمة إفريقيا.
• • •

الغريب والمثير معا هو أن يخطر لى الشرح نفسه بعد مرور أكثر من عشرين سنة على انعقاد المؤتمر الإفريقى الأول وكنت رئيسا لفريق لجنة صياغة قرارات أحد مؤتمرات القمة العربية، وكنا، رئيسا وأعضاء وبينهم من صار وزيرا لخارجية بلاده، مجمعين على أننا نعيش للأسف مرحلة أفول فى العمل العربى المشترك. يومها خطر الخاطر نفسه حتى رحت أتساءل عما إذا كان ما نشهده أمامنا خطوة إلى الوراء على الطريق نحو «البلوغ»؟ هل هو النكوص الجماعى عن مهمة تحقيق أقدس أقداس العمل السياسى، وأقصد التكامل القومى أو الإقليمى أمنيا واقتصاديا؟

• • •

مرت سنوات أخرى عديدة. اجتمعنا بعدها فى القاهرة كفريق مشترك من متخصصين فى الشئون العربية ومتخصصين فى الشئون الإفريقية. فكرنا وبحثنا وتوصلنا إلى رأى أخشى القول إنه كان موحدا. نعم، لقد سعت الأمم الإفريقية والأمم العربية للوصول كل بوسائلها الخاصة إلى حال «البلوغ»، وكانت حصيلة السعى واحدة فى الساحتين العربية والإفريقية:

كلاهما وصل إلى «سن البلوغ»، ثم تجاوزه دون أن يتوصل أى منهما، وللأسف الشديد، إلى «حال البلوغ».

***

تؤلمنى الإضافة بأنه حتى السعى نحو «البلوغ» توقف.

 

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي