ترامب وإيران.. عُقدة الاسترضاء

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 29 يونيو 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

بموازاة تحفظات إيرانية شتى، فاقم قرار الكونجرس الأمريكى بإنهاء الحرب على إيران، وتقييد تحركات الرئيس العسكرية بشأنها، حدة الانتقادات الغربية لمذكرة التفاهم الأمريكية ــ الإيرانية؛ حيث اعتبرها ناقمون استدعاءً للتداعيات الخطيرة لسياسة «الاسترضاء»، التى اعتمدها الغرب لتسوية صراعات دولية سابقة، أشعلتها أطراف دولية عبر انتهاج التصعيد العسكرى الممنهج؛ ابتغاء النفوذ وتوسلًا للهيمنة.


يأبى مراقبون غربيون إلا الربط بين تلك المذكرة الموقعة إلكترونيًا، فى وقت سابق من الشهر الجارى، و«اتفاق ميونيخ» المبرم فى سبتمبر 1938، بين ألمانيا النازية وكل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. فبموجبه، تسنى لهتلر ضم منطقة «السوديت» التابعة لتشيكوسلوفاكيا، والتى يقطنها ناطقون بالألمانية، فى محاولة من الحلفاء لاحتواء النزعات التوسعية لألمانيا النازية، وتجنب اندلاع حرب عالمية. وعلى إثر ذلك، تم تقسيم تشيكوسلوفاكيا بين كل من ألمانيا النازية وبولندا والمجر. واعتبرت تشيكوسلوفاكيا الاتفاق «خيانة» صريحة لها من قبل بريطانيا وفرنسا. وبعد ستة أشهر فقط من توقيع الاتفاق، نكث هتلر وعده، واستولى على بقية تشيكوسلوفاكيا. ولم يحل الحول حتى اجتاح بولندا، فى سبتمبر 1939، ما دفع بريطانيا وفرنسا لإعلان الحرب على ألمانيا، لتنزلق البشرية إلى أتون الحرب العالمية الثانية. وتغدو «اتفاقية ميونيخ» مثالًا حيًا لسياسة الاسترضاء والتنازل حيال الدول ذات النزعات العدوانية والتوسعية، بما يؤجج نيران الحروب بدلًا من منعها أو احتوائها.


مع اقتراب نهاية الحرب الكونية الثانية، وجد الغرب نفسه على موعد مع نسخة جديدة من «اتفاق ميونيخ». فإبان «مؤتمر يالطا»، فى فبراير 1945، لجأت الولايات المتحدة إلى «استرضاء» الزعيم السوفييتى، جوزيف ستالين، لإغراء الجيش الأحمر بالانخراط فى الحرب ضد اليابان على الجبهة الشرقية. فتوخيًا منه لتجنيب الجيش الأمريكى نزيف الخسائر البشرية الهائلة أثناء الغزو المحتمل للجزر اليابانية، مع إجبار الجيش الإمبراطورى اليابانى المرابط فى الصين على الاستسلام، وافق الرئيس روزفلت على منح السوفييت امتيازات جيوسياسية حيوية فى القارة الآسيوية. بدوره، أعلن ستالين الحرب على اليابان بعد هزيمة ألمانيا النازية، مقابل تحصيل أربعة مغانم استراتيجية، هى: استعادة الأجزاء التى فقدتها الإمبراطورية الروسية إثر حرب عام 1904، مثل النصف الجنوبى من جزيرة سخالين، وتأجير ميناء «بورت آرثر» الاستراتيجى، والسيطرة على خطوط السكك الحديدية فى منشوريا، والاعتراف باستقلال منغوليا عن الصين. ورغم نجاح المخطط الأمريكى الهادف إلى قهر اليابانيين بالسوفييت، فإن حربًا باردة ضروسًا اندلعت، ودامت قرابة نصف قرن، بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.


ألقت سياسة الاسترضاء الغربية لهتلر، ومن بعده ستالين، بظلال من الغيوم على تعاطى الأمريكيين مع أزمة نشر الصواريخ النووية السوفيتية فى كوبا عام 1962. ففى تقديراتها الاستراتيجية للرد على التمدد النووى السوفييتى فى الجزيرة الكاريبية، أصرت المنظومة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية على تبنى خيارات تصعيدية إزاء السوفييت وحليفهم الكوبى، سواء عبر غزو الجزيرة واحتلالها، أو من خلال توجيه ضربة نووية استباقية لموسكو. لكن الرئيس جون كينيدى آثر تجنب مواجهة نووية مدمرة، عبر إدارة الأزمة دبلوماسيًا وتسويتها من خلال المفاوضات، حتى دفع حياته ثمنًا لمقاربته السلمية الناجحة، التى اعتبرتها الدوائر العسكرية والاستخباراتية الأمريكية المتشددة بمثابة سياسة استرضاء جديدة لموسكو.


على مشارف الغزو الروسى لأوكرانيا فى فبراير 2022، شبّه وزير الدفاع البريطانى، بن والاس، الجهود الدبلوماسية الغربية الخجولة الرامية إلى منعه، بمساعى استرضاء ألمانيا النازية قبل الحرب العالمية الثانية. إذ صرح لصحيفة «صنداى تايمز»، فى حينها، أن الرئيس بوتين يمكنه توجيه حشوده العسكرية إلى أوكرانيا فى أى وقت، استنادًا إلى أن الدول الغربية لم تكن صارمة بما فيه الكفاية للجمه. فقد كان من الممكن إجباره على التراجع، لكن «ظلال ميونيخ» كانت تلبد الأفق. وحذر والاس من محاولات استرضاء بوتين عبر منحه القرم وأجزاء من شرق أوكرانيا، أو إخلاء أوكرانيا من قوات الناتو، أو تقديم تنازلات أشد وطأة، تلافيًا لنشوب حرب عالمية. لكن الوزير البريطانى ارتأى أن المآلات قد تكون مشابهة لسيناريو ألمانيا النازية عام 1939، حين تحولت السيطرة الألمانية على منطقة «السوديت» إلى احتلال شامل لتشيكوسلوفاكيا بأكملها، تلته اجتياحات لأوروبا، خلفت أصداءً مزلزلة على السلم والأمن الدوليين، وتركت وصمة عار فى جبين الحلفاء. ولطالما ألمح سياسيون أمريكيون، على رأسهم وزير الخارجية الأسبق، هنرى كيسنجر، إلى ضرورة تجنب حرب عالمية ثالثة مُهلكة بين موسكو والغرب بسبب أوكرانيا، عبر فرض تسوية تتيح لبوتين بسط سيطرته على شرق أوكرانيا والقرم، الأمر الذى اعتبره خبراء أوروبيون إعادة إنتاج لسياسة الاسترضاء الغربية مع هتلر فى ميونيخ عام 1938، ثم مع ستالين فى يالطا عام 1945.


يوقن منتقدو مذكرة تفاهم ترامب مع إيران، من أطياف الديمقراطيين والجمهوريين والمحافظين والتقدميين، بأن المذكرة تشكل استسلامًا وإذعانًا من لدن واشنطن لمطالب الإيرانيين؛ إذ تمنح طهران مكاسب جمة مقابل التزامات محدودة وغامضة، خاصة فيما يتعلق بالملف النووى، وبرنامج الصواريخ، والنفوذ الإقليمى. كما يرون أن واشنطن تخلت عن جزء مهم من أوراق ضغطها الاستراتيجية، دون أن تحصل، فى المقابل، على ضمانات كافية لمعالجة مصادر القلق الرئيسية المرتبطة بإيران. وفى مقال نشره بصحيفة «وول ستريت جورنال» مؤخرًا، اعتبر نائبه السابق، مايك بنس، أن المذكرة، التى تمنح إيران مكاسب اقتصادية فورية، عبر تخفيف جزئى للعقوبات، واستئناف صادرات الطاقة، قبل سبر أغوار القضايا الخلافية الجوهرية، لا سيما النووية منها، لن تنهى التهديد الإيرانى. ذلك أن رفض طهران السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المنشآت النووية المتضررة بالقصف، والتى تحوى مخزونات اليورانيوم عالى التخصيب بنسبة 60%، والقريب من إنتاج السلاح النووى، إنما يؤسس لسياسة استرضاء إزاء طهران، طالما رفضها ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى. وقد أظهر استطلاع رأى أجرته شبكة «سى بى إس» الأمريكية أن 37% من الأمريكيين يعتقدون أن مذكرة التفاهم تصب فى مصلحة طهران، مقابل 22% فقط يرون أنها تدعم مصلحة واشنطن.


بينما يرى ترامب فى المذكرة خطوة نحو احتواء التصعيد وفتح مسار تفاوضى طويل الأمد، تبدو الرؤية الأوروبية أكثر تشككًا فى جدواها. فرغم كونها إطارًا فنيًا أو سياسيًا لإدارة الخلافات مع إيران، فإنها تمنح نظامها مكاسب سياسية واقتصادية تعزز من حضوره وشرعيته، كما تعيد تأهيله دوليًا، من دون حدوث تغيير إيجابى ملموس فى سياساته. فوسط غياب مقاربة شاملة لإعادة هندسة دور إيران الإقليمى، تخشى أوروبا أن تفضى مذكرة التفاهم إلى إعادة إدماج طهران فى النظام الدولى، دونما ضمانات كافية بشأن تقييد طموحاتها النووية، وتقويم سلوكها الإقليمى، أو التزامها بتخفيض التوترات فى الشرق الأوسط. كما يشكك الأوروبيون فى قدرة المذكرة على بلورة اتفاق سلام دائم، فى ظل صعوبات التعويل على أية التزامات إيرانية طويلة الأمد، بمقدورها الإسهام فى تأسيس بنية أمنية إقليمية مستقرة، ما لم يصاحبها ضمانات تنفيذ واضحة، وضغوط قوية، وآليات مراقبة صارمة. ويخشى بعض الأوروبيين أن يؤدى إلغاء العقوبات، أو تخفيفها، إلى تعزيز القدرات المالية للنظام الإيراني، بغير قيود كافية، بما يخوله إعادة بناء قدراته العسكرية، وتوسيع نفوذه الإقليمى، أو دعم وكلائه فى مناطق النزاع. ويطالب هؤلاء بأن يكون الربط بين الانفتاح الاقتصادى وتغيير سلوك ذلك النظام أكثر صرامة ووضوحًا. ويعتقد منتقدون أن عدم إشراك دول الخليج وأطراف إقليمية فى مفاوضات هى الأكثر تأثرًا بمخرجاتها يضعف فرص إدراك تسوية شاملة ومستدامة، وبناء إطار أمنى إقليمى مستقر، خاصة أن مذكرة التفاهم تتضمن التزامات نيابة عن أطراف مغيبة عن المفاوضات، حيث قدمت الولايات المتحدة تعهدات نيابة عن إسرائيل، فيما قدمت إيران تعهدات نيابة عن حزب الله، لجهة وقف إطلاق النار بلبنان.


خلافًا للنخبة الحاكمة فى إيران، يحاول ترامب إظهار رباطة جأش إزاء المعارضة الواسعة لمذكرة التفاهم المثيرة للجدل، حتى إنه اعتبر منتقديها «جهلة، حاقدين وأغبياء»، مستشهدًا بتحقيق بورصة الأسهم أرباحًا قياسية، وهبوط أسعار النفط والبنزين. ويتوق ترامب لاحتواء تداعيات الأزمة قبل إجراء انتخابات الكونجرس النصفية فى نوفمبر المقبل. كما يتطلع لتجنب نموذج «هربرت هوفر»، الرئيس الحادى والثلاثين، الذى ارتبط اسمه بانهيار وول ستريت والكساد الكبير. لذا، يأمل تحويل المذكرة إلى اتفاق شامل ينزع فتيل انفجار إقليمى، ويعيد فتح قنوات الحوار البناء مع طهران، توطئة لطى صفحات عقود من التصعيد العقابى والجفاء الدبلوماسى، تكللت بتصعيد عسكرى تتآكل جدواه الاستراتيجية، بينما تلقى أصداؤه المريرة بظلالها الكئيبة على الاقتصاد العالمى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved